نضال العاملات في معمل ماموتيكس : بين حلم الإدارة الذاتية وزواله

 

في إطار صناعة نسيج متدهورة، ونسف آلاف فرص العمل في القطاع، يبدو أنه قد تم حسم مصير ٦٧ عاملة في معمل ماموتكس في شيبا المتخصص بخياطة الملابس للماركات الأوروبية. فبعد عشرين سنة من العمل، قرر صاحب الشركة أن يغلقها مما يهدد بالبطالة العاملات اللواتي لم يقبضن رواتبهن منذ بداية السنة. خلال هذه المغامرة السيئة تعلمت العاملات كيف يتم الاتحاد ورص الصفوف من أجل الوصول في مارس ٢٠١٦ إلى إدارة المعمل ذاتياً بشكل مؤقت: كانت تلك سابقة في تونس وتجربة جديدة للعاملات، لكنها لم تلبث أن اصطدمت بالواقع المر بعيداً عن الأوهام.

سنوات من الإذلال

798 1
الصورة : العاملات في مدخل معمل ماموتكس المغلق يحملن لافتة للمطالبة بحقهن في العمل تحت راية الاتحاد العام التونسي للشغل، وهي السلطة النقابية المركزية. ملكية الصورة: منية بن حميدي

تعمل ليلى دييك في المعمل منذ إنشائه، وقد رأت خلال ذلك أشكالاً وألواناً من ظروف العمل السيئة، ومن الإذلال شبه اليومي. ليلى أم لثلاثة أولاد يدرسون في الجامعة، وهي تروي لنا ما شهدته: “من عشرين سنة وهم يرعبوننا ويضغطون علينا. إن توقفت عاملة لبرهة عن العمل، كانوا يأتون لمعاقبتها بالوقوف قرب الباب ووجهها للحائط. إنهم يراقبوننا، وبمجرد أن تتحدث امرأة مع امرأة أخرى، كانوا يصرخون عليها. لا بل أنهم يمكن أن يرموا البضاعة في وجهنا”.
 
بفضل سنوات الخبرة التي لديها، صارت ليلى رئيسة قسم المراقبة على التصدير، "ومع ذلك -تقول شاكية- كانوا في بعض الأحيان يصرخون في وجهي... تصوروا، وأنا في هذا العمر...”.

798 2
الصورة: ليلى دييك تعمل في المعمل نفسه منذ عشرين سنة. عائلتها وزوجها من النقابيين، ولقد دافعت عن تأسيس نقابة داخل معمل ماموتكس رغم الضغوطات التي مورست عليها. ملكية الصورة: منية بن حمادي.

“في بعض الأحيان كانوا يحبسوننا داخل المعمل".
 
بالإضافة إلى هذا العنف الفيزيائي والكلامي، كانت هناك فترات طويلة من عدم الأمان والاستقرار. “كل شي كان يُحسب بأقل من قيمته: المكافآت، الرواتب، الساعات الإضافية، تثبيت الفتيات....”. كان على الفتيات أن تنتظرن في بعض الأحيان عدة شهور لقبض الرواتب. أما بالنسبة لتعويض النـأمينات الاجتماعية، فكان "يُدفع مرة ويُهمل مرة أخرى”.

تروي هدى شرف الدين هي أيضاً سنوات العذاب هذه. “في بعض الأحيان كان يتم حبسنا داخل المعمل أيام السبت بعد الظهر لكي ننهي طلبية ما. كانوا يمنعونا من الخروج ولا يدفعون لنا الساعات الإضافية”. وتضيف ليلى من جهتها: “كان المعلم يتصرف بنفس طريقة بن علي تماماً".

798 3
الصورة: هدى شرف الدين لديها ٣ أطفال من بينهم رضيع عمره ٩ أشهر. زوجها يعمل في صيد السمك وهي تأمل أن تحافظ على مصدر رزقها على تواضعه من أجل "تربية الأطفال بشكل لائق”. عندما تذهب ليلى للعمل أو لتناضل من أجل حقوقها، فإنها تطلب من جارتها أن تعتني بالرضيع. ملكية الصورة: منية بن حمادي

معركة من أجل الكرامة

في نهاية ٢٠١٣، قررت العاملات الدفاع عن أنفسهن ضد صاحب المعمل من خلال تأسيس نقابة خاصة بهن تكون مرتبطة بالاتحاد العام التونسي للشغل. “من وقتها، تحسنت ظروف عملنا بشكل واضح، واستطعنا على الأخص أن نستعيد كرامتنا. الكرامة أهم شيء. الكرامة تأتي قبل الخبز". هكذا كانت ليلى تعزي نفسها، هي التي ولدت في عائلة من النقابيين. بالنسبة للأخريات، كان العمل النقابي بمثابة درس لهن حول حق العمل.

حاول رب العمل أن يثني البنات عن هذا القرار من خلال ممارسة الضفوطات على بعضهنّ، ولجأ في ذلك أحياناً إلى الأب أو الأخ. لكنهن صمدن. في البداية، وبسبب الخوف من الانتقام، كان عدد اللواتي تجرأن على الانخراط في النشاط النقابي قليل جداً . شيئاً فشيئاً بدأت أكثر الفتيات تشكيكاً تقتنع بأن الاتحاد مصدر قوة. “الآن لم يعد يستطيع أيّ كان أن يصرخ بوجهنا. وإن حصل ذلك، نوقف العمل”.

بعد تأسيس النقابة، استطاعت العاملات أخيرا التنفس. فرغم التأخير، تم دفع الرواتب وتمت ترقية عدد منهن. ولئن ظلت هناك بعض التجاوزات، فقد صار من المعروف لهنّ كيف يتم التعامل مع ذلك. “قبل ذلك لم نكن نعرف حتى أن نتأكد من أنه قد تم تسديد التأمينات الاجتماعية. مع النقابة فهمنا بشكل واقعي كيف يسير كل شيء" حسب ما تقول هدى التي سرعان ما تشرح مؤكدة:
“الآن صرنا نتحاور فيما بيننا ونتحدث عن رواتبنا وعن ظروف العمل. صرنا نطالب بحقنا بصوت مسموع. أنا شخصياً تعلمت أشياء كثيرة. تعلمت أنني يجب أن أناضل من أجل حقوقي"

798 4
الصورة : في شيبا، لم يعد من النادر رؤية نساء يتجولن في المدينة على الدراجة. هناك عدة عاملات في المعمل صرن يتنقلن بالموبيليت أو بالسكوتر. ملكية الصورة: منية بن حمادي.

إدارة ذاتية غير متوقعة
 
عندما أعلن منير ادريس لعاملاته في يناير ٢٠١٦ أن مكافأة نهاية السنة لن تُدفع، وأنه لم تعد لديه الوسائل لإعطائها، ثارت ليلى ووسيلة وبقية الزميلات. كانت الشركة -حسب قول رب العمل- تمر بحالة سيئة منذ الأحداث التي هزت البلاد في ٢٠١١ بسبب الوضع الاقتصادي السيء ومطالبات العمال. ويضيف رب العمل بثقة كبيرة: ”بدأت العاملات بالمطالبة بظروف أفضل في العمل وبرواتب أحسن في حين لم تكن لدي إمكانية تلبية هذه الطلبات لأن سوق النسيج كان يمر بأزمة عميقة. كل المشاكل بدأت عندما أسسن النقابة"،

لم يعد الذل محتملاً. تضافرت جهود العاملات وقمن بالتظاهر خلال عدة أسابيع. بعد أكثر من شهر من الصراع، ومن المفاوضات بلا نهاية، تم أخيراً توقيع اتفاق غير مسبوق ما بين الحكومة والنقابة ورئيس الشركة.

وهكذا نالت العاملات السبعة والستون حقّهن: الإدارة الذاتية الكاملة للشركة واستخدام الأرباح لدفع الرواتب المتراكمة. كانت تلك سابقة في تونس. “أخذت السكرتيرة بتدبير الحسابات مع أعضاء النقابة. أصلا لم يكن الرئيس يعمل أي شيء.  كل ما نريده هو أن نقبض رواتبنا وأن نستعيد الأموال التي يدين بها لنا، إن كانت هناك أرباح" كما تؤكد ليلى. “نحن مستعدات للقيام بمجهود، وأن نضحي لفترة، على أن يتم إنقاذ الشركة وأن نحتفظ بعملنا". تلك هي الخلاصة التي وصلت إليها هدى.

بعد خمسة شهور...العودة إلى المربع الأول

أمام معمل ماموتكس المتداعي، كل شيء مقفر. بعد مرور خمسة شهور على إغلاق المعمل، تشير وسيلة لاشطر وليلى دييك إلى بقايا اللافتات المعلقة على الأعمدة الكهربائية، وإلى الشعارات المكتوبة على الجدران المصنوعة من الآجر. بدأت الذكريات حول مسار الإضراب تتدفق بفوضى،  وقامت ليلى وهي تبتسم بكتابة كلمة "يا سارق" على البوابة المقفلة. أما وسيلة، فقد بقيت في الخلف.
رغم انتصار شهر مارس السابق، لم تستطع العاملات الموقوفات عن العمل ربح المعركة. شركة سودريكو التي يملكها عم السيد ادريس هي مورّد وزبون لماموتكس. وكان مديرها قد التزم شفوياً بتسليم المادة الأولية لعاملات ماموتكس، لكن المالك تراجع في النهاية ورفض أن يوصل الأقمشة الضرورية لصنع المنتجات. وحسب صبري بن كليلي، محامي ماموتكس وسودريكو، تخشى الشركة أن يتم حجز بالبضاعة كرهن، وألا يتم تحقيق الطلبية ضمن الوقت المطلوب. هي إذن عودة إلى المربع الأول بالنسبة للعاملات

798 5
الصورة : وسيلة تقف خلف الكونتوار في مستودع البيع المرتجل داخل المرآب.

تشعر وسيلة لاشتر باليأس. فبعد عشرين سنة من العمل في مجال النسيج، وجدت تلك المرأة الخمسينية نفسها بلا عمل ودون قدرة على تأمين الحاجيات الأساسية. زوجها وابنها يعملان بالصيد وما يربحانه لا يكفي. تشرح لنا وسيلة وهي تكاد تبكي: “عندي عائلة، وعلينا ديون، ولا نستطيع تغطية نفقاتنا”. بانتظار أن تجد عملاً قامت وسيلة بتحويل مرآبها إلى مخزن صغير لبيع الأغراض المستعملة.

798 6
الصورة : أمام بيتها المقبل، ليلى تبتسم وهي تتخيل النتيجة النهائية

في حي هادئ بعيداً عن مركز المدينة في شيبا، نلتقي بليلى دييك التي ترينا ورشة بناء بيتها. لقد عملت هذه الأم  طيلة حياتها في مجال النسيج، من بينها عشرين سنة أمضتها في معمل ماموتكس مع وسيلة. تقول لنا بفخر: “رغم الراتب الذي لم يكن يتجاوز ٥٠٠ دينار، نجحت في أن اربي أولادي الثلاثة. هم الآن طبيب وطالب دكتوراه ومسؤول تجاري. على الأقل ستكون حياتهم أفضل من حياتي”.

 798 7
الصورة: خلال المظاهرات في شهر كانون الثاني: تمت كتابة كلمات "سارق" و"محتال" على  لوحة مدخل معمل ماموتكس

اللجوء إلى القضاء

فضلت عدة عاملات، وعلى الأخص الشابات، البحث عن عمل في مكان آخر. وعلى العكس من وسيلة، استطاعت عشرات منهن أن تجدن عملاً بسرعة. تقول لنا وسيلة شارحة: "الوضع معقد بالنسبة لمن تجاوزت الثلاثين. ترغب شركات النسيج بتوظيف الشابات فقط. إنهم يعرفون أن العمل مرهق وجاحد، ويخشون تأثير العمر على تخفيض العائدات. مع ذلك، لولا عمل مسؤولة التدقيق ليلى، وعملي كمدربة وغيرنا من العاملات القديمات، ما كان لماموتكس أن تنال شهرتها الجيدة”.

رغم كل هذه العوائق، ترفض العاملات الاستسلام. في شهر شباط، مع إدراك استحالة العودة إلى العمل، قررت العاملات تقديم شكوى. طالبن بدفع راتب شهر كانون الثاني بالإضافة إلى مكافأة الانتاج وتعويضات البطالة وتعويضات التأمينات الاجتماعية. "لقد رفعنا القضية إلى المحكمة بعد أن تأكدنا من سوء نية سودريكو وماموتكس -حسب ما تشرح وسيلة-. إنه الحل الأخير. قلنا لأنفسنا أنه ربما توجد عدالة في تونس”.
قامت كل عاملة برفع ثلاثة شكاوى، فوصل العدد الإجمالي إلى ما يقارب ١٥٠. ربحت الدعاوى المتعلقة بالرواتب والمكافآت والبطالة في حين تم تأجيل دعاوى التأمينات الاجتماعية. منذ أن تم تحقيق هذا النصر الأول راحت وسيلة تحتفظ بالوثائق التي تثبت ذلك بعناية. لكنها مع ذلك تظل واقعية: “حتى لو ربحنا، فإنني أظل بلا عمل وبلا نقود”.

وفي الواقع، حتى لو ربحت النساء الدعوى، فإن الأمل في استعادة أموالهن يظل ضئيلاً كما يشرح المحامي بن كيليلي: “لدى الشركة من الديون ما يفيض على ٢٠٠ ألف دينار، وزبوني لا يستطيع أن يسدد لعماله السابقين. سيقوم مأمور المحكمة المكلف بإجراءات التسديد بتقديم وصف لممتلكات المعمل”. لكن ليلى ووسيلة تعرفن جيدا أن الآلات القديمة المهملة في معمل ماموتكس لا تكفي لتسديد الديون.

798 8
الصورة : في مقر الاتحاد العام التونسي للشغل، عمال سودريكو وماموتكس يشتكون من ظروف عملهم.
 

تقوم المحكمة حاليا بدراسة مالية لتحدد إن كان إفلاس الشركة نهائي، أو إن كانت هناك إمكانية لتصحيح الوضع اقتصادياً. في تلك الحالة الأخيرة، يمكن للمدير أن يعود لعمله. أعربت بعض العاملات عن استعدادهن للتخلي عن المطالبة والعودة إلى عملهن تحت إدارته، حتى بدون رواتب شهر يناير وبدون المكافآت.


تجهد وسيلة لكبح دموعها: "خلال ٢٠ سنة، استهلكت كل شبابي وكل طاقتي في  هذا العمل، وفي النهاية خسرت كل شيء...”. لكن الأسوأ هو أن تضطر العاملة القديمة للعودة إلى العمل في معمل ماموتكس/ في حال عاد لفتح أبوابه، رغم هذه الشروط المجحفة، ورغم قهرها بعد سنوات من العمل المذلّ في ظروف مؤلمة....  
 

 798 9

 

 

Related Posts

كيف استعاد السكان مساجد سيدي بوزيد التي كانت بيد السلفيين

29/03/2015

كيف استعاد السكان مساجد سيدي بوزيد التي كانت بيد السلفيينشكل وجود السلفيين في ضاحية سيدي بوزيد التونسية مشاكل حقيقية بعد أن مارسوا  القمع على أبناء المدينة، وأحدثوا شرخاُ في عائلاتها، مما اضطر رجال الدين المعتدلين إلى تقديم عريضة لاستعادة المساجد منهم ومنع تأثيرهم على السكان.

( ابتكار تونس / بوندي بلوغ )

سليانة : أن تعيش حياة البؤس والذعر داخل الغابة

14/10/2015

سليانة : أن تعيش حياة البؤس والذعر داخل الغابة

بعض الأغصان المتكسرة و آثار طلقات نارية على جذع شجرة و بقايا دماء تُخضّب الأرض ..هنا تم قتله يقول علي. منذ ذلك الحين لم أعد أسكن هذا المكان.

( انكيفادا )

 

شارلي إيبدو: خمس ضحايا تونسيين

28/03/2015

شارلي إيبدو: خمس ضحايا تونسيينسواء كانوا تونسيين مقيمين في فرنسا أو فرنسيين من أصل تونسي، فإن يوهاف ويوهان وفرانسوا-ميشيل وإلزا وجورج كانت لديهم جميعاً علاقة ما مع بلدهم الأصلي. ولقد ماتوا في الهجمات على شارلي إيبدو وعلى السوق التجاري إيبركاشير في يومي السابع والحادي عشر من كانون الثاني (يناير) الماضي في باريس. نقدم هنا نبذة عن هؤلاء الرجال والنساء لكي لا يلفهم النسيان.
(ابتكار / انكيفادة)