ذكريات امرأة في حقل ألغام

 
كنت في غاية السعادة خلال رحلة السفر الى تلك المنطقة، كنت استعيد لمحات عديدة من شريط حياتي منذ سنوات الطفولة، حيث كنت متميزة عن زميلاتي وزملائي طوال سنوات الدراسة الثانوية. مرت في ذهني أيضا ذكريات المعاناة في بداية التحاقي بالجامعة، واختيار التخصص، حيث كنت أرغب في دراسة الصحافة، بينما كان معظم من حولي ينصحوني بالبحث عن تخصص آخر مناسب أكثر لي كفتاة. كان الإصرار يدفعني دائماً للتفوق الى حصلت على الشهادة الجامعية، وكنت فخورة بنفسي وتفوقي، وكان ذلك يعطيني شحنات كبيرة من الأمل بأنني سأجتاز مرحلة الحصول على الوظيفة بسهولة ويسر.
 
806 1
 
مر شريط الذكريات هذا بسرعة البرق امام عيني ونحن في الطريق الى منطقة (القصرين) حيث كلفتني رئاسة التحرير بإنجاز تقرير تلفزيوني حول الحادثة الأليمة التي حصلت هناك. تداولت الحديث مع زملائي بينما كان السائق يسير بسرعة كبيرة لإيصالنا الى المنطقة في وقت مبكر، تبادلنا الحديث حول الحادث وتفاصيله والتساؤلات التي علينا الإجابة عليها في تقريرنا، والمهام التي على كل منا القيام بها. أجد نفسي بين الفترة والأخرى اعود الى ذكرياتي، تذكرت أكثر تفاصيل المعاناة الطويلة، ورحلة الكفاح للبحث عن فرصة عمل. قدمت طلبات كثيرة، قاومت كل خيبات الامل التي تتابعت بصورة وكأنها لن تنتهي، وفي كل مرة كنت ازداد اصراراً وتصميما على المحاولة من جديد. لم يتملكني الإحباط حتى حين رأيت العديد من زملائي الذين كنت اتفوق عليهم في دراستي قد حصلوا على وظائف، وشقوا طريقهم في الحياة بصورة أيسر.

ما ان وصلنا المنطقة حتى اصطدمنا بالحواجز والمعيقات التي وضعتها أجهزة الامن، وتمكنا من اجتياز معظمها وصولاً الى أقرب نقطة، حيث تم الاعتداء على الجنود وذبحهم. كنا من أوائل الصحفيين الواصلين، وكنت في غاية الانفعال، فأنا امام حديث كبير الى هناك، وهي اول مهمة بهذه الأهمية يتم تكليفي بها منذ تسلمي وظيفتي الجديدة قبل عدة أسابيع. انها اذن الفرصة التي انتظرتها طويلاً لإثبات نفسي وقدراتي المهنية. وصلنا الى المدخل مباشرة. حيث كان الجنود في قمة الانفعال والاستنفار، اظهرنا بطاقات عملنا طالبين السماح لنا بالدخول لتصوير مكان الحدث. نظر الجنود إلي بنظرات متسائلة، وأشاروا للضابط الذي تأمل اعضاء الفريق واحداً واحداً، ومن رأس كل منا الى أخمص قدمه، الى ان استقرت نظراته أخيرا علي انا، وسأل وهو يركز نظراته الحادة علي:

من سيدخل منكم الى هناك؟
كلنا سندخل الى هناك.

اجبت انا بسرعة وتلقائية، لكن الضابط الذي كان قد ازاح نظره باتجاه زملائي، أجاب إجابة حاسمة وصارمة وهو يختلس النظر باتجاهي.

من غير المسموع دخول الجميع.
لماذا؟! نحن فريق كامل ونريد الدخول معا الى هناك
 
اجبت بإصرار، وحصل جدال بين الفريق والضابط، الوقت يمضي بسرعة، ويزداد توتري مع كل لحظة تمر، لان ذلك يعني تراجع أهمية التقرير كسبق صحفي، وبالنسبة لي يعني بداية أضعف مما كنت اعمل من اجله. وانتهى الجدل مع الضابط بالاتفاق على ان يسمح لاثنين منا بالدخول. وبنفس الدرجة الحاسمة أشار الضابط لاثنين من زملائي كإشارة على إعطاء الاذن بالدخول. وعبثاً حاولت اقناع الضابط بأن هناك أهمية لدخولي انا تحديداً كمراسلة ومعدة للتقرير، لكن من دون فائدة. فقد أوضح الضابط ان المكان فيه الكثير من الدماء، ولا زال هناك عدد من الجنود الجرحى لم يتم اخلائهم بعد. مشيراً الى انه من الصعب على النساء تحمل مثل هذه المشاهد.

تسمرت في مكاني عندما نطق الضابط تلك العبارة: "من الصعب على النساء تحمل مثل هذه المشاهد"، وتساءلت في نفسي إن كان هناك من سبب حقيقي يدعو للتمييز بين الرجال والنساء في مشاهدة مثل تلك المشاهد، لا شك انها لن تكون لطيفة، بل ستكون قاسية وصعبة، ولكن من الذي أخبر ذلك الضابط انني لن اتحمل مشاهدتها؟! وبينما واصل زملائي جدالهم مع الضابط، غرقت في بحر من الذكريات التي تداعت كلها مرة واحدة، هذا التخصص غير مناسب لك كفتاة، وتلك الوظيفة لن تكون مناسبة لك، ذلك العمل لن يتمكن من القيام به الا الرجال .. وغيرها الكثير، حينها ايقنت ان ثقافتنا لا زالت تحمل في طياتها الكثير الكثير من التمييز المبني على أساس النوع الاجتماع، ولا زالت الانثى انثى في هذه الثقافة، تكثر التفاصيل وتتشعب تشعب تفاصيل الحياة اليومية في كل مجالاتها، وتصبح حياة الانثى اشبه ما تكون بالسير في حقل الغام.

 


 
النص منتج خلال ورشة العمل من قبل مدونات عربية 29 أبريل 2016 في تونس. 
وصدرت تعليمات للمدونين تخيل أنفسهم في حذاء امرأة.
 
806 2

 

Related Posts

العنف السلفي نفاد صبر التونسيين وعدم اهتمام الحكومة

12/06/2012

منذ فرار بن علي تفاوتت ردود فعل الشارع التونسي بين الجيد والرديء. فإثر الحركة التضامنية التي تجلت في اللجان الشعبية لحماية الاحياء (جانفي 2011) غزت تدريجيا...

 

المؤتمر 22 للاتحاد العام التونسي للشغل:إذا لم تذهب إلى السياسة أتتك هي

11/01/2012

من بين الأقوال المأثورة للزعيم الوطني ومؤسس الاتحاد العام التونسي للشغل الشهيد فرحات حشاد قولته الشهيرة "إذا لم تذهب إلى السياسة أتتك هي" وهذه المقولة يمكن أن تلقي بظلالها على فعاليات المؤتمر الثاني والعشرين للاتحاد العام التونسي للشغل...

تونس: لماذا تتزايد نسبة الطلاق بين التونسيين؟

07/12/2016

802 0

 في يومنا هذا، هناك زواج من أصل ستة ينتهي بالطلاق، أي ما يعادل ١٧٪ من الزيجات. وقد ارتفع هذا الرقم في السنوات الأخيرة جاعلاً من "بلد الياسمين" رابع بلد في العالم في ارتفاع نسبة الطلاق. الظاهرة الجديدة الأخرى في تونس هي أن المرأة هي التي صارت تطلب الطلاق أكثر من الرجل.
مدونة بوندي التونسية )