الإعلان

 

فنون قسم عام التوغل الصوفي العميق في شاعرية الألوان المنفتحة على اللانهائي
التوغل الصوفي العميق في شاعرية الألوان المنفتحة على اللانهائي
نور الدين محقق   
التوغل الصوفي العميق في شاعرية الألوان المنفتحة على اللانهائي | نظمت مؤخرا وزارة الثقافة المغربية معرضا للفنان التشكيلي المعروف أحمد جاريد امتد من 18 ديسنبر 2007 إلى غاية 26 يناير 2008 ، هذا الفنان التشكيلي الذي ولد سنة 1954 بمدينة الدار البيضاء ، مدينة الأنوار ، والذي عمل في مجال التدريس أستاذا لمادة علم النفس التربوي و لمادة الفلسفة ثم بمدرسة الفنون الجميلة بنفس المدينة ،محاضرا بها حول فلسفة الفن، لينتقل بعد ذلك للعمل بوزارة الثقافة، إضافة إلى مشاركاته المتعددة في كثير من المعارض الوطنية والعربية والدولية واٍلى إصداره لمجلة رائدة في مجال الفن التشكيلي هي مجلة "زنار" التي خلفت منذ صدور عددها الأول أصداء طيبة في المشهد الثقافي المغربي برمته.

عرض الفنان أحمد جاريد بهذا المعرض الأخير آخر لوحاته التشكيلية التي انتقل من خلالها وبها إلى مرحلة جديدة في مساره التشكيلي المتميز الذي عرف به ، فبعد أن كانت لوحاته السابقة شديدة التوغل في الألوان الرمادية المرتبطة بالعمق الذاتي المطل على جوانية الدواخل بكثير من التأمل الموجع ، والتي رافقها سحر الحرف في بعض الأحيان متوحدا معها بقوة ، وبعد أن سبر غور الشعر العربي خصوصا الروحي منه متتبعا خطى وحروف المتصوفة العرب الكبار وفي مقدمته الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ،باحثا في هذا الشعر عن صور لا تدرك من خلال الكلمات وإنما من خلال التجسيد اللوني لها كاشفا عن القضايا النفسانية والكنه الإنساني المتجلي في هذا الشعر وفي الكون المرتبط به ، وبعد أن سبح من خلال تشكيله الغامض –الواضح ، القريب عن بعد والبعيد عن قرب ، كما يقول ابن الرومي ، في مختلف أبعاده والممتد في ذاكرة الأيام الماضية لكن المستشرفة دائما آفاق المستقبل بكثير من الأمل المنطوي الذي لا يبوح بسره إلا للعارفين بروعة وبلوعة الألوان وبالروح التي تسري خفية فيها ، ينتقل في هذا المعرض وبنفس الرؤية/ الرؤيا العميقة إلى معانقة النور الباهر والمنفلت على الدوام عبر القبض على بعض تجلياته انطلاقا من اعتماد ألوان ذات ضوء منفتح ، وفي مقدمتها اللون الأصفر .هذا اللون المبهر والساخن والقوي بين الألوان والذي من الصعوبة القبض على تشكلاته كما يذهب إلى ذلك كل من جون شوفاليي وألان غييربرانت في معجم الرموز ، نجده يؤطر لوحات الفنان أحمد جاريد أو على الأقل يؤطر بعضها في هذه التجربة الجديدة ، مما يمنح لهذه اللوحات طابع الذهاب بعيدا نحو أفق النور الهارب باستمرار والسفر إلى أقصى تخومه والصعود إلى أبعد درجاته العليا .يقول الفنان التشكيلي حسان بورقية في "كاتالوغ المعرض" في هذا الصدد ما يلي ( يقطع جاريد الطريق على "الظلام"، يلتقط الضوء باحتراقٍ في توهّجِ بهاءٍ ظاهرِ، هو الذي احترق فيما مضى في تجربة قاتمة تركت فيه حنينا لاذعا إلى دوام احتلال النور.) كما يقول ،في نفس الكاتالوغ، عن نفس هذه التجربة الشاعر والناقد التشكيلي اللبناني شربل داغر ما يلي : (لم يعد الفن عند جاريد فعلَ "تجويد" أو "تحسين"، كما يظهر في الزخرفة الإسلامية، أو في اللوحة الكلاسيكية، ولم يعد مبنياً وفق "قواعد" يتم العودة إليها في صورة لازمة، وإنما أصبح الفن أشبه بالسفر، بعمل الالتوغل الصوفي العميق في شاعرية الألوان المنفتحة على اللانهائي | مسافر، الذي ترسم خطواتُه جذورها. أصبح عملاً بالمعنى التام للكلمة، لا تنفيذاً، ولا تدويناً، لما هو متبلور خارج سطحه. باتت تنحو اللوحة إلى "كيانيتها"، إلى احتكامها الذاتي، الذي يتكفل بها، وحده من دون غيره . لهذا بات جمالُ الوصول مكافأة المسافرين المغامرين، وجمال التواصل مكافأة المرافقين الجسورين).

إن الفنان أحمد جاريد وهو يصل إلى هذا المستوى الفني الرفيع ، حيث تتحول اللوحة إلى عمل متكامل ، وحيث يصبح المعرض بأكمله ليس تجميعا للوحات،وإنما يشكل رؤية فنية بعيدة الغور ، تدعو لاكتشاف الأشياء وإعادة اكتشافها من جديد . يدعو المتلقي إلى ربط علاقة مختلفة مع الأشياء المقدمة إليه ، وليس إبداء الإعجاب فقط ، وإنما الإعجاب المبني على الإحساس بخلخلة داخلية للرؤى المصاحبة للعين المبصرة والرائية للعمق الداخلي المنطوي في ثنايا اللوحة المرسومة بحس فني مسائل ومتسائل ، في ذات الآن،بالمعنى الرفيع ،لمفهوم السؤال في بعده الفلسفي والفني بالخصوص .

هكذا يمضي الفنان أحمد جاريد في بحثه الفني العميق الموغل في صوفية النور وفي أبعاده المتسامية التي تحول الأشياء إلى رؤى وتجعل من الرؤى أشياء سابحة في المتخيل الذي تقدمه اللوحة عبر عوالم الألوان ، هذه الألوان الباحثة عن الالتقاء في برزخ التكوين المشكل لها، إذ اللوحة هنا تتحول إلى كتاب فني ، تتحول إلى عمل فني كلي ، وكل كتاب /عمل حقيقي ، يسير ، كما يقول موريس بلاشو نحو دائرة انبنائه ، هي التي تدعوه إليها ، هذه الدائرة هي هنا ، دائرة الانشطار الفني المتوهج الذي تشكله اللوحة من خلال وعبر الألوان المتواجدة فيها ، تواجد الروح في الجسد.

إن اللوحة هنا تعيش عزلتها الفنية البهية ، العزلة الجوهرية التي تحقق فرادتها الفنية وعدم مشابهتها لأية لوحة أخرى ، العزلة هنا تأخذ بعد التفرد بالمعنى الذي يعطيه لنا دائما موريس بلانشو . هذه اللوحات في تفردها تقدم لنا معرضا تشكيليا متكاملا من حيث الروح الكلية التي تسري في كل لوحاته.

هكذا يمكن القول إن الفنان أحمد جاريد وهو يقيم معرضه التشكيلي الجديد هذا، يكون قد قدم رؤى تشكيلية جديدة ومختلفة في مسار الفن التشكيلي المغربي الذي يشهد تألقا مستمرا، أساسه الإبداعية المتجددة المنفتحة على مختلف الآفاق الفنية شكلا ومضمونا، مبنى ومعنى.

نور الدين محقق
(24 يونيو 2008)