الإعلان

 

فنون تونس فيلم "الحادثة" وانتكاسة السينما التونسية
فيلم "الحادثة" وانتكاسة السينما التونسية
كمال الرياحي   
«إن إجادة تصوير الواقع هو أكثر الأمور حلمية. وتستطيع صفحة وجه أن تكفي لتغيير عاداتنا، وتغريبنا والحفر في أعمق أعماقنا.»

رجيس دوبري

عرفت السينما التونسية منذ انطلاقتها بجديتها وبآدائها المختلف ومراهنتها على البعد الفنّي لذلك اتهمت في وقت من الأوقات بالنخبوية وبسينما المهرجانات مثلها مثل المسرح الذي طغى عليه الطابع التجريبي إلى وقت رقيب. والحق أن هذا الرهان على الجمالية أساسا مكّن السينما التونسية من التألق في جل المحافل الدولية للسينما فانتزعت عددا كبيرا من الجوائز. ومما كان يُعاب على السينما التونسية في الداخل عدم التفاتها إلى أسئلة الراهن والتعامل مع الشارع التونسي بعين السائح الأجنبي أو العين الاستشراقية التي لا ترى منه إلا الغريب من الطقوس والعادات والتركيز على الشبق العربي وتحتفل بالجسد الأنثوي حتى بات الحمام التركي علامة على انتساب الفيلم إلى السينما التونسية. ومن ثم علت أصوات تنادي بعودة السينما إلى أرضها وضرورة إصغائها إلى الواقع والشارع.

وجاءت الموجة الجديدة من الأفلام التونسية منذ سنتين لتقدّم سينما جديدة تحاول قدر الإمكان أن تعايش الواقع التونسي والدولي من خلال عدد من الأفلام منها "آخر فيلم"للنوري بوزيد الذي طرح مشكل سقوط الشباب في التطرّف و"الحادثة"لرشيد فرشيو الذي تناول قضايا البطالة و عنف رجل الأمن. لكنه في المقابل كان مخيبا للآمال من حيث الصنعة السينمائية.

يروي هذا فيلم"الحادثة" حكاية سائق تاكسي اسمه "فارس"، وهو شاب ذو مستوى تعليمي عالٍ كله حماس وسعادة بعودة زوجته من مستشفى الولادة برفقة مولوده الجديد. وما إن يوصلهما في بيت والدته حتى يخرج لقضاء أمور عاجلة فتعترض طريقه سيدة جميلة وغريبة أثناء عودته وتطلب منه بإلحاح نقلها إلى مكان ما، وعكس ما كان يتوقع السائق أن تدخل السعادة إلى حياته تتحول حياته إلى جحيم، فقد اكتشف أن السيدة لا تنوي الذهاب إلى أي مكان و تطلب منه أن يأخذها إلى البحر وتروي له حياتها الزوجية التعيسة مع رجل عنيف ثم تطلب منه أن يقدم لها العشاء في بيته حتى تتمكن من تبديل ملابسها المبتلة، و عندما يصل إلى البيت تهاتفه زوجته طالبة بعض الملابس للمولود الجديد فيترك المرأة في بيت الزوجية و قد بدأت تراوده ويخرج لإيصال ملابس الرضيع بعد أن أحكم إغلاق الباب على السيدة الغريبة وفي الطريق تعرض السائق/بطل الفيلم لحادث مرور و قبض عليه ليحقق معه و يدور قسم كبير من الفيلم في مخفر الشرطة يروي سلوكات رجل الشرطة العنيف ومحاولات البطل معه لكي يسمح له بالمغادرة ثم يضطر البطل لكشف سر توتّره للشرطي ويخبره بمشكلته الكبيرة التي تهدد حياته الأسرية فيأخذ الشرطي المفتاح ويتجه نحو الشقة وهناك يكتشف أن الزوجة المرأة التي حدثه عنها المتهم و التي أخذها إلى البحر ثم إلى بيته ليست سوى زوجته هو.

هذه تقريبا مجمل أحداث الفيلم الذي شغل الناس لمدة طويلة قبل العرض و بعده وحيكت حوله الحكايات وقصص عجيبة حول جرأته وتعرّضه للمنع، فانتظرنا ككل المتابعين للسينما المحلية عرض هذا الفيلم الذي كنا نتمنى أن يكون حدثا فلا في السينما التونسية فكان اسما على مسمّى، مجرد حادثة نتمنى أن تكون عرضية في تاريخ السينما لما رأينا فيه من تراجع كبير عن المكتسبات التي حققتها السينما التونسية. وأعتقد أن نبل القضايا التي تناولها لا تشفع له ضعف الآداء الفني وتفكك السيناريو وضعف الآداء التمثيلي لجل الممثلين، وكأن المخرج التونسي رشيد فرشيو يدخل سوق السينما بشعار الشارع المصري "الجمهور عاوز كده"و قد صرّحنا إلى إحدى الفضائيات بعيد عرض الفيلم بأنه يدخل السينما التونسية في حقل "أفلام المقاولات" لأول مرة. تلك الأفلام التي تستقطب الجماهير ولكنها تسجّل في التاريخ الأسود للسينما لأنها خالية من أي إضافة فنّية.

وإن كان محرّك الفيلم هو الايدولوجيا، و نحن نشك في هذا، فإن "من طبيعة الايدولوجيا أن يكون المرء فيها أعمى" لذلك ازدحم الفيلم بالمتناقضات والصدف المركّبة والأخطاء الفنية التي لا يرتكبها مخرج هاوٍ. وإن كان صحيحا أن واقعية السينما شيء والواقع شيء آخر كما يقال فإن السينما عليها أيضا أن لا تخلق منطقا خاصا بها يسيّر عملية سرد أحداث الفيلم.

ومن عجائب الفيلم قيام أحداثه على حدث غريب لا يحدث أبدا في الواقع و هو أن تركب إحدى الفتيات سيارة تاكسي وجدتها مركونة في غياب السائق. فإن كانت الفتاة مستعجلة فيمكنها أن تستوقف أي سيارة أجرة أخرى. سؤال بقي محيّرا ودون إجابة لماذا ركبت الفتاة سيارة تاكسي متوقفة و لا أحد فيها؟

من الأخطاء الأخرى أن المخرج استعمل بعض الأثاث المنزلي والأواني من نفس النوعية في أماكن متباعدة ومختلفة فتجد الفنجان نفسه الذي يشرب فيه الضابط في قسم الشرطة هو نفسه الذي تشرب فيه الزوجة والأم في بيت البطل!

كما أن من غريب الأحداث أن البطلة تستحم مرتين في خلال ربع ساعة.

هذا عدا الصدف العجيبة و الغريبة التي تتحكم في مسار الفيلم و قيامه على كليشي مستهلك في السينما المصرية وهي خيانة زوجة الضابط زوجها العنيف.

قام بدور سائق التاكسي "فارس" في الفيلم الممثل محمد علي بن جمعة، وشاركه في البطولة كل من الممثلة الصاعدة سناء كسوس والممثل يونس الفارحي والممثلة خديجة السويسي ومنال عمارة وفتحي المسلماني وعلي الخميري.

المخرج رشيد فرشيو - 67 عاما - قد أنتج أفلاما أخرى هي "يسرا" سنة 1972، و"أطفال القلق" 1975، و"خريف 86" 1991 و قد سبق للرقابة التونسية أن منعت للمخرج رشيد فرشيو فيلم "كش ملك" الذى تم إنتاجه عام 1994. نذكر هذا لنؤكّد أن هذه التجربة السينمائية الجديدة لا يمكن أن تعامل على أنها بدايات مخرج شاب حتى نغض الطرف على ضعفها فلا المخرج شاب و لا السينما التونسية في بداياتها. بل إن الفيلم يكاد يجعلنا نشر بانتكاسة في السينما التونسية لولا أعمال أخرى ظهرت مصاحبة لهذا الفيلم مثل "بابا عزيز" و"الكسكسي والبوري"

يبقى سؤال يطرح دائما على المخرجين التونسيين لماذا لا يستعينون بروايات تونسية في غياب نص جيّد يمكن أن يحقق سينما جيدة ويصرون على الكتابة بأنفسهم؟ لماذا لا يستعينون بالمختصين في السيناريو ويكتفون بالإخراج؟ أليست هذه هي الديكتاتورية والانفراد بالرأي الواحد التي يدّعي الفيلم أنه يحاربها؟

 

كمال الرياحي
(24 يونيو 2008)

 

فيلم "الحادثة" وانتكاسة السينما التونسية |