الإعلان

 

فنون قسم عام حصاد الموسم الرمضاني الدرامي بين التجديد والجرأة
حصاد الموسم الرمضاني الدرامي بين التجديد والجرأة
نعمان طرشة   

الموسم الرمضاني الدرامي، حمى المسلسلات الرمضانية، دراما رمضان، اختلف المحللين وتعددت الأسماء والشهر واحد.

ما أن ينتهي شهر رمضان، الشهر المخصص للصوم والعبادة، وموسم الانتاج التلفزيوني بدون منازع، حتى تبدأ القنوات التلفزيونية بإجراء الجرد السنوي على الانتاج الدرامي تمهيدا لانتاجات الموسم المقبل. تتنافس القنوات التلفزيونية وشركات الانتاج في سوق الدراما العربية الآخذة بالاتساع، لإحتلال مكان الصدارة واستقطاب المشاهدين، الذين تعودوا في كل عام على كم هائل من الانتاجات الدرامية الضخمة والتي قد تحتاج لمتابعتها جهدا أكبر من الصوم ذاته، فتزدحم القنوات بالمسلسلات بكل أطيافها وتصنيفاتها لتتنافس فيما بينها من أجل نيل اعجاب المشاهدين واستقطابهم بهدف رفع نسبة الاعلان خلال العروض الاولى والحصرية لاجمل المسلسلات التي تم انتاجها خصيصا لهذا الموسم وبعضها بدأ عرضه ولم يستكمل بعد تصويره. ورغم المساوئ البديهية لتركيز عدد هائل من الانتاجات خلال فترة قصيرة، يحتار فيها المشاهد ماذا ومن يتابع، ويختلط عليه الممثلون المتواجدون في أكثر من عمل معروض، فقد احتلت دراما التلفزيون مكانة لا ينافسها عليها أحد في تقاليد الشهر الرمضاني، خاصة مع الازدياد المتصاعد للقنوات الفضائية والتي لم يعد يتسع لها جهاز الاستقبال الفضائي.

حصاد الموسم الرمضاني الدرامي بين التجديد والجرأة | حصيلة هذا العام أن معركة الانتاج الدرامي حسمت لصالح الانتاج السوري، الذي أثبت تفوقه في الجودة الفنية والأهمية الدرامية عززتها الحرفية الفنية للممثلين والرؤية الإبداعية للمخرجين. فإذا ما استثنينا القنوات الفضائية السورية والمصرية لنكون حياديين، مع أن الأخيرة تعرض حصراَ مسلسلات مصرية، لتبقى القنوات الفضائية الخليجية الحكم في هذه المنافسة.

تعاني الدراما المصرية منذ مدة من ضعف المستوى الفني والانتاجي، مما أدى إلى نفور المشاهد العربي بإعتبار انها لم تقدم في السنوات الخمس الأخيرة ما يمكن مقارنته بما يقدم عربياً. فغزارة الانتاج المصري (أنتج حوالي 50 مسلسلا خصيصا لرمضان) لا يقابلها ارتقاء حقيقي بالمستوى الدرامي، والذي ما يزال رهينة دراما النجوم والبطولة المطلقة، حيث الاعتماد على النجم الواحد بأجره المرتفع وتواجده الحصري يؤثر سلباً على المستوى الفني والتقني، وينعي المسلسل بدل إنقاذه، رغم كل الجهود الرامية للترويج لها وآخرها إطلاق عدة فضائيات متخصصة في الدراما هي (نيل دراما، بانوراما 1، بانوراما 2، الحياة مسلسلات).

تميزت الدراما المصرية هذا الموسم بكونها وردية بإمتياز، حيث سيطرت نجمات التمثيل في مصر على المسلسلات ببطولات مطلقة ليكون لكل واحدة منهن مسلسلها الخاص (يسرا، إلهام شاهين، ميرفت أمين، داليا البحيري، هند صبري، فيفي عبده... ). كعادتها تميزت النجمة المبدعة يسرا في مسلسل "في أيد أمينة" في دور صحفية مناضلة تواجه إحدى العصابات التي تتاجر في أعضاء الأطفال، وعلى خطاها سارت داليا البحيري في مسلسل "بنت من الزمن ده" في قصة فتاة شوارع تنقلب حياتها رأسا على عقب بمساعدة جمعية ترعى شؤون فتيات الشوارع.

ظاهرة جديدة اثبتت وجودها وأغرت المنتجين لدخول المنافسة هي الأعمال الكوميدية (السيت كوم)، فبعد نجاح تجربة أشرف عبد الباقي في مسلسل "راجل وست ستات" تم انتاج وعرض تسع مسلسلات تعتمد نفس الأسلوب القليل التكلفة والمضمون النجاح (تامر وشوقية، شريف ونص، العيادة، كوافير أفكار...).

حصاد الموسم الرمضاني الدرامي بين التجديد والجرأة | في المقابل جاء الانتاج السوري متميزا كماً ونوعا، فمن بين 35 عملا دارميا متنوعا منها 26 عملاً سورياً، و11 مشتركاَ، حقق الانتاج الدرامي نسبة نموّ هذا العام بزيادة قدرها 30 في المائة عن العام الماضي، ووصلت تكاليف الإنتاج إلى ملياري ليرة سورية. تابع الجمهور بشغف عددا كبيرا من هذه المسلسلات التي انطلقت من هموم الشارع السوري لتتخطاه الى الواقع العربي فعرضت ملفات ساخنة ومواضييع حساسة، في اطار فني ودرامي مشوق وأداء رائع لنجوم الدراما لتحقق توليفة منتج فني ناجح يلبي تطلعات المشاهد العربي.

منذ سنوات ونسمات شبابية تهب على الساحة الدرامية السورية، فبجانب نجوم الدراما الشباب، ارتفع رصيد الدراما من المخرجين الجدد (رشا شربتجي، الليث حجو، المثنى الصبح، سيف الدين السبيعي..) ليتركوا بصماتهم الاخراجية وليغزوا الدراما المصرية والخليجية من خلال تواجدهم في أهم الاعمال التي تم انتاجها.

تعدد مسلسلات البيئة الشعبية لم يمنع تمايزها، فبجانب "باب الحارة" و"الحوت" و"بيت جدي"، لفت انتباه المشاهدين مسلسل "أهل الراية" من تأليف أحمد حامد وإخراج علاء الدين كوكش وتقاسم فيه البطولة جمال سليمان، كاريس بشار، منى واصف وقصي خولي، فاجتمعت فيه عوامل النجاح من أداء رائع، حبكة درامية وتداخل مشوق للاحداث ليكون نموذج الدراما الناجحة.

ويحسب للدراما السورية تطرقها لمواضيع اشكالية وحساسة، ظلت لفترة طويلة خطوطاً حمراء لكونها من المحظورات. وتعرض بعض المسلسلات للنقد واثارتها للجدل والنقاش لهو لدليل على أهميتها، ولا يخفى على أحد مؤخراَ أن ثلاثية المحظورات من دين وجنس وسياسة بدأت تفلت أحياناً من يد الرقيب والرقابة، فمساحات الحرية التي بدأت تلوح في الافق شجعت العديد من المبدعين والفنانين ليستعيدوا دور الفن ورسالته.

من التجارب الناجحة مسلسل "بقعة ضوء" الناقد، تأليف مجموعة من الكتاب بتوقيع المخرج سامر البرقاوي وبطولة أيمن رضا، باسم ياخور، كاريس بشار، رواد عليو، والذي استمر على نهجه ولغته اللاذعة بخفة ظل وعفوية ليقترب من المعاناة الحياتية اليومية للمواطينين، حتى أصبحت اللوحات تروى وتتناقل الاخبار عن مضمون الحلقات، أما من أضاع عليه بعضها فقد تحول الى المواقع الالكترونية التي تعيد عرضها. وجرأة الطرح وصلت الى حد تناقل اشاعات عن رفع قوى الامن الجنائي بدعوى ضد القائمين عليه لتناوله رجال الامن بطريقة لا تخلو من السخرية.

حصاد الموسم الرمضاني الدرامي بين التجديد والجرأة | موضوع جريء وحلول اخراجية مبدعة بمؤثرات صوتية وبصرية متميزة أقرب الى أفلام الرعب والتشويق، رسمت ملامح المسلسل الاجتماعي "ليل ورجال" من تأليف محمد العاص وإخراج سمير الحسن، يقارب منطقة جديدة هي عوالم السحر والتنجيم، وتخفيهم خلف ستار الدين لتحقيق مأربهم، فيقدم ظاهرة الشعوذة والدجل المستشرية في مجتمعاتنا العربية ليبحث في أسباب نشوئها وانتشارها ولجوء الناس لها لحل مشكلاتهم وصعوباتهم واستغلال المشعوذين جهل الناس وفقرهم ليوقعوا بضحاياهم، منتقدا بعض الفضائيات المروجة للتنجيم والتبصير، وابتزاز المشاهدين.

أما موضوع المغتربين العرب المقيمين في أوروبا فهو يطرح للمرة الأولى في الدراما التي طالما تجاهلته، رغم ان المغتربين هم من أهم المتابعين للفضائيات العربية، ففي مسلسل "عرب لندن" تأليف واخراج أنور القوادري وبطولة عابد فهد، نيرمين الفقي، باسل خياط، فرح بسيسو، تتوالى أحداث المسلسل على مدى ثلاثين حلقة، والذي تم تصويره بين لندن وماريبور في سلوفينيا واللاذقية في سورية، من خلال عرض قصص واقعية لمجموعة من الشخصيات من عالم العرب المهاجرين ومشاعرهم المتداخلة وما يواجهونه من مصاعب ومعاناة والمشاكل التي يسببوها ويتعرضون لها.

أما مسلسل "أسمهان" تأليف قمر الزمان علوش وممدوح الأطرش، سيناريو وحوار نبيل المالح، اخراج شوقي الماجري، ومن بطولة سلاف فواخرجي، عابد فهد، ورد الخال، كمال ابو رية، فقد أثار زوبعة من الاعتراضات من عائلة الأطرش محاولين منعه من العرض، بسبب تعرضه لسيرة الفنانة الراحلة أسمهان، بطريقة مختلفة وجريئة، جعلت منها شخصية أقرب انسانية وواقعية وبعيدة عن هالة القداسة التي غالباً ما تحاط بالسير الذاتية للنجوم. واستطاع المخرج ان يقدم لنا صورة امتزجت فيها الالوان بالاضاءة لتخلق جواً حميمياً في تناغم مع الصوت الكريستالي لاسمهان، الأميرة البائسة والعاشقة الدائمة، رغم غياب صوتها عنه بشكل كامل، فكل الأغاني تم إعادة تسجيلها بصوت الفنانة السورية الشابة وعد البحري دون الاستعانة بمواد أرشيفية، مما اعتبر خيانة لذكرى وصوت اسمهان.

يقيم المتابعون للموسم الدرامي ايجابياً تنوع الدراما السورية والمستوى الراقي للأعمال التي قدمت على اختلافها، وبشكل خاص وعي القائمين عليها وادراكهم لمدى تأثير ما يقدمون على المشاهد. نستطيع القول أن الدراما السورية دخلت الآن مرحلة المغامرة الإبداعية ووضعت الأسس الصحيحة لصناعة درامية راسخة ممتلكة كل أدواتها الفنية، من فكر، نص، وأداء واخراج.

انها دراما رمضان، يتابعها الجمهور بشغف، تهتم الصحافة بها، ويختلف عليها النقاد.

نعمان طرشة
(21 أكتوبر 2008)