الإعلان

 

فنون قسم عام حوار مع داود عبد السيد
حوار مع داود عبد السيد
أحمد الفخراني   


حوار مع داود عبد السيد | لا يرغب المخرج داوود عبد السيد- صاحب "أرض الخوف" و " الكيت كات" في تحويل مفرداته إلى ألغاز، فقد تعلم  من تجربته في "البحث عن سيد مرزوق" ألا يوحى للآخرين بأنه يخفى ما لا يعلمون، و ظل هدفه جمهورا يتواصل معه دون "لعثمة" أو تأويلات معقدة. فجاء فيلمه "رسائل البحر"- الذي يعرض حاليا بالقاهرة- مليء بالتفاصيل البسيطة و مغرق في الإنسانية. صوت عميق كراهب فرغ لتوه من الصلاة.


* كررت كثيرا جملة "تعبت من الحوارات"، هل اعتدت الصمت بعد فترة غياب استمرت حوالي عشر سنوات منذ فيلمك الأخير " مواطن و مخبر و حرامي"؟ و كيف انتظرت طوال هذه الفترة حتى يخرج للنور فيلم "رسائل البحر" الذي يعرض حاليا؟

ماذا ستفعل إذا حكم عليك بالحبس؟ فعلت بالضبط ما يفعله أي سجين! ما كتب عن الفيلم كان بمثابة احتفاء،بدا لي كاعتراف بأحقية أن أكون على الخارطة السينمائية في الوقت ذاته الذي لم يكن هناك من يرغب في إنتاج أفلامي.


* أغلب ما كتب وأغلب ما استمعنا إليه من ردود أفعال حول الفيلم كان محملا بتأويلات كبيرة ومعقدة؟ فسر البعض البحر على أنه الرب،وبحث البعض عن رموز و أسماء ذات دلالات دينية مثل قابيل "حامل الخطيئة" ويحيى "النبي المقتول "، حتى الخطأ غير المقصود في مشهد الختام عندما حمل القارب الذي جمع البطلين يحيى ونورا اسم "القدس" لم يسلم من الإسقاطات الرمزية...

هذا التأويل الأخير تحديدا كان مستفزا، لن أحول القدس لمجرد لافتة. ربما كان ذلك خطئي لأن أفلامي السابقة كانت تحتوي أحيانا على بعض التأويلات أو الرسائل الكبرى، لكنني مشغول دائما بالتفاصيل الصغيرة. الناس أيضا تعودت أن تقفز فورا للنتائج دون محاولة الاستمتاع بالفيلم كما هو، فعندما أرى فيلما لا أحاول أن أجهد نفسي لإيجاد تفسيرات... عندما أشاهد فيلما لا أفسره، بل أحياه.


* ربما العيب فينا، فنحن نشاهد فيلما لداود عبد السيد ونحن على استعداد لمناقشة قضايا كونية،بينما تتحدث عن قضية إنسانية ، نكون في انتظار "رسائل داود الكبرى"...

لست نبيا! هناك فارق بين العمق والتعقيد،كنت أبحث عن الفرد. البحر ليس الرب، بل الحياة التي كان على يحيى( الطبيب الذي يعاني من لعثمة و اختار أن يكون  صيادا) أن يخوض تفاصيلها.
إذا وقعت في تجربة حب لن تُشرح حبيبتك لتعرفها أو تتوقف عند  المستوى الأول: جسدها،رائحة شعرها،طلاء أظافرها، بل هي كل متكامل، كذلك العمل الفني.
أتحدث عن التفاصيل الصغيرة للإنسان و لا أصنع عملا نخبويا.
أحكى عن أشياء بسيطة، عميقة لأنها مخلصة لفكرة الفن. جرب أن تحب، تكتب، تلعب، تغنى، تمشى، تضحك.. مخلصا ستجد عمقا وراء أفعالك.
عند عرض فيلمي التسجيلي الأول "وصية رجل حكيم في شئون التعليم" خيم الصمت على القاعة، فشعرت بنشوة لقدرتي على التحكم في هذا الحشد من البشر.
كانت الأفلام التسجيلية قبل ذلك تستخدم صوت المعلق كرب يعرف كل شيء ويصدر أحكامه النهائية على كل شيء. تمرد جيلي من خريجي معهد السينما دفعة 67 من بينهم خيري بشارة على فكرة المعلق الذي غاب صوته عن أفلام ما بعد النكسة تعبيرا عن رفض  الصوت الشمولي، لكنى قررت استخدامه من جديد، ساخرا من الصوت الواثق الذي يرى أن التعليم سيفسد القرية.


* يحي بطل الفيلم يشبهك إلى حد كبير؟

لا أعانى من التلعثم مثل بطلي يحيى، لكن الشخصية تعبر عني إلى حد كبير. أنا أرغب في التواصل مع كل شيء، أشعر بالغضب من ذلك الطوق الذي يكبلني، لو خيرت لصرت روحا تتسلل داخل الناس لتعرف فيما يفكرون. لم أكن أرغب في أن أصبح سينمائيا، بل تمنيت أن أكون صحافيا حتى اكتشف منذ الصغر قدرة السينما على الاكتشاف.


* حصلت على منحة من وزارة الثقافة لإنتاج فيلمك، هل وزارة الثقافة ضرورة لبقاء المخرجين الكبار؟

رفض الجميع إنتاج الفيلم ووصفني البعض بأنني لست  جماهيريا، مثلا اشترط عماد الدين أديب أن تلعب هيفاء وهبي دور بسمة! و حاولت إقناع إسعاد يونس أن الجمهور سيتحمس للفيلم و أنه جماهيريا. فطوال مسيرتي رفضت الاشتراطات.


* ما تأثير أن يظل "رسائل البحر" حبيس عقل داود عبد السيد طوال هذه السنوات؟

صنعت الفيلم بعقل بارد، كنت أحفظ تقريبا كل مشهد، كل أفلامي السابقة صنعتها منفعلا بها، لكنني كنت أنفذ "رسائل البحر" وأنا أعلم كل تفصيلة تقريبا.
في البداية رشحت أحمد حلمي لدور البطولة، إلا أنه رفض. فهو أكثر أبناء جيله موهبة، وكنت أرغب في أن تكون شخصية "يحيى" ( البطل) أقل جدية وأكثر بهجة، الآن لا أعلم إن كنت على صواب أو خطأ.
أثناء التصوير فوجئت بآسر ياسين ( يحي، بطل الفيلم) يرتدى ملابس رمادية اللون، فتوجهت لمصممة الملابس معلقا: "لما اخترت هذه الألوان؟" فردت: "لأن بطل مأزوم"، إلا أنني قلت: " من قال إن يحيى مأزوم؟ يحيى بطل يستمتع بالحياة،يحبها،يغامر بالخوض فيها،تؤلمه،تفرحه،لكنه ليس مأزوما".
لو شاهدت نسخة العمل الأولى لقلت إنه فيلم سيئ، فهو مليء بالتفاصيل الصغيرة التي تحتاج لحشدها بعد انتهاء النسخة الأولى، موسيقاه كتبت مرتين، و لم تكن الموسيقى الأولى سيئة،لكنها لم تكن دقيقة.


* يرى البعض أن الحوار كان فلسفيا أكثر ما تتحمل الشخصيات خاصة بالنسبة لهامشيين مثل قابيل و بيسة؟

بيسة كانت تتحدث عن خبرة حسية فهي تعمل في ملهى ليلي ، ما الفلسفي في أن تصف تجربة فض بكارتها بالفراش الملون ..وما الفلسفي في تألم قابيل ( البودي جارد) من ارتكابه لجريمة قتل ورغبته في عدم تكرارها؟


* وماذا عن يحيى البطل المثقف ..ألا تشير تركيبته إلى أن الفيلم نخبويا؟

في كل مرة سأصنع فيلما سأختار لشخوصه السمات نفسها، و لا يعنى ذلك أنهم نخبويين.