الإعلان

 

فنون قسم عام الجرافيتي .. تاريخ يقاوم الزوال
الجرافيتي .. تاريخ يقاوم الزوال
دينا قابيل   

 

في إحدى مليونيات التحرير، وتحديدا في 9 إبريل الماضي، رسم أحد الفنانين على الجدران في ميدان التحرير جرافيتي أشبه بملصق دعائي لمنتج اسماه "قناع الحرية" وهو عبارة عن قناع يضعه شخص يتحول إلى مسخ وقد سُد فمه بكرة صغيرة، و خرج له جناحين من رأسه، كما لو كان تكميم الأفواه والغازات السامة المسيلة للدموع التي يتعرض لها الثوار هي ثمن الحرية. وكُتب عليها كما في ملصقات الدعاية: "جديد. حاليا بالأسواق ولفترة محدودة. قناع الحرية. إهداء من المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى أبناء الوطن الحبيب"، حملت توقيع "جنزير".. وهو الاسم المستعار لمحمد فهمي الذي صار اليوم إحدى أيقونات ثورة 25 يناير.
بدا هذا الرسم الجرافيتي، الذي خرج في أجواء رفض المحاكمات العسكرية للمدنيين، كما لو كان نبوءة تعلن مبكرا عن أحداث القمع التي شهدها شارع محمد محمود بعد سبعة أشهر من اندلاع الثورة، مشيرا إلى أقنعة الغاز التي ارتداها قوات الأمن مقابل الكمامات البسيطة التي تحصن بها الثوار. أقلقت هذه الرسوم الاحتجاجية السلطة وتم القبض على العديد من رسامي الجرافيتي بتهمة توزيع منشورات ولصق لوحات على الأملاك العامة !

بينما قام الفنان عمّار أبو بكر برسم جداريات على أسوار مدرسة الليسيه بنفس شارع محمد محمود الشهير، يقدم فيها تحية لكل هذه الوجوه أو العيون التي فقدت أو أصيبت أثناء أحداث 19 نوفمبر الدامية، كما لو كان الجرافيتي يكتب يوميات الثورة يوما بيوم بأحرف من نور.  صار الشارع معرضا فنيا مفتوحا منذ اندلاع ثورة 25 يناير في ميادين مصر، يتبارى شباب رسامي الجرافيتي، و شباب الثوار بفطرتهم الفنية، في ملء حوائطه كتابة ورسما تزأر بالرفض. حتى إذا ما بلغتها "الأيدي الخفية" لتمحو آثار الاحتجاج وتعيد طلاء رسائل الرفض والثورة باللون الأبيض، تتحول عندئذ الجدران إلى صفحات ناصعة تغوي بالرسم عليها من جديد. إنها الثورة مستمرة أبدا.

 

الجرافيتي .. تاريخ يقاوم الزوال |

هذا ليس جرافيتي!
نعم اختفت اليوم شعارات الأيام الأولى من الثورة، وتم "طلاء" آثار الجرافيتي الذي صاحب اعتصام الثمانية عشر يوما التي سبقت التنحي، تلك التي عكست إصرار الشعب على إسقاط النظام ("ارحل !" أو "إمشي بقه أنا عايز استحمى!" أو صورة مبارك وقد تقاسم  نفس ملامح الدكتاتور هتلر)، كما اختفت العديد من الرسومات اللاذعة والشعارات التي واكبت مراحل الثورة، لكنها كانت محط اهتمام العديد من المواقع على شبكة الانترنت التي فطنت لأهمية هذا التوثيق الشعبي والحي للثورة، مثل موقع وورد براس[1] أو مثل ألبوم صور الجرافيتي على صفحات الفيسبوك،  كما وعى أصحاب القاعات الفنية بأهمية هذا الفن الثوري الصاعد، حيث أقامت جاليري تاون هاوس المعنية بالفن المعاصر، في شهر أكتوبر الماضي معرضا لمجموعة من فناني الجرافيتي تحت عنوان دال :  « Thisisnotgraffiti » أو "هذا ليس جرافيتي" في إشارة أولى ماكرة إلى ما يتعرض له هذا الفن الاحتجاجي من قمع ومصادرة، وإشارة أخرى إلى انتماء هذا الفن بالأساس للشارع، خارج القاعات والأبنية المغلقة، أي أنه لا يكتسب صفته إلا في وجوده في عرض الطريق وسط الناس، في قلب الأحداث معرضا دائما للإضافة والحذف، بل والمحو أيضا. كما كان الجرافيتي ركنا أساسيا من أركان معرض فوتوغرافي ضخم أقيم في شهر نوفمبر الماضي بمركز الجزيرة للفنون بعنوان "الشعب خط أحمر"، وكانت الصور الفوتوغرافية تعكس تداخل الجرافيتي في الحياة اليومية للناس، وتحول موازين القوى، بحيث صارت اليوم شعارات المرحلة تدور في إطار رفض المجلس العسكري وسياساته وممارساته، مثل "الشعب يريد إسقاط المشير" أو "معا ضد المجلس العسكري".

الجرافيتي يوثق للثورة

الجرافيتي .. تاريخ يقاوم الزوال | لم تكن نبوءة، تلك التي أشار إليها "جنزير" في رسمه للصدام الدامي بين الشعب والعسكر، والتي كشف فيها النقاب عن الوجه القبيح للمجلس العسكري، بعد أيام الوئام الأولى التي عرفت شعارات من عينة "الجيش والشعب إيد واحدة". بل كانت تعبيرا فنيا صادقا نتج عن معايشة الأحداث لحظة بلحظة وتمتع شباب الجرافيتي ببعد النظر والحس المرهف في قراءة الأحداث، مثلما رسم أحدهم مبكرا -وبعد اعتصام 25 يناير مباشرة- دبابة القوات المسلحة في كامل بأسها وجبروتها، تداهم بائع الخبز مستقلا دراجته الضعيفة.
فقد تحول الجرافيتي في مصر من مجرد وسيلة اجتماعية للدعاية[2] أو صورة فنية منطفئة[3] -كما كان قبل الثورة- إلى أداة تعبير سياسية بامتياز، تنشر الثورة المتأججة في كل مكان. في جداريات على كورنيش الاسكندرية، أو في ميدان الدقي حيث حرصت مجموعة من الفنانين على قص تجربتهم مع الثورة من خلال الجداريات أو في شارع شمبوليون، وشارع محمد محمود وحاليا شارع مجلس الوزراء، وفي كل مرة تقتفي أثر الرسم الجداري فيكون دليلك لاسترجاع الوقائع ذاتها، هنا اعتصام يوليو والإطاحة بأهالي الشهداء، وهنا أحداث ماسبيرو في أكتوبر التي راح ضحيتها أكثر من 20 مواطنا، وعلى العديد من الجدران صورة الشهيد مينا دانييل مثل أيقونة قبطية تكللها الورود، و هنا "لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين" التي راح ضحيتها المئات وأبرزهم بورتريه مايكل نبيل والمدون علاء عبد الفتاح، وهنا اشتباكات محمد محمود المزلزلة والتي لم تسلم من سخرية الشعب اللاذعة مثل تاج : (غاز و خرطوش و رصاص.. أحمدك يا رب!) على وزن قصص علي بابا والأربعين حرامي (دهب ياقوت مرجان .. أحمدك يا رب!).

أصحاب هذه الأعمال هم جنود مجهولون، لا يهمهم كثيرا أن تحمل أعمالهم توقيع أصحابها أسفل العمل، ويتخذون أحيانا أسماء مستعارة خوفا من البطش بهم في أي وقت، مثلما حدث مع "علي الحلبي" صاحب جرافيتي "الرقص على أنغام الثورة" والذي تم اعتقاله في أكتوبر لنفس التهم القديمة من نشر ملصقات وتخريب واجهات المباني العامة. ورغم احترافهم كفنانين من قبل الأحداث، لكنهم بدوا كما لو كانوا قد خرجوا من رحم الثورة، الحلبي و جنزير و ساد بندا وشارلز عقل والتنين الذي رسم Occupy Maspero  و زفت وعمّار.

كان عمّار أبو بكر، مدرّسا بكلية الفنون الجميلة بالأقصر، مهتما بأشكال الجرافيتي أو أشكال الفن الاحتجاجي، من قبل 25 يناير، لكنه لم يزاول الجرافيتي إلا مع الثورة، حيث بدأ في الأقصر على سور المحافظة أو سور كلية الفنون الجميلة، ثم انتقل إلى القاهرة مع كل اعتصام أو مليونية ينشر رسومه هنا وهناك "لم يكن لدي اهتمامات سياسية من قبل، كما يقول صاحب الجرافيتي الشهير للضابط قناص العيون الذي كتب عليه "مطلوب حيا أو ميتا" wanted. "لكن بعد 25 أردت أن أشارك بما لدي من إمكانيات، وكان الجرافيتي هو ما يمكن أن أساهم به وخاصة مع التراجع الذي شهده الإعلام والصحافة في ذلك الوقت اللذين سيطر عليهما ذيول النظام السابق، فنزلت التحرير وعدت إلى الأقصر أكتب جملا على الجدران وعلى القطارات جملا تدعو للمقاومة والصمود، أؤكد للناس من خلالها أننا مقبلون على تغيير حقيقي".

فن تفاعلي بالسليقة

لا تقتصر رسومات أو كتابات الجرافيتي على الفنانين فقط، وهذا ما يميز هذا الفن ويجعل له خصوصية فريدة، بل يساهم فيه الجميع الثوار والمتظاهرون والمارة أيا كانت قدراتهم الفنية. ما يهم هو قوة الرسالة السياسية، فالأمر يتعلق "بفن الشارع"، كما يفضل "جنزير" أن يطلق عليه، بدلا من كلمة "جرافيتي". قد يكون بالطباشير أو بالقلم المحدد الفوسفوري أو بتقنية الطبع مثل السيلك سكرين أو بالفرشاة للفنانين المحترفين، أما ما يحدد مقدار نجاحه فهي مجموعة من العناصر مثل الجرأة وروح النقد عن طريق السخرية المرحة واللاذعة. هذه السهولة في التناول وهذه المقدرة على الانتشار السريع والفعال بين الناس هي ما دفع عمّار أن ينظم ورشة لتعليم الشباب تقنية الجرافيتي بحيث تعتمد على الطبع بالاستعانة ببرنامج الفوتوشوب، ثم تفريغ الرسم على لوحة ورقية استعدادا لتفريغه على أي جسم صلب أو حائط ورشة بطلاء السيارات الدوكو المعروف. يؤكد عمّار قائلا : "فكرنا في تنظيم الورشة حين ذهبنا أنا ومجموعة من الأصدقاء للتضامن مع علّي الحلبي حين تم اعتقاله على إثر جرافيتي "الرقص على أنغام الثورة"، فأردت أن أنشر التقنية في أسرع وقت حتى لا تخمد ثورة الجرافيتي مع القبض على أصحابه، كانت نوع من التضامن "كلنا علّي الحلبيّ" على غرار "كلنا خالد سعيد"[4].

كما يتميز أيضا الجرافيتي، وسط الفنون المعاصرة جميعها التي تسعى جاهدة للوصول إلى همزة وصل بين العمل الفني وجمهور المتفرجين، أنه فن تفاعلي بالفطرة، مبنى أساسا على فكرة الجرافيتي .. تاريخ يقاوم الزوال | الطبقات، مثل صفحة التاريخ البيضاء التي يأتي كل عابر ليضع فوقها شيئا من تجربته ومعايشته. يكتب فنان الجرافيتي شعارات تعادي النظام، فيأتي من يعيد طلاءها، ويكتب أحدهم "يسقط المشير"، فيأتي فل من فلول النظام القديم، ليضيف "لن" فيتحول الخطاب إلى التأييد بعد الاحتجاج. تماما مثلما كان يحدث قديما حينما كانت أهداف الجرافيتي أكثر دعائية، حينما كانت ملصقات الدعاية الانتخابية يتم تشويهها أو تأييدها والرسم والتعليق عليها، أو يفرض الخطاب الديني المتشدد نفسه على جدران المترو وأسوار القطارات ومحطات المواصلات العامة يحث على ارتداء الفتاة للحجاب ليكتمل إسلامها، فيأتي من يعلق عليه بالسلب والرفض أو بالمزايدة والتشجيع، فتتحول المدينة إلى برلمان ديمقراطي يشارك فيه المواطنون.

فقد صار الجرافيتي اليوم ليس فقط مرادفا لحرية التعبير والحق في الاحتجاج بعد عقود من القهر وإخماد صوت الرفض، بل أصبح موازيا للثورة يسير على دربها وبحذو حذوها، يرسم عمّار هؤلاء الذين فقدوا عينهم أو عينيهم، تجاوزوا الثمانين مصابا، ولا يرض عن القصاص بديلا، فيكتب في الجرافيتي موجها رسالته للمشير : "عينك".

كم أصبح الجرافيتي لصيقا بالثورة، إلى درجة أنك لو ذهبت لتفقد شارع محمد محمود –اليوم- بعد أن انتهى الصدام وانتقل الاعتصام إلى شارع مجلس الوزراء، ستصيبك قشعريرة غامضة، وتدرك أن الجدران التي كستها رسوم الجرافيتي وصارت شاهدا على فقأ عيون المصريين وقتلهم بالرصاص الحي، قد أكسبت الشارع هيبة وجلالا تذكر من يحاول أن ينسى "بأنا كنا هنا".

 

 


[1]- http://suzeeinthecity.wordpress.com/

 

[2]- Graffitis. Quand les murs parlent.
http://hebdo.ahram.org.eg/arab/ahram/2004/3/17/null0.htm

[3]-  شهد متحف محمود مختار مهرجانا رسميا للجرافيتي تابعا لوزارة الثقافة منذ 2008، حرص فيه على الوقوف على تقنيات فن الجرافيتي المختلفة، لكنه في ذات الوقت فرغه من مضمونه كفن احتجاجي يتمرد على الأطر الرسمية ويخرج بعيدا عن قاعات العرض.
http://hebdo.ahram.org.eg/arab/ahram/2010/8/25/arts1.htm

 

الجرافيتي .. تاريخ يقاوم الزوال |

[4] - خالد سعيد هو الشاب السكندري الذي اعتدى عليه ضابطان من وزارة الداخلية وابرحوه ضربا حتى الموت أثناء وجوده في أحد مقاهي الانترنت، وكانت صفحة الفيس بوك التي أنشأها وائل غنيم باسمه "كلنا خالد سعيد" إحدى مفجرات ثورة 25 يناير 2011.