الإعلان

 

فنون قسم عام مسرحية "الخلوة" لتوفيق الجبالي: هكذا يورطنا المسرح في الفعل السياسي
مسرحية "الخلوة" لتوفيق الجبالي: هكذا يورطنا المسرح في الفعل السياسي
ناجي الخشناوي   

عندما تجد نفسك متورطا أمام "إنتاج" مسرحي يعسر معه فصل السياسي عن الجمالي فتأكد أن مهمة تفكيك المتن عمل عصيب ومحفوف بالمزالق، وأن "قنص" الهوامش الملقاة على قارعة الركح تحت الضوء هي حتما مهمة عسيرة المنال

وعندما تُتاح لك فرصة مشاهدة عمل مسرحي يمتزج (لا يختلط) فيه السياسي بالجمالي فتأكد انك في حضرة مدرسة توفيق الجبالي... تلك التي لا تترك لك المجال للتخلص من موقف الثبات أو الحياد تجاه ذاتك والذوات المحيطة بك...

وعندما تحجز مكانا في قاعة "التياترو" لتتابع مسرحية لا توقيت لها سوى التوقيت الفاصل بين نص مُنجز ونص ممكن الانجاز، وتتابع حركات ممثلين لا يمنحوك فرصة للاستقرار على رأي أو الاطمئنان إلى تأويل محتمل فتأكد أنك تشاهد مسرحية "الخلوة".

"الخلوة" التي أخرجها مسرحيا كل من نوفل عزارة ومعز القديري، هي تأليف جماعي وعمل مشترك، تقطع مع الفرد المتفرد بالنص والسيناريو والإخراج والتمثيل، وهي ربما أولى "الرسائل" التي تُنبهنا لها هذه المسرحية...

يحيل عنوان المسرحية بشكل مباشر، ودون مواراة، إلى الفضاء المكاني الذي سيجمع اختلافات التونسيات والتونسيين في الداخل والخارج للحسم في أمرهم السياسي بالأساس، باعتبار أن الخلوة هي المكان الذي منه سننتخب أعضاء المجلس التأسيسي الوطني الثاني في التاريخ التونسي الحديث، وهذا العنوان لا يعيد مسرح توفيق الجبالي إلى "محراب" السياسة، كما قد يتبادر إلى ذهن البعض الذين وقفوا عند مسرحيات "كلام الليل" و"المجنون" و"أربع ساعات في شاتيلا" و"هنا تونس"، لأنه لم ينقطع عنها تماما في الأعمال الأخيرة لمسرح التياترو ....

"الخلوة" كعتبة دخول، قد تحيل على عمل مسرحي مباشر يأخذ من الحدث الآني متنا، وهي بالفعل كذلك، ولكنها لم تسقط في المباشراتية الفجة، التي قد تبررها الثورة، بل إن المسرحية جعلت من حدث الانتخاب نقطة عبور إلى ما سبق من تاريخ تونس، القريب والبعيد، والى ما قد يكون عليه الزمن الآتي، كما أنها تجعل من خيال المشاهد خيالا متوثبا يتطاول على كل الإمكانات المتاحة للتأويل وقراءة الحركة والمشهد والكلمة من عدة منافذ...

تفتتح المسرحية بصوت يأتي من وراء الركح، ركح الأحداث، صوت المذيع الذي يعلن عن "وجه" تونس هذا الصباح، بعد 17 ديسمبر أو 14 جانفي، أي بعد أن ظل كرسي الرئيس الرسمي شاغرا...

تونس هذا الصباح على موعد مع كتابة تاريخ جديد تتحدد فيه ملامح من سيجلس على كرسي الحكم لا كرسي السلطة، ولذلك كان أول مشهد في المسرحية مشهد الكرسي، ولكن الممثل لا يجلس على الكرسي وإنما يضع ساقه فوقه، وهي إشارة طافحة بالدلالات وبها فائض من الرمزية لطبيعة الجلوس على الكرسي، كرسي الحكم.

منذ بداية المسرحية يبدأ التكثيف الرمزي وشحن كل حركة بطاقة مضاعفة من الإحالات الركحية على طبيعة الحكم السابق (وضع الساق على الكرسي/الشعب/القانون) وبالمثل كانت حركة عمال البلدية في أول ظهور لها، وهي "تكنس" بقايا الحكم السابق تعلن في لا وعيها، عن طبيعة ما حدث بعد هروب الرئيس، أي أيام استمرار الثورة، حيث يستعمل احد عمال البلدية مسدسا ويهدد بثورة جديدة.

الألوان لم تخرج عن ثنائية الأبيض والأسود في بداية المسرحية، إلى أن يقتحم الركح اللون الأحمر (كشكول احمر يطوق عنق احد الممثلين) مع "سي كمال" الشخصية الحاضرة اسما والغائبة جسدا، والتي تتكرر في كامل المسرحية. الشخصية التي لا يمكن لأي مشاهد أن لا تجعله مستنفرا ومتوثبا في إحالتها على شخص بعينه، أهو كمال الجندوبي رئيس اللجنة المستقلة لمراقبة الانتخابات؟ أم هو كمال لطيف الرجل الغامض المتخفي خلف الستائر الداكنة والذي يدير خيوط اللعبة السياسية؟ أم هو كمال مرجان السياسي الذي لبس جبة "صانع التغيير" ويريد اليوم أن يخلعها على الشعب؟؟؟

ألا يحيل اسم كمال في مسرحية الخلوة على مفهوم "الكمال" الذي نريد أن نبلغه في أول عملية انتخابية لنحقق انتقالا ديمقراطيا حقيقيا؟؟؟ .

نسق الدرامتورجيا في المسرحية مبني بطريقة تصاعدية، تتالت فيه الأحداث والحركات ممتزجة بالموسيقى حينا وبالضوء حينا آخر، وهي ترصد بداية العملية الانتخابية وتلتقط أدق الجزئيات الحافة بها بشعرية مرهفة استندت خاصة إلى رمزية المطر (الغيث النافع) الذي قد يروى اليباب والقحط أو يجرف ما تبقى منه في طوفان لا نهائي، ورمزية ضوء الشمعة التي تنير درب الديمقراطية بتؤدة، ألم يحمل ديوجين شمعة بيديه ويجوب شوارع باريس بحثا عن الحرية؟

النص الملفوظ كان هو الآخر حماَّلُ دلالات، إذ أن كل دال لا يحيل على المدلول الأول الذي قد يتبادر إلى ذهن المشاهد وإنما يفضي به إلى مدلولات وإحالات بعيدة وقريبة، فالخلوة صارت مُرَّة والصندوق بات "يتشتش" وبالمثل الأحزاب "توشوش"، تماما مثل الأزياء التي كانت في حد ذاتها نصا مكتملا يعبر عن طبيعة كل حركة وكل شخص فوق الركح، من ملابس عمال البلدية إلى ملابس مراقبي الانتخابات إلى المنتخبين، وحتى "حكومة الظل" ظهرت إلى الشمس فوق الركح قريبة من الخلوة في لباسها الأسود كحلة الخلوة التي كانت سوداء. أما جماعة الكرة فإنهم اتفقوا على أن تكون الانتخابات"ودية" وسيُعلن عن نتائجها في الأحد الرياضي؟ مادمنا ننعم بالديمقراطية...

وإذ تبدو المسرحية في ظاهرها تَقَمصٌ لنماذج بعينها من المجتمع التونسي الذي سيقدم على الانتخابات، ورَصدٌ لسلوك كل فرد على حدة يوم الدخول إلى الخلوة، من الانتهازي إلى الجاهلمسرحية "الخلوة" لتوفيق الجبالي: هكذا يورطنا المسرح في الفعل السياسي | إلى المستكين إلى الحالم إلى المتشائم... فان جهد البحث البسيكولوجي في باطن كل شخصية لا يمكن أن يتغافل عنه المشاهد، ذلك أن الغوص في أعماق كل شخصية والاقتراب من صوته الباطني تم الاشتغال عليه بطريقة مدروسة وذكية بعيدة عن الكليشيهات الباردة أو الإسقاطات العشوائية... وهو ما يجعل كل مشاهد للمسرحية يتمثل نفسه فوق الركح وهو بصدد الدخول إلى الخلوة.

هكذا يورطنا توفيق الجبالي ونوفل عزارة ومعز القديري في سياق من السخرية السوداء، في مسرحية تبدو للوهلة الأولى أنها منجزة في خلوة المشاركين الذين أنجزوها، ولكنك تكتشف أنها مسرحية بصدد الانجاز وهي تنتظر مشاهديها ليقتحموا خلوة كل شخصية في المسرحية ليضيفوا من خيالهم ما استطاعوا، تماما كالنص المكتوب لا يكتمل إلا بقرائه عندما يعيدون كتابته وفقا لطريقة قراءتهم.

عود على بدء، وقريبا من علاقة السياسي بالجمالي في مسرح توفيق الجبالي والتياترو عموما، يمكننا أن نجزم بأن كل من يشاهد "الخلوة" لا يمكنه أن يظل محايدا أو صامتا لأن المسرحية ستحدث "رجة" على طريقة بول ريكور، لأنها تحرض على المشاركة الايجابية من خلال تفكيكها لكل الممارسات السلبية التي ستحف بعملية الانتخاب.