الإعلان

 

فنون قسم عام الحاقد يدفع ثمن جرأته سجنا..
الحاقد يدفع ثمن جرأته سجنا..
محمد الخضيري   

 

يقبع "الرابر" المغربي الحاقد في السجن. اعتقاله طال لأشهر، وحركة عشرين فبراير المعارضة بالمغرب تؤكد أن مغنيها معتقل لأسباب سياسية. حملة  واسعة تساند المغني الشاب (24 سنة) وتطالب بالإفراج عنه. بينما هو يتابع في ملف ضرب وجرح، حسب السلطات الأمنية

منذ شهر سبتنبر الماضي يقبع "الرابر" المغربي معاذ بلغوات، الملقب بالحاقد في السجن، في انتظار محاكمته. التهمة الموجهة للمغني الشاب المنتمي إلى حركة عشرين فبراير الاحتجاجية هي الضرب والجرح في حق مواطن مغربي. لكن الحركة المعارضة تعتبر أن اعتقال الحاقد، أشهر مغني الحركة، سياسي. أما التهمة، حسب حركة عشرين فبراير فهي مجرد وسيلة للتعتيم على جوهر القضية. أي أغاني الحاقد المليئة بالاحتجاج السياسي وانتقاد للنظام المغربي. أغاني مليئة بالمطالب الاجتماعية والسياسية ولا تغفل أحدا من رصاصها الموسيقي. فأغاني الحاقد لم يسلم من "سلاطة لسانها" أية مؤسسة حكومية، وغنى أيضا عن الملك محمد السادس، وعن الحكم في البلاد الذي يصفه الحاقد بالحكم المطلق.

 

الحاقد يدفع ثمن جرأته سجنا.. |

الشعب يريد..

في بدايات الحراك العربي بتونس ثم بمصر بشكل واسع، انتشرت في الميادين والساحات عبارة "الشعب يريد إسقاط النظام". شعار تلقفه الشباب المغاربة، ولكن بحدة أقل، نظرا لطبيعة النظام السياسي المغربي. وبدل إسقاط النظام رفعوا شعار "الشعب يريد إسقاط الاستبداد".. الاستبداد بما فيه انتشار اقتصاد الريع، واستغلال النفوذ، والشطط في استعمال السلطة، وعبادة الأشخاص. فالدستور المغربي كان ينص في فصله التاسع عشر على أن "الملك مقدس ولا تنتهك حرمته". وهي عبارة طالبت العديد من الأحزاب السياسية، خصوصا أحزاب اليسار بإسقاطها من الدساتير المغربية. لكنها ظلت صامدة في كل التعديلات الدستورية، منذ دستور 1962، وهو أول دستور للمملكة المغربية بعد الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي.

بعد الحراك، رفع الشباب المغاربة شعار "الشعب يريد إسقاط الاستبداد". وسرعان ما تلقف "رابر" مجهول الشعار، وأطلق أغنية على موقع "يوتوب". يقول فيها  "خمسون في المائة من المغاربة يحبّون الملك، وأربعون في المئة ينافقونه وعشرة في المائة لا يعترفون به". إحصاءات الرابر الفريدة كانت صادمة ، فلم يرد من قبل على الإطلاق في الموسيقى والأغنية المغربية، حتى التي تحمل نفسا احتجاجيا واضحا في كلماتها انتقادا مباشرا للملك. المغني المجهول وقع أغنيته باسم الحاقد، الذي تحول في ما بعد إلى لقبه الرسمي.

أطلقت الأغنية يوما بعد يوم 20 فبراير الذي شهد أول وقفة احتجاجية  بـ"ساحة الحمام" التاريخية بمدينة الدار البيضاء . لم يكن أحد يعرف مآل هذا الحراك لكن الشاب سرعان ما انتصر لنبض الشارع. وانتشرت أغنية الراب، المنشورة بفيسبوك، كالنار في الهشيم ليشاهدها  عشرات الآلاف  في أقل من أسبوع. أغنية  "الحاقد" لم تغفل  القمع البوليسي، وتردي التعليم العمومي، واستيلاء  لوبيات الفساد على ثروات المغرب، وفساد مؤسسة القضاء وعدم استقلاليتها، قبل أن يدعم مطالب الشباب و"أبناء الشعب المقهورين".

صحيح أن آخرين غنوا للعشرين فبراير، لكن الحاقد وضع بصمته. فهو لم يتوقف عند الغناء والمشاركة في مسيرة أو مسيرتين، كما حدث  مع مجموعات موسيقية أكثر شهرة كـ"هوبا هوبا سبريت". اقتناعه بالحركة دفعه للمشاركة ومنذ الأيام الأولى في وقفاتها ومسيراتها والغناء لها حتى أصبح مغنيها "الرسمي".

لم يكن يعلم كل من كانوا يحضرون الاجتماعات العامة لتنسيقية الحركة بمدينة الدار البيضاء، بمقر "الحزب الاشتراكي الموحد" أنه الحاقد. شاب طويل القامة ونحيف. عامل بسيط يبلغ من العمر 24 سنة.  ملامحه لم تخرج تماما من الطفولة، ويتحدث بعفوية في الاجتماعات. راديكالي في الكثير من المواقف، لكنها راديكالية الشاب المتحمس لأصوات الثورات العربية، لم يخبر السياسة بشكل جيد. في مسيرات ووقفات الحركة أصبح يأخذ الميكروفون ليرفع الشعارات. قبل أن يغني في المسيرات، كان الجميع يرى الحاقد في  اجتماعات تنسيقية عشرين فبراير. الحاقد يدفع ثمن جرأته سجنا.. | ونادرا ما تغيّب عن اجتماعاتها أو وقفاتها.

موسيقى الشاب تطورت. أصبحت أكثر حدة وأكثر انتقادا للنظام. ليتحول إلى "رمز" من رموز الحركة بمدينة الدار البيضاء. وكان كثيرون يدركون أن الشاب سيدفع ضريبة لغنائه. فهو شاب مستقل، خلافا لكثيرين وسط الحركة ينتمون إلى تنظيمات سياسية. ولم تكن له أية خبرة سياسية من قبل. كما أنه لم  يختلط بأجواء العمل النقابي الطلابي، ببساطة لأنه لم يلج الجامعة. عذريته السياسية جعلته يرفع من سقف الانتقاد ويتوجه لرموز النظام المختلفة. وحين زارته قناة "آرتي" الفرونكو – ألمانية لم يتردد في انتقاد الملك محمد السادس. قال إنه ما دام شخص واحد في البلد سيظل دائما حاقدا على النظام. ردّد الشاب، من غرفته بمنزل عائلته في الحي الشعبي "الألفة" بالدار البيضاء أمام كاميرا "آرتي"/ "كلشي ما راضيش بالنظام. كذب عليك اللي قال لك المغرب حالة خاصة. الله، الوطن، الحرية. ما حد السلطة باقية في يد واحد، غادي نبقى حاقد." (لا أحد راض عن النظام. كاذب من أن أخبرك أن المغرب حالة خاصة. وما دامت السلطة باقية في يد رجل واحد، سأظلّ حاقداً).

انتقادات الحاقد أصبحت أكثر حدة. مع  توالي أغانيه. في واحدة  يصف الوزير الأول عباس الفاسي بـ"الفاشي"، وفي مرة ثانية يحرف شعار المملكة : "الله، الوطن، الملك" إلى "الله، الوطن، الشعب"، وهو ما يعاقب عليه القانون الجنائي.  لكن يبدو أن المغني الشاب كسّر حاجز الخوف بشكل تلقائي. ورفع سقف انتقاداته عاليا.

إلى جانب أغانيه كان الشاب يخرج رفقة أصدقائه بشكل يومي من أجل المساهمة في توزيع المنشورات الداعية إلى وقفات ومسيرات عشرين فبراير. يوم 9 سبتمبر الماضي كان المغني الشاب رفقة بعض رفاقه يوزع المنشورات الداعية إلى مسيرة ستنظم بحيه. دخل في مشادة كلامية مع أحد أفراد " تنظيم 9 مارس" (وهو تنظيم تم تأسيسه بعد خطاب للملك بنفس التاريخ وقد أعلن فيه عن تعديل دستور المملكة استجابة لمطالب عشرين فبراير). قبل أن تتحول المشادة الكلامية إلى شجار.  عضو 9 مارس  رفع شكوى أمام السلطات الأمنية المختصة يتهم فيها معاذ بلغوات بالاعتداء عليه بالضرب والجرح، وهو ما ينفيه بلغوات. مجمل هذه الشكايات التي تقدم إلى السلطات الأمنية، تتأخر معالجتها ويتابع المتهمون فيها أمام القضاء وهو في حالة سراح. أما قضية الحاقد فأخذت منحى آخر.

 

الحاقد يدفع ثمن جرأته سجنا.. |

اعتقال سوريالي

مسار محاكمة الحاقد اتخذ طابعا سورياليا. تم تفعيل مساطر الاعتقال بسرعة، ولم تبلغ عائلته بموضوع اعتقاله إلا يوما بعد ذلك. أودع بسجن "عُكاشة" بمدينة الدار البيضاء، ورفض تماما تمتيعه بالسراح المؤقت. أما آخر فصول متابعته فكانت بتاريخ  6 ديسمبر. حينها قررت  المحكمة الابتدائية عين السبع بالدار البيضاء تأجيل البتّ في ملف معاذ. وقررت المحكمة تأجيل الجلسة إلى  يوم 22 ديسمبر 2011.

قرار المحكمة حسب مهدي مسعاد، عضو هيئة الدفاع عن مغني عشرين فبراير المعتقل ، على خلفية ملف ضرب وجرح لأحد شباب "9 مارس" "أتى لتمكين هيئة الدفاع من إعداد دفاعها. وإذا كانت القضية ذات طابع جنحي، فإن حركة عشرين فبراير بالدار البيضاء تعتبر أن محاكمة الحاقد هي سياسية وجاءت كضريبة لأغانيه. وأكد بيان للجنة إعلامها بهذا المعطى. يقول البيان: " هذا الملف ملف سياسي لابتزاز الحركة (وثنيها عن) مطالب الشعب المغربي المشروعة "حرية، كرامة ،عدالة اجتماعية" وأثبتت الأيام صدق ما قلناه ورغم الحملة الدولية التي نادت بإطلاق سراح الحاقد لم يتم الاستجابة لطلبات السراح المؤقت التي ما فتئت هيئة الدفاع تقدمها."

تأجيل القاضي بالمحكمة الابتدائية المحاكمة قصد تمكين دفاع الحاقد من إعداد  الدفاع واستدعاء الشهود، ليس مقنعا حسب هيئة الدفاع. وحسب تصريح محامين  من هيئة دفاع الحاقد فإن الهيئة لم تتوصل بإشعار انعقاد جلسة المحاكمة يوم 6 ديسمبر، وهو ما ترتب عنه غياب أغلبية أعضائها.  وقال المحامي مهدي مسعاد "فوجئت زوال يوم المحاكمة باتصال مجموعة من المناضلات  والمناضليين في حركة 20 فبراير بالدارالبيضاء يخبروني فيه بأن الفنان معاذ "الحاقد" قد تم إحضاره لمحكمة عين السبع من أجل المحاكمة، وذلك دون إعلام هيئة دفاعه و الاتصال بأسرته". أسرة "الحاقد" أعلنت أن اعتقاله  كان "اختطافا"، و"أن اعتقاله شابته عدة خروقات.." بينما نظمت حركة عشرين فبراير وقفة أمام قاعة المحكمة احتجاجا على هذا الإجراء الذي تصفه هيئة الدفاع بالخرق القانوني.

الملف شابته حسب هيئة الدفاع عدة خروقات، واعتبر محامو الحاقد أن استمرار اعتقاله يرجع لدوافع سياسية فهو يتمتع بجميع الضمانات والكفالة لحضور الجلسات وهو في سراح مؤقت. المحكمة تصر ومنذ اعتقاله على رفض طلب هيئة الدفاع بتمتيعه بالسراح المؤقت. وكانت هيئة الدفاع تقدمت أكثر من مرة بطلب محاكمة الحاقد في حالة سراح، إلا أن الطلب رفض.

حملة تضامن دولية

الحاقد يدفع ثمن جرأته سجنا.. | اعتقال الحاقد حرك موجة دعم وتضامن دولية تطالب بإطلاق سراحه. كما أن حركة عشرين فبراير ترفع، في مسيراتها، منذ اعتقاله شعارات مطالبة بالإفراج عنه، وتعتبر أن اعتقاله يدخل في خانة الاعتقال السياسي. وهو ما كررته الحركة في عدة مسيرات ووقفات نظمت في مختلف أحياء مدينة الدار البيضاء. مسيرات خاصة نظمت للمطالبة بالإفراج عنه، في حي "الألفة" الشعبي الذي تقطن به العائلة.  كما أن كبريات مسيرات الحركة بالدار البيضاء طالبت بالإفراج عنه، ورفعت لافتات وشعارات تدين اعتقاله.

إلى جانب المسيرات والوقفات الاحتجاجية أمام مقرات الشرطة، وفي أحياء مختلفة بالمدينة تحركت قوى من المجتمع المدني، مساندة لقضية معاذ بلغوات. وأطلقت صفحة على موقع فيسبوك https://www.facebook.com/L7A9AD.MOUAD تساند الرابر، وتدعو إلى إطلاق سراحه. كما خلق أصدقاؤه لجنة دعم، تنشط فيها كثيرا مخرجة الأفلام الوثائقية مارية كريم الشابة، وهي أيضا عضو في حركة عشرين فبراير، نظمت عملية واسعة لدعم الحاقد، على الأنترنت. تؤكد الشابة أن على "الجميع مساندة الحاقد عبر المساهمة في المبادرة التي أطلقتها رفقة أصدقاء آخرين للحاقد. المبادرات متنوعة ومن ضمنها  تغيير صور رواد موقع "فيسبوك" الشخصية بصورة معاذ بلغوات، ومبادرة ثانية تدعو فيها  مواطنين من العالم بأخذ صور مع لافتات للمطالبة  بالإفراج عن المغني، وإرسالها عبر البريد الإلكتروني عنوان البريد الإلكترونى هذا محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تفعيل الجافا لتتمكن من رؤيته ، مع توضيح اسم المرسل والمدينة والدولة ومكان التقاط الصورة. المبادرة لقيت إقبالا واسعا من رواد الأنترنت المغاربة والأجانب، ونشرت صور لمواطنين من إيرلندا، فرنسا، المغرب والعديد من دول المعمورة تطالب بالإفراج عن الحاقد. كما أطلقت لجنة دعم المغني الشاب موقعا إلكترونيا http://l7a9ed.com/ ينشر مقالات وصور للداعمين للمغني الشاب. ونظمت عائلته وأصدقاؤه عدة ندوات للتعريف بقضيته.. وللضغط من أجل الإفراج عنه، ودعا عدة ناشطين سياسيين وحقوقيين، من ضمنهم "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" بحل قضيته.. اعتقال الحاقد وجد أيضا صدى داخل الصحافة المغربية، وكتب رئيس تحرير المجلة الأسبوعية "تيل كيل" كريم بوخاري مساندا للمغني  http://www.telquel-online.com/501/edito_501.shtml ما يلي: " .. اعتقال الحاقد هو قضية مفتعلة من أجل إخراس الصوت الملتزم لابن الشعب. علينا أن لا نخاف من تسمية الأسماء بمسمياتها. الحاقد معتقل سياسي، يدفع ثمن أفكاره وكلماته".

 

الأغنية "الحاقدة"

موسيقى الحاقد أقرب من الهواية إلى الاحترافية. لكن كلماته تدخل تماما في ثقافة الهيب هوب والراب  المليئة بخطاب احتجاجي. ذكاء المغني دفعه للحديث عن البديهيات. أزمة التعليم، وانتشار المخدرات في الأحياء الشعبية، مشاكل النقل، تحكم عائلات معينة في اقتصاد البلد، انتقاد استغلال السلطة، والجمع بين السلطة والمال. كلمات معاذ بلغوات ذكية. تستعير لغة الشارع المغربي وشفراته. لا تتحدث بلغة جامدة بل بلغة قريبة من المواطنين العاديين. لكنها أيضا تحمل الكثير من القوة. بكلماته "البسيطة" ينتقد عنف قوى الأمن تجاه المعطلين والحركات الاحتجاجية، ويحتج على ندرة فرص الشغل، وبعض التفاصيل الصغيرة التي يسخر منها المواطنون العاديون. لكن الحاقد أيضا رفع سقف المطالب الاحتجاجية. انتقد الملك محمد السادس، والوزير الأول، والمخزن (محيط الملك) ومؤسسة الجيش والأمن.. ولم يسلم من كلماته إلا ... "الشعب" الذي ينتصر له وما فتئ يردد "عاش الشعب".