الإعلان

 

فنون قسم عام الدورة 15 لأيام قرطاج المسرحية:الثورة لم تعرف طريقها إلى الركح لولا بيان السوريين
الدورة 15 لأيام قرطاج المسرحية:الثورة لم تعرف طريقها إلى الركح لولا بيان السوريين
ناجي الخشناوي   

 

ظل المسرح النشاط الإبداعي الأكثر تحررا والأكثر قدرة على تفكيك الواقع الاجتماعي والسياسي في مختلف العصور والأزمنة من جهة، ومحاولة إعادة بناء نمط عيش إنساني مختلف من جهة ثانية والفن المسرحي، كباقي الفنون، يزدهر مع نمو الوعي الثقافي ويتراجع بتراجعه. واليوم، والمنطقة العربية تشهد فورة ثورية ومسارا متواصلا لتفكيك منظومة الاستبداد والطغيان التي كبلت طاقات المبدعين وآفاق المواطنين عموما في حياة أكثر تحررا وأكثر فاعلية لمجاراة السياق العالمي المتحرك، في هذا الواقع الجديد تُطرح أكثر من نقطة استفهام حول مدى تأثر المسرح بالثورة، وكيف تنعكس الثورة على المؤلفين والمبدعين؟، وهل سيخرج المسرح العربي، ومنه التونسي، من حالة الركود التي عاشها في العقود السابقة؟ ويشهد إبداعا مغايرا مستلهما روحه من الثورة؟ وهل الحرية والحراك السياسي سيعيدان للمسرح مكانته الرائدة التي شهدناها في ستينيات القرن الماضي؟ وهل ستنعكس ثورة الشباب على الفن المسرحي؟

ضمن هذه التغطية لفعاليات الدورة الخامسة عشرة لأيام قرطاج المسرحية قد نجد بعض الأجوبة لهاته الأسئلة.

المسرح ثائر بطبعه...

عندما أعلن الدكتور وحيد السعفي المدير التنفيذي للدورة الخامسة عشرة  لأيام قرطاج المسرحية (من 6 إلى 12 جانفي 2012) التي وضعت تحت شعار "المسرح يحتفي بالثورة"،
وأكد أن هذه الدورة ستتميز عن سابقاتها بكونها ستتوزع على عديد قاعات العرض داخل العاصمة وخارجها وخاصة بالجهات أي في الفضاءات الثقافية المتواجدة بعدة ولايات تونسية (رغم أن لا مركزية المهرجان اعتمدت سنة 1995 كما أن هذه الدورة اختارت خمس جهات فقط لاحتضان بعض العروض المسرحية في حين تم تغييب سيدي بوزيد والقيروان والقصرين وبعض الولايات الأخرى التي تملك مسارح عريقة...).

السيد وحيد السعفي مدير المهرجان قال "إن المسرح ثائر بطبعه فلا تركبوا به الثورة باعتباره منظومة فكرية جمالية تتطور شيئا فشيئا... وهو الذي ثار على الدين وعلى السلطان وعلى القيود الاجتماعية..." فانتظر الجمهور المسرحي أن يقضي أيام الدورة مدججا بالأفكار الثورية والمشاهد المتمردة للمسرحيات التي تم اختيارها وتوزيعها بين العروض، غير أن الثورة مرت بجانب الركح وظلت متخفية وراء الستائر... لان التنظيم المهرجاناتي في تونس مازال رهينا لبنية تفكير محصنة بأسوار النظام السابق بما كرسه من إقصاء لهذا وولاء لذاك وإمعان في البهرج الخارجي والسطحي الذي لا يتجرأ على الغوص في الأعماق...

الدورة الأخيرة لأيام قرطاج المسرحية شارك فيها إلى جانب مصر وفلسطين والمغرب والجزائر وليبيا ولبنان والعراق والأردن إضافة إلى فرنسا وألمانيا واسبانيا وهولندا وبلجيكا،  دولة الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج العربي كانت حاضرة بقوة في المهرجان رغم حداثة المسرح الخليجي وبساطته نصا وإخراجا...

المسرح يقصي المسرحيين

ولم تخلو هذه الدورة من تعدد النقائص وانتقاد بعض المسرحيين لإدارة المهرجان وبالتحديد للجنة الانتقاء موجهين لها تهمة الإقصاء المتعمّد وغير المبرر، خاصة بعد رفض مجموعة من الأعمال المسرحية وقبول أعمال مسرحية تم عرض أغلبها في المهرجانات الصيفية، وربما من ابرز المسرحيين التونسيين الذين تم إقصاؤهم من فعاليات هذه الدورة الممثل جمال ساسي حيث رفضت مسرحيته "قمرة 14" عن نص لفاتن الخميري وقام بإخراجها هو مسرحيا، ومن الأعمال الأخرى التي تم رفضها في أيام قرطاج المسرحية "ليلة الغفلة" للمسرح الوطني كما رفضت لجنة الانتقاء مسرحية وحيد الكوكي "وقالت الصحراء".

الهيئة المشرفة على اختيار العروض انتقت قرابة 37 عملا مسرحيا محترفا توزعت على عديد الفضاءات منها المسرح البلدي والفن الرابع والمركز الثقافي الجامعي حسين بوزيان  ودار الثقافة ابن رشيق وقاعة الحمراء والتياترو، ولأول مرة يتم إدراج مسرحيات هاوية في البرمجة الرسمية لأيام قرطاج المسرحية فبالتنسيق مع الجامعة التونسية للمسرح تم اختيار 10 مسرحيات من مسرح الهواية، ورغبة منها في تشريك جميع الأطراف المهتمة بالشأن المسرحي، نوعت الهيئة في اختياراتها وتوجهت إلى جمهور الأطفال واختارت له 7 أعمال مسرحية.

شماعة التقنية

الافتتاح توزع بين فضاءين، الأول مفتوح وهو شارعي محمد الخامس والحبيب بورقيبة في قلب العاصمة من خلال فقرة فنون الشارع التي قدمت استعراضات لفرق الخيالة وموسيقى الجيش وفرق الكوميديا الارتجالية، وفضاء ثان بقبة المنزه حيث تم عرض مسرحية "ثورة صاحب الحمار" عن نص للكاتب عز الدين المدني وإخراج فاضل الجزيري والتي شاب عرضها عديد الهنات التقنية والفنية وخاصة الصوتية مما أربك المشاركين فيها وضاعف سخط الجمهور المتابع لها. في حين كان عرض الاختتام مع مسرحية "ترى ما رأيت" وهي من إخراج أنور الشعالي عن نص لكمال بوعجيلة.

ومن فقرات المهرجان، ندوة فكرية دولية تحمل عنوان "أي مستقبل للمسرح بعد الثورة.. جماليات وشهادات وآفاق" وموازاة لذلك، انتظم بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات ورشة "الكتابة المسرحية"، يؤطرها عز الدين قنون من تونس وغوستاف أكاكابو من بلجيكا.

ومن بين التظاهرات البارزة في المهرجان، تظاهرة جديدة بعنوان "احك لي" تنهل من فن القول في تراث مختلف الشعوب، وقد قدمت التظاهرة عروضا من تونس "ألوان الجنوب"، وخرافات بلقاسم بالحاج علي"، و"الفداوي"، ومن العراق "حكايات سعدي بحري"، ومن الكاميرون "حكايات ميلاني كلاريس تشاواك"، ومن بوركينا فاسو "كلمات حداد".

الدورة 15 لأيام قرطاج المسرحية:الثورة لم تعرف طريقها إلى الركح لولا بيان السوريين |

بشارات مسرح ما بعد الثورة

وربما من مجموع كل الأعمال المشاركة في هذه الدورة، ستعلق بذاكرة المشاهدين والمهتمين بالفن المسرحي أعمال قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة، حيث اجمع كل من شاهد مسرحية "الكراسي" لمسرح وسينماتيك القصبة الفلسطيني على عمقها وطرافتها، وهي إحدى روائع يونسكو التي أخرجها مسرحيا الفلسطيني جورج إبراهيم فهمي، وهي قصة زوجين طاعنين في السن جعلا من حياتهما مسرحا لشخوص وهمية في محاولة منهما للتغلب على الزمن وقتله قبل أن يفتك بهما الموت، وقد تميزت في هذا العمل الممثلة نسرين فاعور بتقمصها المتقن لشخصية مركبة هي شخصية العجوز.

كذلك مسرحية "ودار الفلك" للكويتي سليمان البسام، التي صورت بحس درامي عميق تدهور السلطة السياسية في دولة متخيلة باتت تخشى حتى فن المسرح، وقد جسدت هذه المسرحية قمع الحريات ومصادرة الرأي المخالف، واستعمل مخرج الجمل أسلوب ما يُعرف بالمسرح داخل المسرح من خلال إقحام مسرحية الليلة الثانية عشرة لشكسبير عن طريق الفيديو... محافظة على جدة هذه العمل وعمق طرحه الفكري والجمالي.

كما أن مسرحية "ترى ما رأيت" التي اختتمت فعاليات الدورة للمخرج التونسي أنور الشعافي، شدت الجمهور الذي شاهدها وهي عرض رقص مأخوذ عن نصوص للشاعر كمال بوعجيلة، سارت فيه النغمات والحركات على هدى إلقاء القصائد التي صورت الرحلة المضنية التي يقوم بها مثقف في البحر، ثم انقلاب مركبه ورحلة آلامه في احد المستشفيات.

الدورة الخامسة عشرة لمهرجان أيام قرطاج المسرحية قدمت العديد من العروض المسرحية غير أن جلها مر مرور الكرام أمام الجمهور الضئيل الذي تابعها، ورغم أن العديد من المسرحيات التي كانت ثائرة ومتمردة ومحرضة على الفعل الثوري إلا أنها سمات ظلت تدور في فلك المضامين والنصوص ولم تطل بعد الأشكال وطرق الأداء والإخراج وتوظيف التقنيات الحديثة وهو ما يجعلها أعمالا مبتورة، وتلك معضلة المسرح العربي عموما ومنه التونسي بشكل خاص.

حركة ثورية

وربما من الإشارات المضيئة في هذه الدورة، إلى جانب بعض المسرحيات التي ذكرناها، هو البيان الذي تمت تلاوته من قبل المسرحي السوري رمزي شقير بفضاء مسرح الحمراء بتونس العاصمة يوم 9 جانفي، وهو "بيان تجمع فناني ومبدعي سوريا من أجل الحرية" وقد حضر هذه "الحركة الثورية" عدد كبير من مثقفي ونشطاء المجتمع المدني وكل من المسرحيين التونسيين توفيق الجبالي وعز الدين قنون اللذان عبرا عن مطلق تضامنهما مع الشعب السوري في محنته ضد الاستبداد والقمع المسلط عليه من نظام بشار الأسد.

 


ناجي الخشناوي