الإعلان

 

فنون قسم عام هل سيُعدمون الحداثة؟
هل سيُعدمون الحداثة؟
الدكتور محمد الحدّاد   

 

يبدو أنّ ثمة قرارا بإعدام كلمة حداثة وسحبها نهائيا من المعجم المصطلحي المتداول، هذا ما بدأت أشعر به من خلال محاضرات في عواصم عربية مختلفة. لاحظت أن البعض أصبح ينتقي كلماته بدقّة كي يتفادى استعمال كلمة حداثة، والبعض الآخر يهيج ويموج لمجرّد ذكر الكلمة، وكأنها الكفر البواح.

والأخطر من ذلك أنّ البعض يسعى إلى إقناع نفسه وغيره بأنّ الثورات العربية قد أعادت الإسلام إلى الشعوب بعد عقود من الضلال الحداثي، ما يعني أن الحداثة جاهلية جديدة ينبغي القطع معها. وهذه صياغة "مابعد-ثورية" لمقولة قطبيّة (نسبة إلى سيد قطب) قديمة نعرف ما تسبّبت فيه من ويلات في المجتمعات العربية. وبقدرة قادر، أصبغت صفة الحداثة على الحكّام الذين عصفت بهم الثورات العربية رغم ما كان يحيط بهم من مئات الوعاظ ورجال الدين المتفننين في تبرير حكمهم بالمستندات الدينية، ورغم أن الثورات عليهم قد قامت باسم الديمقراطية التي هي جزء من مكتسبات الحداثة وتمثّل الوجه السياسي منها. فهذا التوجه خطير، ليس غيرة على كلمة حداثة، ولكن خشية أن يكون ذلك مقدّمة للتخلي عن روح الثورات العربية وجوهرها، وتحويل القضية السياسية إلى قضية دينية، واستبدال استبداد بآخر يختلف عنه في مستنداته ويعيد منه نفس ممارساته. فكلّ ما من شأنه أن يضيّق على الحريات البشريّة استبداد، مهما كانت أشكاله ومبرراته.

 

ولا ننكر مع ذلك أنّ للخطاب الحداثي انحرافاته مثل أنّ الخطاب المقابل له أيضا انحرافاته، مع أنّ انحرافات الحداثة كانت أقلّ سوءا، فلم نسمع في العالم العربي عن قيام مجموعات تستند إلى الحداثة بتفجير المباني ووضع القنابل في القطارات والطائرات واغتيال المخالفين في الرأي وترويع النساء والأقليات واستهداف المثقّفين والفنّانين. وقد عملنا منذ فترة طويلة على التمييز المنهجي الصارم بين ما دعوناه بالحداثة الاستئصالية والحداثة النقدية، ولم نقحم هذا التمييز من عدم بل طرحناه من موقع متابعة مباحث نقد الحداثة في الفكر المعاصر، وبصفة خاصة منذ سبعينات القرن الماضي. لكنّنا نلاحظ مع الأسف أنّ تفاعل الفكر العربي مع الفكر العالمي قد بدأ يتراجع في تلك الفترة تحديدا، ممّا جعل الكثيرين، حداثيين أو تراثيين، يواصلون إلى اليوم تصوّرات قديمة ومنفصلة عن تطوّرات المسألة التي يمكن أن نوجزها في العناصر التالية:

هل سيُعدمون الحداثة؟ |

أوّلا، لقد انتقلت الحداثة من الغرب لتصبح ظاهرة كونية، فالمشتركات الإنسانية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والمعرفة العلمية أصبحت راسخة في المناطق الأكثر تطوّرا في العالم مثل اليابان والهند وأمريكا الجنوبية وجنوب إفريقيا، وهذه ليست جزءا من الغرب ولا تابعا له. وقد بدأت نهضتها مع العرب أو بعدهم ونجحت فيما فشلنا فيه نحن بسبب هوس الهوية الذي يفقدنا الاتزان ويجعلنا نضحّي بالحاضر والمستقبل من أجل تمثّلات عاطفية وغير تاريخية حول الماضي.

ثانيا، إنّ النزعة الاستئصالية قد مارسها الغرب ضد تراثه الخاص قبل أن يمارسها ضدّ الثقافات الأخرى، ثم تراجع عنها مع الثقافات الأخرى قبل أن يراجعها مع تراثه الخاص، ما يعني أنّ أكبر ضحايا الاستئصال الحداثي كان الغرب نفسه، وأنّ عملية التدمير كانت متبادلة السلبيات والإيجابيات، فقط حطّم الغرب نقاء مجتمعاتنا لكننا استفدنا منه السيارة والكمبيوتر والأسبرين، وحطّمنا بدورنا نقاء مجتمعاته فلم تعد توجد اليوم مدينة غربية إلا وقد اكتسحها المهاجرون من مختلف الأصقاع وفرضوا فيها عاداتهم وتقاليدهم وأعادوا تقسيمها الجغرافي حسب الأصول العرقية للمهاجرين، ولذلك تتصاعد حركات أقصى اليمين في الغرب.

ثالثا، إنّ ربط الظاهرة الحداثية بالظاهرة الاستعمارية ربط متعسف، فالتاريخ قد شهد عدّة موجات استعمارية لم ترتبط بالحداثة، مثل السيطرة الرومانية على جنوب المتوسط أو الحروب الصليبية، كما وجدت تجارب حداثية نشأت من رحم مقاومة الاستعمار والهيمنة الإمبريالية، كما هو الشأن في اليابان وأمريكا الجنوبية، ومثل الحداثة السياسية في الهند والحداثة التكنولوجية في الصين.

رابعا، إنّ ربط الحداثة بمعاداة الدين يصحّ مع القليل من تجارب الحداثة ولا يصحّ مع أغلبها، فالحداثة في اليابان والهند وأمريكا الجنوبية وجنوب إفريقيا وأوروبا الشرقية قامت في تآلف مع الدين، وكذلك بعض التجارب الواعدة في العالم الإسلامي مثل تركيا وأندونيسيا وماليزيا. والغرب ذاته قد بدأ حداثته بالدين من خلال الكاهن لوثر والحركة البروتستانتية التي لم تكن نفيا للدين بل تجديدا له وتنقيحا مما لحقه من أباطيل وخرافات وتقليد أعمى لرؤسائه. ولذلك أعجب بها بعض النهضويين العرب الذين دعوا بدورهم إلى الإصلاح الديني ولم يعبؤوا بتهم التكفير التي لحقتهم من الشيوخ الجامدين. وثمّة خلط متعمّد لدى البعض من التقليديين العرب بين معاداة الدين والدفاع عن حرية المعتقد واحترام العقائد المختلفة، وهذا موقف منافق وغريب حتى من داخل الدين الإسلامي ذاته القائم على مبدأ الحرية واحترام الاختلاف.

هل سيُعدمون الحداثة؟ |

والخلاصة، إنّ الحداثة الاستئصالية قد انهارت فلسفيا منذ زمن طويل، وإنّ الحداثة النقدية تظلّ مشروعا ضروريا في العالم العربي لا تتحقّق تطلّعات مواطنيه بدونه، ومن لا يميّز بين الحداثتين فهو كمن لا يميّز بين التديّن والإرهاب باسم الدين، أي أنه يحكم على ظاهرة أصليّة من خلال انحرافات جزئية.