الإعلان

 

فنون قسم عام عودة المسرح إلى سببه وبدايته
عودة المسرح إلى سببه وبدايته
يوسف بزي   

ليلة الخميس 30 آب، في مسرح المدينة (الحمرا)، شهدت بيروت عرضين متتاليين لمسرحية «لكم تمنت نانسي لو أن كل ما حدث لم يكن سوى كذبة نيسان» التي كتبها كل من ربيع مروة وفادي توفيق، وهي أيضاً من اخراج مروة، الذي شارك في التمثيل مع لينا صانع وحاتم امام وزياد عنتر. وانعقدت على تقديم المسرحية في تلك الليلة أهمية ثقافية (وسياسية) تمثلت بالتراجع عن القرار الصادر عن مديرية الأمن العام اللبناني بمنع عرض «لكم تمنت نانسي..» اثر الموقف العلني الذي اتخذه وزير الثقافة طارق متري ومعه الصحافة اللبنانية. وعلى هذا اندفع الجمهور تلك الليلة الى صالة العرض «احتفاء» بغلبة الاتاحة على التحريم، وانحيازاً للقول الفني ضد كل تقييد بيروقراطي أو بوليسي، وتأييداً للمبدأ الذي اعلنه الوزير متري بأن «لا رقابة مسبقة». والحادثة هذه تتصل بمغزى العمل المسرحي نفسه، وبعصبه ومبتغاه. فهي اذ تقوم على سرد سير المتحاربين اللبنانيين واقترافاتهم، كما تقوم على البوح والتذكر والاعتراف واستحضار ذاكرة الحرب ويومياتها... فانها بذلك تنحاز ثقافياً الى رفض النسيان والتناسي ورفض التكتم، ومعاكسة «سياسة» محو الماضي، وسياسة تجهيل الفاعل والاغفال، في حين ان قرار الرقابة كان مستوحى من «ثقافة» معممة وفاعلة وسائدة، مضمونها عدم تسمية الأشياء بأسمائها وتجنب التدوين واعتام الذاكرة أو بترها، وقصر رواية الحرب على حكاية رسمية واحدة تقوم على الغفلة والمجهولية والتبرؤ منها وطمسها إن أمكن. ولذا فان اصطدام جهاز الرقابة بالمسرحية هو مجازاً وعياناً، اصطدام بين خيارين ثقافيين، تبنى على مقتضاهما تربية وسياسة ولغة. وبالابتعاد قليلاً عن هذه الحادثة ووقائعها الدالة، فان نص المسرحية بالذات يشكل راهناً تتويجاً إضافياً لوجهة نظر في الفن والأدب اللبنانيين.

عودة المسرح إلى سببه وبدايته | فمنذ مطلع التسعينات اندلع سجال عام في المسرح والرواية والشعر حول كيفية مقاربة الحرب وتناولها. اذ ان المخزون الثقيل في الثقافة اللبنانية للغة التعالي والأدب «النظيف» الشديد الأسلبة، والشغوف بالرمزية والمواربة، عدا عن الوله المرضي بالجماليات الشعرية، قد جعل من قول الحرب وسردها شبيهاً بوصف وردة في مقبرة جماعية ـــ اذا صح التعبير. وكان حظ المنحازين الى سرد مفارقة الوردة أشد سطوة من حظ مصوري فظاعة المقبرة الجماعية. وعليه، كان النتاج الفني والأدبي على الأغلب يتجنب الذاكرة وكوابيسها قدر الامكان، ويعتريه الخجل والتاتأة حين يستعيد «الوقائع» والماضي، فإما يطمئن الى العمومية والمجهولية او يتخذ ضمير المحايد والبريء والشاهد والضحية صوتاً له. وبالطبع مع الكثير من الادانة والشجب من غير استحضار التاريخ ومن دون استنطاقه، ومع تغييب كلي للاعتراف. وحتى حين كان يذهب بعض الأدب والمسرح الى استنطاق يوميات الحرب وتواريخها وحوادثها، كان لا يتخلى عن الشاعرية والتذويق ومراعاة مبدأ عدم تسمية الأشياء بأسمائها. وكان هذا يتماشى تماماً مع الثقافة السياسية التي هيمنت على جمهورية الطائف القائمة على «العفو» و«طي صفحة الحرب». كما كان هذا يتناسب تماماً مع «طبقة» ثقافية تسعى لتكريس فكرة انه يجب استئناف الحياة (والفن) «من حيث توقفت ذات يوم من نيسان 1975» فتكون الفترة الممتدة ما بين عام 1975 و1990 عبارة عن صفحة بيضاء، أو ذاكرة ساقطة لا اثر لها في مسار الثقافة والأفكار والفنون. وبالتالي كان يجب نبذ واستنكار كل عمل او نص يباشر في البوح وفي تنضيد أي اعتراف مباشر او تسجيل للوقائع. كانت الحرب، بالنسبة لهذه الثقافة، بورنوغرافيا وفضيحة، فكان يوصم شعر الحرب بالبذاءة والوقاحة كما كان نثرها يوصف بافتقاده للرفعة او الجمالية وانه ركيك ولا «لغة» له. وحتى عندما تم «الاعتراف» ـــ على مضض ــ بموجة أدب الحرب، لم يتحول هذا الاعتراف الى مكانة أو إلى «سلطة» وتيار ثقافي. وبهذا المعنى، فان حيثيات قرار الرقابة بالمنع وهي «التذكير بالحرب»، و«تسمية الأشياء بأسمائها»، هي حيثيات ثقافة مهيمنة وعامة، تجد ايضاً ترجمتها النقدية في وصف هكذا نصوص بـ «الوقاحة» والفجاجة والبشاعة و«المباشرة» والركاكة. هذه الأوصاف هي صائبة تماماً، لكن انقلاب القصد منها من «السلبية» الى محمول ايجابي كان هو مرتكز السجال الذي انطلق مع مطلع التسعينات، كما ذكرنا.

وفادي توفيق وربيع مروة انجزا نصاً، لا يمكن الاكتفاء بوصفه صادماً أو تبسيطه الى كونه اعترافياً أو أرشيفياً أو بوحياً، انما هو «مانيفستو» انتصاري للغة الحرب المتشظية ولذاكرتها المكبوتة. لقد عادت «الحرب» سؤالاً للثقافة اللبنانية، طالما ان سياسة النسيان لم تفلح سوى باستحضار اشباح الماضي وكوابيسه. وطالما ان الجرح ما زال منفتحاً في جسم الكيان اللبناني ووعيه، وفي هذه اللحظة بالذات، حيث اطياف العودة الى الاقتتال الاهلي ماثلة امامنا، يأتي عرض «كم تمنت نانسي..»كجرعة حارقة في حلق مشاهديها. وبهذا المعنى أزاحت المسرحية زاوية التصوير من جهة الوردة الى جهة المقبرة المفتوحة. وعلى المنصة، حيث حاتم إمام وربيع مروة وزياد عنتر ولينا صانع جالسين متراصين على مقاعد متلاصقة تحت اربع شاشات عرض، يتناوبون في سرد سِيَرهم كمواطنين لبنانيين شاركوا في كل مراحل الحرب ومعاركها وماتوا وقاموا الى الحياة مجدداً مرات عدة هي في عدد مراحل الحرب وتقلباتها ومحطاتها، ليستأنفوا قتالهم ومقتلهم وميتاتهم المتكررة، معترفين بكل ما اقترفوه بلغة مباشرة لا تورية فيها كأخبار من غير تحرير او تنميق.. على هذه المنصة المتخلية عن «المسرحة» تقريباً، حيث الشرط الدرامي موقوف على تقاطع بث الصور (ملصقات الشهداء وبورتريهات الشخصيات الأربع) مع ايقاع السرد ومضمونه. ينتهي «التمثيل» (بمعنى الأداء وبمعنى الانابة) ليحل محله «الحضور» الذاتي، ولهذا السبب بقي ابطال المسرحية على اسمائهم اي ان التشخيص جاء من دون «تمثيل». هذه المعالجة التي ارادها، ربيع مروة استكمالاً لمسلسل القطيعة مع المسرح، مع مسرحه بالذات، حيث ابتداء من «الاسانسور» الى «حبس الرمل» وصولاً الى «كم تمنت نانسي...» كان في كل عمل يستنفد اختباره من غير العودة اليه في عمله التالي. وبدا عمله «من يخاف التمثيل» استنفاداً حانقاً من «الفيديو آرت» و«فن التجهيز» عدا عن نفي فن التمثيل نفسه، كما انه مع «البحث عن موظف مفقود» كان خروجاً من المسرح وفق مقتضيات «فن مفهومي» سيستثمره هنا في «كم تمنت نانسي». كذلك كانت رغبته بالاطاحة بجماليات البرفومانس. والمحصلة هي النص العاري والصورة العارية. «وهم» المسرح انتهى هنا تقريباً، وانتفت الحاجة اليه، بقدر ما تحرر من شروطه الى حد الانحلال، كما لو ان نهايته تبدو شديدة الشبه ببداياته الحقيقية. واذ تجلس الشخصيات لتروي ما حدث من مرويات الذاكرة الدموية، وكأنها ايضا «تؤلف» الذاكرة في الوقت نفسه، مدعمة بتساوق صور ملصقات الشهداء الحقيقية مع المرويات الشفوية، ينتهي العرض على ما يتضمنه، الى ان يكون ليس سارداً للأحداث، بل هو «الحدث» عينه.

* المسرحية من انتاج الجمعية اللبنانية للفنون الشكيلية (اشكال الوان) ومهرجان طوكيو للفنون ومهرجان الخريف-باريس. السينوغرافيا وتصميم الملصقات لسمر معكرون. وتحريك الصور لغسان حلواني. وقد تمت الاستعانة بملصقات جمعتها زينة معاصري في سياق بحث عن تاريخ الملصقات الحزبية في لبنان.

يوسف بزي