الإعلان

 

ملفات قسم عام اللي معاه قرش محيره..
اللي معاه قرش محيره..
إستيكو باتيستوني   

 

منذ شهر حزيران/يونيو الماضي و قضية  خالد سعيد، والتي كتبت عنها في وقت سابق على هذا الموقع نفسه، أصبحت اختباراً رمزياً لمنظورات الديمقراطية في مصر، تم قتل الضحية أمام مقهى الإنترنت الذي كان متواجدًا فيه، ربما لأنه كان في حوزته دليل ملموس يتهم الشرطة بالفساد في التعامل مع تجار المخدرات.

وفقاً للتصريحات المبكرة من الشرطة والحكومة، فإن الشاب كان مدمناً للمخدرات، وأنه توفي بسبب الاختناق لأنه ابتلع لفافة من الحشيش قبل أن يتمكن رجال الشرطة من الإمساك بها. رغم ذلك، فقد أعلن الشهود في المحاكمة أنهم رأوا رجُلَيْ الشرطة يدفعان اللفافة في حلقه ويضربانه حتى الموت. وذكرت مصادر إعلامية عدة  أن محامي رجلي الشرطة أحضروا إلى المحكمة نتائج تحليل بوْل يبدو أنه يخص خالد سعيد ويحتوي على آثار المخدرات، لكن الطبيب المسؤول عن فحوص الطب الشرعي في الوحدة الطبية المحلية أعلن أنه لم يأمر بإجراء اختبار من هذا القبيل أبداً.اللي معاه قرش محيره.. |

يوم المحاكمة أحيطت المحكمة – أو من الأفضل أن نقول: تمت حمايتها – بعشرات من قوات الأمن، وعلى سلالم المبنى كانت عائلات الشرطيين المتهمين، عوض سليمان ومحمود صلاح، وأصدقاؤهما يتظاهرون ضد المحاكمة، في حين اضطر نشطاء حقوق الإنسان والمتظاهرون الشباب لإقامة اعتصامهم بعيداً عن حي المحكمة، وذلك بعد تحذير واضح باعتقالهم في حالة إذا ما تجمعوا بشكل جماهيري أمام المحكمة.

المتظاهرون لصالح رجال الشرطة كانوا يحملون لافتات تقول: "السجن لخالد سعيد"! (للأسف فإن خالد قد مات!)، أو "أفراد الشرطة هم أبناء مصر وشعبها"، "يا ربنا يا معبود انصرنا على اليهود". وبياناً، فإن كلمة "اليهود" مرتبطة بكل ما هو سيء للبلد، رغم عدم وجود أي دخل لليهود بالأمر..

لا أريد أن أعلق على اللافتات، التي تدل على قدر كبير من التحيز والتحامل. ما أبهرني أكثر، عندما رأيت نشر قوات الأمن في ذاك الحي الذي كنت أسير فيه صباح ذلك اليوم، هو أن تلك القوات لم تكن هناك لحماية المواطنين وساحة القضاء، بل كانوا هناك لحراسة أولئك الذين يتظاهرون بجانب رجال الشرطة المتهمين، ولمنع مظاهرات الاعتراض الشعبي البديلة. في حين أن الناشطين الذين تجمعوا في الحي، حيث وقع مقتل خالد سعيد، كانوا يبكون قائلين: "إنه لأكبر من مجرد معاقبة شاب"، أو أنه متعلق بـ "مواجهة الأمة لنظام مستبد"، أو ثانيةً: "لقد اشترى الفساد البلاد ومواطنيها"...

ذلك اليوم رأيت صورة لويلات قانون الطوارئ المفروض منذ عام 1981 داهساً الحرية والحقوق الأساسية وضارباً بها عرض الحائط، رغم حقيقة أنها مكفولة بالدستور المصري؛ من خلال الحرية الشخصية، وحرية الحركة، والحق في التجمعات السلمية.

في واقع الأمر، يمنح قانون الطوارئ الدولة العديد من السلطات للتعدي على الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية، بما في ذلك سلطة تفتيش المشتبه بهم واعتقالهم واحتجازهم، أو وقف تداول المنشورات وغيرها من وسائل التعبير عن الرأي، أو أن تقحم الجيش في تشكيل المحاكم (العسكرية للمدنيين)، مما يقوض استقلال القضاء وحصانة القضاة.

 

 

محاكمة و انتخابات، صدفة مخطط لها

 

قصة خالد سعيد تذكرني أيضاً بصورة مسلية أراني إياها صديق لي قبل بضعة أسابيع في القاهرة تشرح ما تفعله السلطة في البلد، والطريقة التي يتم بها شراء البضائع والأشخاص. كانت الصورة لملصق مصمم بإتقان تام لرأس نجل الرئيس مبارك ينظر قُدماً بفخر وتعبير عن الرضا بالنفس، على اليمين في مقابل صورة رمزية لوالده، ويحمل في أسفله التعليق التالي باللغة العربية: "أن تعطي ابنك (موبايل) فأنت لطيف .. أن تعطي ابنك سيارة فأنت كريم .. أما أن تعطي ابنك بلداً وشعباً يلعب بهم هو وأصحابه فأنت مبارك"!

وهذا بالطبع ليس نوع اللافتات أو رسومات الجدران التي ستراها في شوارع القاهرة أو الإسكندرية. إذا سافرت إلى مصر الآن، سوف تميز شوارعها المزينة بالآلاف من الإعلانات التي تعرض نجل الرئيس مبارك. الانتخابات البرلمانية مقررة يوم 28 نوفمبر 2010، و"العائلة الحاكمة" ترائي وتستعد لتمهيد الطريق لانتخابات الرئاسة في العام القادم (11 سبتمبر 2011)، حيث سينطلق "مبارك الصغير" من دون منافسين، حيث يحظر القانون مختلف المرشحين من السباق ما لم يوافق عليهم الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم. وبعبارة أخرى: فإن النظام يختار خصومه لإضفاء الشرعية على نفسه، دون أن يضع تفوقه في خطر.

دعونا ننظر بقرب أكثر إلى التواريخ: الانتخابات منعقدة يوم 28 نوفمبر، و27 نوفمبر موعد الجلسة الثالثة لمحكمة الإسكندرية في قضية خالد سعيد. صدفة؟ "لا أعتقد أن هناك أي صدفة أن القضية سوف تستأنف قبل الانتخابات مباشرة"، وهو ما أعلنه مؤخراً يوسف غنام، صديق خالد سعيد المطالب بالعدالة، لموقع bikyamasr.com.

المثل المصري يقول: "اللي معاه قرش محيره .. يجيب حمام ويطيره"، وهذا يعني أنه عندما يكون لديك الكثير جداً فإنك تفقد الحس السليم ولا تعرف ماذا تفعل به، خصوصاً عندما تحصل على بلد وشعبه مجاناً. المشاركون في الاعتصام من أجل خالد سعيد استنكروا حقيقة أن ما يقتل روح الشعب ليس فقط غياب الحرية والعدالة، ولكن أيضاً "السرعة المجنونة في زيادة الأسعار والتضخم" (وفقا للجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء، فقد شهد أيلول/سبتمبر الماضي زيادة كبيرة في أسعار المواد الغذائية؛ أسعار الخضروات ارتفعت بنسبة 51٪، واللحوم والدواجن بنسبة 28.6٪، والحليب والجبن والبيض بنسبة 10.1٪، في بلد يستهلك الإنفاق على الطعام والشراب فيه الجزء الأكبر من دخل الأسرة المصرية من الطبقة العاملة)، و"البطالة" (11.7٪ في المناطق الحضرية في الشهر نفسه)، و"تدهور الصحة العامة والتعليم، والخدمات العامة بشكل عام". واللي معاه قرش محيره...

اسمحوا لي أن أعرض بضعة أمثلة عادية. ما يفتنني دائماً عند السفر إلى مصر هو الطريقة التي تم الحفاظ بها بعناية على الممرات الخضراء وسط السبل المرئية بوضوح، على الطرق المؤدية إلى المطارات على سبيل المثال، في حين أن سكان المناطق الحضرية المتسارعة في التلوث والرمادية لا يصلون إلى المرافق المناسبة أو الحدائق الخضراء. أو العدد المهول من السيارات الخاصة (الملاكي) الكبيرة التي يتم ترخيصها، مثل "لاند روفر" أو "بي إم دبليو"، بينما الحافلات العامة قديمة وبطيئة وفاسدة وتسمم الهواء بمحركاتها القديمة. هذه هي الطريقة التي بها – على ما يبدو أنه – قد تم خطف هذا البلد من قبل البعض من أجل منفعة قلة قليلة، ولأجل متعة الزائر البريء.

لكن حكم مبارك يفتن آخرين. فحينما أسمع أن الطبقة السياسية في بلدي، إيطاليا، يظهرون علناً صداقتهم وإعجابهم بقادة مثل مبارك والقذافي، فإني أشعر بالخوف. هذا مؤشر على القيم التي تلهم التوجه السياسي الحالي. وفي الواقع فإن النتيجة يمكن قياسها، خذ مثلاً إصدار 2010 من التقرير السنوي للمنظمة الدولية “Transparency International” للشفافية حول الفساد، والذي يقيّم سجل دول العالم في الشرعية وسيادة القانون والحكم الرشيد، وفيه هبطت إيطاليا مقارنة بمؤشر 2009، حيث حصلت على المركز 67 (أحرزت 3.9 نقطة في تدريج من صفر إلى 10)، مقتربة من مركز مصر 98 (3.1 نقطة) وليبيا (2.2 نقطة).

 

وللأسف، صحيح أن "اللي معاه قرش محيره..."

 

ترجمة اسماعيل الإسكندراني