الإعلان

 

ملفات قسم عام ما هو دور الحركة النقابية في الربيع العربي؟
ما هو دور الحركة النقابية في الربيع العربي؟
رضا التليلي   

 

1- المشهد النقابي العربي:

الحديث عن علاقات الحركة النقابية بالربيع العربي يستوجب وصفا مسبقا للوضع النقابي في العالم العربي، إذ لم يعرف العالم العربي أو ما اصطلح على تسميته بهذا الاسم تاريخا نقابيا متماثلا. ويمكن الجزم بأن الحركة النقابية لم توجد بعد في بعض الاقطار العربية . و يفسر هذا التباين بتاريخ الرأسمالية في المنطقة ومدى التصنيع وتاثير الاستثمار وبطبيعة الانظمة السياسية القائمة في المنطقة. ويمكن بصفة تجريبية تصنيف كافة الاقطار العربية تصنيفا كافة الاقطار العربية تصنيفا بسيطا وعمليا على النحو التالي:

-         البلدان حيث العمل النقابي مازال منعدما او في طور جنيني ّ على غرار دول الخليج ويجدر التذكير بأن غالبية العمال في هذه البلدان هم من الأجانب الذين لا يتمتعون بعد بممارسة العمل النقابي.

-         البلدان التي توجد بها نقابات ذات تبعية تامة للأحزاب السياسية الحاكمة على المنوال المعروف خلال الثلاثنيات من القرن الماضي بالاتحاد السوفياتي. وهو ما يجعلها في هذه الحالة أقرب إلى لجان رقابة في خدمة الادارات والمؤسسات و العمال، ومن هذه البلدان سوريا والعراق واليمن وليبيا.

-         البلدان التي تعيش فيها النقابات رغم الرقابة المسلطة عليها في مواجهة مستمرة مع السلطة ومتوخية في ذلك أحيانا طرق التواطؤ والرضوخ والولاء ونجد في هذا الصنف بلدانا مثل تونس والمغرب والجزائر ومصر.

ما هو دور الحركة النقابية في الربيع العربي؟ |

2-ظهور الحركة النقابية المعادية للاستعمار:

تقترن صورة الحركة النقابية في المخيال السياسي لدى الشعوب العربية وبالخصوص البلدان المصنفة في المجموعة الثالثة المذكورة آنفا(مصر – تونس-الجزائر- المغرب)

بأنها الفضاء الذي شهد الكفاح الحقيقي من اجل الكرامة والمساواة والحرية. وقد ترسّخت هذه الصورة جراء تبوء هذه الحركات النقابية صدارة حركة المقاومة ضدّ الاستعمار، بل في بعض الحالات زعامة الحركة الوطنية وقيادة المسيرة نحو الاستقلال.

فلقد عرفت هذه الحركة أثناء فترة المقاومة من أجل الاستقلال الوطني كيف تعبئ الفئات الشعبية وتحكم بناء الطلبات ذات الصبغة المعادية للاستعمار وللامبرالية في نفس الوقت.

ونتج عن هذه المواجهة لقوى القمع الاستعماري بروز ثقافة الكفاح في صفوف حركات نقابية متعددة . وبذلك فان للاستعمار الضلع الأكبر في أن تصطبغ هذه الثقافة بصبغة المواجهة لقوى الاستعمار عند مقارنتها بالتيارات الكبرى التي عرفتها الحركات النقابية الأوروبية. وهو ما مكّن بعض المنظمات النقابية من أن تتحول الى حركات شعبية وإلى تيارات سياسية معارضة للسلطة المركزية وخير مثال على هذه الصبغة النقابية: الاتحاد العام التونسي للشغل  واتحاد العمال المغاربة.

ما هو دور الحركة النقابية في الربيع العربي؟ |

3-الحركة النقابية عند يقظة "الربيع العربي":

وكما أسلفنا فإن دراسة الحركة النقابية في علاقتها بالربيع العربي تقتصر في واقع الأمر على البلدان التي شهدت تحولا سياسيا واجتماعيا أفضى إمّا إلى سقوط النظام الاستبدادي (مصر وتونس) أو إلى تغييرات عميقة في نظام الدولة (المغرب).

وفي كلتا الحالتين تجدر الملاحظة أنّ هذه التحولات الكبرى عرفتها البلدان التي تحتل فيها النقابات مواقع بارزة في العمل السياسي وحيث النشاط النقابي مترسّخ في الجدل السياسي. واستبعد النموذج الليبي لسببين : انعدام الحركة النقابية الفاعلة بها والدور الأساسي الذي كان للحلف الأطلسي في سقوط القذافي. أما الجزائر فإنّ الاتحاد العام للعمال الجزائريين حتى وإن عرف بتبعيته للسلطة ظل رغم بعث نقابات حرة متعددة مؤثرا وسيكون له دورهامّ في قيادة الانتخابات التشريعية القادمة في ماي 2012.

 

4-الحركة النقابية التونسية ركيزة 'الثورة':

ليس من باب الصدفة أن تظهر سياقات التغيير والقطيعة في البلدان العربية ذات الحركة النقابية المنظمة والفاعلة.

فتونس صاحبة السبق في انبثاق 'الربيع العربي' شهدت ظهور اتصالية الحركة النقابية منذ العشرينيات من القرن الماضي وقد عرف النضال النقابي فيها تطورا كبيرا بالنسبة إلى بقية البلدان العربية مما أكسب النقابيين خبرة أكثر من سبعين سنة تمّ خلالها قيادة وتأطير المعارك كثيرة من أجل الكرامة والعدالة الاجتماعية وتؤكد هذه الفرضية مؤشرات كثيرة وأحداث تاريخية (إيقاف مئات من النقابيين وتسليط أحكام عليهم، هجمات مدبّرة تستهدف مقرات النقابات، تحجير استعمال الوسائل الاتصالية على المناضلين...)

وتجدر الملاحظة أيضا أنه بالنسبة إلى تونس بدأ الاتحاد العام التونسي للشغل المواجهة المباشرة ضد نظام بن علي منذ سنة 2008. اندلعت الأحداث بالدعوة الى الاضراب من منطقة قفصة، وهي منطقة المناجم، مما انجرّ عن ذلك ظهور حركة تضامنية لا نظير لها على الصعيدين الوطني والدولي. وتواصلت الحركة طيلة ستة أشهر ممثلة الانتصار الأول على الدكتاتورية، ومتحدية مشاعر الخوف التي ظلت السلاح الأساسي بين أسلحة القمع. وقد احتل الأهالي مقرّ الحزب الحاكم رمز الفساد وشملت التظاهرات الاحتجاجية سائر مناطق الجهة طيلة أربعين يوما بصفة متواصلة. وعبرت المدن المجاورة بالجنوب التونسي عن تضامنها مع حركة الاحتجاج عبر تجمعات يومية نظمت قبالة مباني الولايات ومقرات العدالة .... وتمّ القضاء على الحركة الاحتجاجية – ظاهريا بقمع شديد وايقافات كثيرة- إلاّ أنّ المحتجين تمكّنوا من إرساء شبكة مقاومة عبر النقابات المحلية والجهوية في كل جهات البلاد. وهو ما وفر منذ ذلك التاريخ أداة " لوجستيكية"  ثورية استعملت لدى مسيرتهم في اتجاه القصبة (مقر الحكومة) في 14 جانفي 2011.

ما هو دور الحركة النقابية في الربيع العربي؟ |

5-الحركة النقابية المصرية في ميدان التحرير:

تكرست تبعية الحركة النقابية في مصر للنظام منذ سنة1957 وظل تنظيم الجامعة المصرية للنقابات (ETVF) التنظيم الرسمي الوحيد حتى 2009 الممثل لمصالح العمّال. وبداية من تلك السنة، وإثر حركة احتجاجية عمالية، أنشئ أول تنظيم نقابي مستقل "ريتا" (RETA)، فكان بداية لمسيرة طويلة للحركة النقابية المصرية المستقلة من أجل العدالة الاجتماعية ومقاومة الفساد. ومثلت هذه الحركة قفزة حقيقية ساعدت على ظهور شعارات ضد مبارك وانتشار الحركة الاجتماعية في كامل مصر. وعرفت سنة 2005 تحركات للعمال المصريين تعدّ بالآلاف سنويا: من تجند فرق الدفاع عن الاضرابات الى الوقفات الجماعية بمقرات العمل، وقد سبّب اندلاع اضراب المحلة سنة 2008 الذي جمع 24000 عامل وعاملة من قطاع النسيج انقشاع شعور الخوف الذي كان يشل كل فئات الشعب المصري والفقيرة منها على وجه الخصوص . وقد كان لهذا الاضراب الكثيف تاثير شبيه باضراب جهة قفصة بالبلاد التونسية والتي اندلعت في نفس السنة.

إنّ هذه الأحداث تثبت بوضوح أنّ الحركة النقابية المصرية كان لها حضور قوي في السياق الثوري ويؤكد كمال أبو عيطة النقابي المستقل المعروف والذي أوقف مرات عديدة من أجل نضاله النقابي أن تنظيمات النقابات المستقلة جميعها كانت ناشطة بميدان التحرير منذ انطلاق التجمعات الاولى.

ما هو دور الحركة النقابية في الربيع العربي؟ |

6-عودة الحركة النقابية المغربية الى الظهور:

بعد سنوات من الابتعاد عن المشهد السياسي والاجتماعي، احتلت الحركة النقابية المغربية ذات المنازع المتعددة والتي عرفت تقاليد عريقة من التعاون مع الاحزاب السياسية مواقع نضالية منذ اندلاع الحركة الاجتماعية بالبلاد التونسية متبنية تبنيا كاملا طلبات العاملين في القطاع العمومي في البداية، ثم العاملين في القطاع الخاص. فقد أحكمت التنظيمات النقابية كلها: الاتحاد المغربي للشغل والاتحاد العام لعمّال المغرب والجامعة الديمقراطية للشغل          (UMT, UGTM, CDT…  )تعبئة وتأطير التحرك الاجتماعي . فقد شهدت النقابات منذ 2009 طفو وعي جديد اثر خيبة أمل في العمل النقابي مما أكسب النشاط النقابي نجاعة جديدة في التصدي لقضايا العمل و الدفاع عن مصالح العمال.

وكانت أولى الشعارات التي تبنتها النقابات تهم العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل لخيرات البلاد مع ضمان مزيد من المساواة والتكافل. شاركت النقابات في كل التظاهرات ومن بينها القريبة من حركة 20 فيفري. وتخلص الموظفون والعمال شيئا فشيئا بمشاركتهم في العمل النقابي مما يطلق عليه بالمغرب خيبة الامل في العمل النقابي. وبذلك فتحت صفحة جديدة من النشاط الثقافي لمقاومة الشعور بالنفي وبالمشاركة مع الحركات الديمقراطية في دعم الحريات الاساسية، وإصلاح هياكل الدولة وتنظيم انتخابات نزيهة والتنمية المستدامة في الجهات الاكثر فقرا.

وتتفق الشعارات التي نادت بها النقابات المغربية اجمالا مع شعارات القصبة بتونس وميدان التحرير بمصر مساواة- كرامة- حرية.

ومن الخاصيات الهامة الأخرى للحركة النقابية المغربية في هذه المسيرة الكبرى نحو الديمقراطية، دعوة كافة قادتها إلى توحيد طرق العمل النقابي توحيدا دائما واستراتيجيا للضغط على الهيئات الماسكة بسلطة القرار بخصوص ظروف العيش بالنسبة للطبقات العاملة والفئات الاكثر خصاصة في المجتمع، وللمطالبة بإدراج سائر الحقوق النقابية المتعلقة بكل القطاعات وفي كل المؤسسات ضمن الدستور الجديد. وهكذا التحقت النقابات المغربية دون ثورة بـ"الربيع العربي" بتعبئة المغاربة تعبئة غير مسبوقة.

7- ما سيبقى في التاريخ:

دون الخوض في تفسيرات تاريخية وسياسية مضنية، بالإمكان الوثوق بالفرضية التي تثبت أننا في البلدان التي كانت فيها الحركة النقابية حاضرة وناجعة وذات مطلبية مرتفعة  وحضور فاعل في الحركة الديمقراطية، شهدنا سقوط الدكتاتورية والتشهير بالفساد الذي استشرى في أوساط الاستعمار الجديد الداخلي. وعلى النقيض من ذلك فإن الحركة النقابية في البلدان التي ظل فيها النشاط النقابي غائبا او مكتوف الأيدي (سوريا- اليمن- البحرين ليبيا) تم تطويقها الى درجة قريبة من الخنق الكامل باستعمال العشائرية او بالتدخل العسكري.

 

وتفرض هذه الحالة السياسية الجديدة في البلدان العربية مقاربة جديدة لموضوع الحركة النقابية مما يقتضي مساءلة عميقة حول الأدوار الجديدة للحركة العمالية العربية:

-         كيفية توسيع العمل النقابي ليشمل كافة مكونات الحراك الاجتماعي؟

-         هل من استراتيجيات لمواجهة التعددية النقابية؟

-         كيفية هيكلة العمل النقابي ولا مركزيته؟

-         ماهي ميادين التدخل الجديدة؟

-         دور الحركة النقابية في إعداد الدستور الجديد؟