الإعلان

 

ملفات رحلة إلى غزة رحلة إلى أبواب غزة
رحلة إلى أبواب غزة
يوسف بزي   
رحلة إلى أبواب غزة | لا شيء سوى الطريق المستقيم في هذا المسطّح الشاسع الكابوسي والليلي. مسطّح الصحراء الذي يظهر في العتم، المقبب بأنصع السماوات المتفجرة بالنجوم، بلا تضاريس ولا أشكال ولا التواءات ولا علامات. سطح واحد تجتازه "المرسيدس" الصفراء التي تقلنا، التاجر الفلسطيني الذي وضع على سطح السيارة بضاعته من الكهربائيات الصينية، والشاب المصري ابن مزرعة في رفح مع أخته الخرساء التي ضاعف خرسها النقاب، وأمه المبرقعة على الطريقة البدوية، وذلك النائم الذي لم أعرف عنه سوى ملمحه الفلاحي الخشن والتعب.. وانا المرتبك بحقيبة الكتف وقنينة الماء وبرهابي المستمر من ضياع جواز السفر وأوراق التصاريح الرسمية والجرائد المصرية المجعلكة وعرق يدي الذي يدبق كل ما ألمسه، أنا المتعب بعد مساء من صخب مقهى "الحرية" القاهرية الطافح بسجالات عقلانية النظام المصري البوليسي الطابع مقابل "إنهبال" المعارضة المنتشية بحماس وحزب الله وقناة الجزيرة.. مقهى عابق بروائح البيرة ولغة اليسار الكسيحة والعتق الخشبي والحمامات السائبة على حالها، أنا المتعب من زحمة المترو الذي سيوصلني منتصف الليل الى المحطة الأخيرة لأسير منها في أرض متربة تغطيها النفايات والخردة والحفر والرمال وغبار الورشة العملاقة لجسر لا أعرف أين يبدأ ولا تظهر لي نهايته.. ساعياً الى موقف الباصات والسيارات المتجهة عبر الاسماعيلية الى السويس فشمال سيناء مروراً بالعريش فرفح.

وحدنا، كآخر سيارة على الأرض، نلتهم الطريق بسرعة فائقة (130 ـ135 كلم في الساعة) ونسير في هذا المنبسط المغمور بالنجوم ولا شيء سوى الأصوات المفاجئة للبنت البكماء. أصوات مجروحة يقشعر لها البدن في هذا المشوار الصحراوي الموحش الذي ستزداد وحشته مع الكاسيت الملعون الذي يضعه السائق ويكرره علينا كالكابوس، ما أن ينتهي حتى يعيده من البداية. خُطب شيخ من شيوخ "تنظيم القاعدة" لا يهدأ صوته الراعد الغاضب على الصليبيين واليهود و"الأميركان" و"الرافضة" و"المنافقين"..
أغفو لدقائق كمن حلّ به مرض، وأصحو ناقزاً على وعيد وتهديد يطلقهما كاسيت الشيخ إذ يختلطان في ذهني بحلم أرى فيه رجلاً يقبض على رقبتي محاولاً فصل رأسي عن بدني، فإذا بالسائق ينتبه لنقزتي فيلتفت إليّ بنظرة هازئة متشفية: "إيه يا دكتور حصلك حاجة؟ شوية ونوصل للاستراحة".
يفتح نافذته ويبصق بلغماً. هكذا كان يفعل طوال الطريق بتواتر منتظم، كمن يترك خلفه آثاراً متتالية كي لا يضيع.

في الفراغ الذي أخاله يسع بلداناً عدة تنبثق "الاستراحة" الموعودة، بعد أربع ساعات من المسير، حيث تفوح الى الأبد روائح اللحم والكباب والكفتة والكبدة المشوية، وحيث فجأة انتبه ان سيارات أخرى وركاباً آخرين ـ لا أعرف من أين أتوا ـ موجودون فيها مع أكواب الشاي والمشروبات الغازية وأكوام البسكويت وأكياس البطاطا المقلية وصحون يخنة الفاصوليا وشاشة التلفزيون التي تعرض قناة للغناء العربي المذيّلة بفيض الرسائل الخلوية عن الحب والفرفشة والمقاومة.
فيديو كليب لفتيات يرقصن على هذه الشاشة المرمية في استراحة الصحراء التي تتصدر سرادقها صورة صاحبها. حاج مصري على هيئة "المعلم" التي نعرفها من الأفلام المصرية ورواياتها، رافعاً يديه كمن يشكر ربه على النعمة والرزق والامتياز الذي حصل عليه: استراحة وحيدة على امتداد 300 كيلومتر.
انها الرابعة والنصف فجراً. رجل يقف في اللامكان، في تلك الساعة يلمع وجهه بجمرة السيجارة ويرمقنا اذ نجتازه بلمح البصر. رجل في الخلاء وحده، ولا استطيع ان أتخيل من أين أتى سيراً على الأقدام والى أين سيذهب سيراً على الأقدام. مشهده هذا يغذي مجدداً الكابوسية التي استبدت بي.
تعاود البكماء أنينها المفاجئ الذي ينقطع بغتة اذ يلكزها أخوها بكوعه بعنف، فتبرطم الأم ثم يعود الصمت مجدداً.

الخامسة فجراً، وصلنا بوابة معبر رفح المصرية الضخمة المشيدة على طراز معبد الكرنك، بتقشف باطوني متكبر، ولم يكن قد تبقى من الركاب سوى التاجر الفلسطيني وأنا. تغادرنا السيارة ونبقى وحدنا في العراء الصقيعي الذي يؤلم العظام.. ولا أحد. ابن غزة تصرف وكأن هذا الموقف هو من عاديات حياة كل البشر ويومياتهم.
أن تكون ميتاً من البرد، مغلّفاً بالعتمة الموحشة، مرمياً في الخلاء الصحراوي أمام بوابة صماء لدولة غريبة ما زالت شرطتها نائمة خلف بوابات الحديد الثخينة والثقيلة، ولا مأوى لك سوى هذه الخربة القريبة المدهون عليها باللون البرتقالي "كافيتريا العبور" المقفلة والتي تحيطها ايضاَ النفايات والأتربة. ولا خيار لك سوى الانتظار مقرفصاً لائذاً بهذا الجدار. ولا شيء سوى السيجارة الملتمعة في هذا السواد وسعال "رفيق دربي".
من قلب العتمة يظهر رجل ملثّم: "السلام عليكم". أتى من خلف الكافيتريا من دون أن ننتبه إليه إلا وهو يصافحنا، ثم يظهر رفيق له، يقترب ويقول بصوت ودود ورائق: "صباح الخير". "أنتم من غزة؟" أسألهم فيقول الملثم "لا نحن الأمن.. تفضلوا" ليدلنا على حفرة في التراب ما زال فيها جمر قليل. نضع أحجاراً ونجلس حولها فيما هو يجلب أغصاناً يابسة هزيلة.

نتكوم متلاصقين تقريباً حول الموقد المرتجل.. يبتسم رجل الأمن، ويقول "حلوة النار". يسحب كيساًُ بلاستيكياً مليئاً بخبز "العيش" والجبن ويبدأون ثلاثتهم بالفطور المرتجل. وبعد دقائق يبدأ صاحب الصوت الودود بالغناء لوديع الصافي ناظراً إليّ: "إزاي هيفا وأليسا. إزاي لبنان الحلوة، إنت يا جميل.. يا أحلى ناس".
أفهم منهم أنهم شرطة يقومون بواجبهم بلباس مدني. ليس لهم نقاط ثابتة ولا مراكز يخفرون فيها. أشبه بدوريات سرية ترميهم الأوامر في أي مكان من هذه الصحراء. سحب أحدهم من كيس بلاستيكي ما يشبه غطاء السرير وأصر أن يدثرني به: "يا استاذ انت ضيفنا ونحن مقصرين" كانوا يتناقشون في قلة الراتب ويتبادلون النكات المصرية الرائعة، ويحكون همومهم في العمل وأحوال قراهم وأسرهم ويتذكرون مقاطع كاملة من أفلام اسماعيل ياسين وعادل امام وعبد المنعم مدبولي. ضحك أنساني كوابيس مشوار سيناء وكاسيته.

أروع وألطف رجال شرطة سرية صادفتهم في حياتي. ودّ فائق ما كنت في حياتي أتخيله في شرطي عربي. شعرت أني مدين لهم ولكومة جمرهم بانقاذ حياتي ما بين الساعة الخامسة فجراً والثامنة صباحاً وسط القفر الجليدي الصحراوي.
غزة على مرمى حجر، اراها مع أول ضوء. وما أن أراها حتى أشاهد الغربان. غربان حقيقية كثيرة تستيقظ من أشجار الكينا المزروعة داخل منشآت المعبر، خلف البوابة الموصدة. الطيور السوداء المهيبة تحلق بأعداد وافرة حول الأسلاك الكهربائية وأعمدتها العالية.
غزة والغربان والبوابة: شيء من السوداوية يحّل على طلوع الشمس. يختفي افراد الدورية كما أتوا. أقضي ساعة من الصمت والكآبة. انها الثامنة يظهر شرطي بلباسه الرسمي داخل منشأة المعبر. يقول: لن نفتح المعبر حتى الساعة العاشرة. يصل رجل الكافيتريا ويفتحها. أول ما يفعله يشغل التلفزيون على قناة لم أرها من قبل. قناة تتغنى بـ"بطولات" أبو مصعب الزرقاوي وتناشد بشار الأسد ان يحرر العراق، وصوت رجل يقول بلهجة عراقية: يعيش البعث، يعيش البعث، وفيديو كليبات تصور المجازر والسيارات المفخخة والاشلاء وعويل الأمهات وبكاء الأطفال والجثث وعمليات التفجير ضد القوات الأميركية.. أقرر أني لن اشتري شيئاً من هذه الكافتيريا الجهنمية، التي يمتلكها رجل يبدأ صباحه مع قناة الموت هذه.

تتكاثر الغربان، تصل شاحنة محملة بالجنود. تصل سيارة مع ثلاثة شبان وحقائب كثيرة. تنبثق امرأتان بدويتان من العدم وتقرفصان على الأرض وتفلشان أكياساً صغيرة من اللوز وقناني الحليب. تصل ثلاث سيارات محملة برتباء وضباط شرطة، يليها باص ممتلىء بموظفين مدنيين يعملون في المعبر. ما بين التاسعة والعاشرة انتبه الى اننا بتنا حشداً كبيراً من المسافرين المنتظرين: أطباء اندونسيين، أطباء اتراك، مسعفين مصريين مع رتل من سيارات الاسعاف، ديبلوماسية أجنبية ومرافقيها، عائلات فلسطينية، حمالين، طاقم تلفزيوني هولندي، صحافيين أميركيين وصينيين، صحافية فرنسية وآخر انكليزي.. طبيب اميركي من أصل سوداني.
بدأت مشواري من القاهرة الساعة الحادية عشرة ليلاً وها أنا اقف عند البوابة الساعة العاشرة صباحاً، بلا نوم منذ 24 ساعة ولم أصل غزة بعد. وما أن يفتح الضابط البوابة ويبدأ بفرزنا بين فلسطينيين من جهة وأطباء وصحافيين من جهة ثانية، حتى يقرر اعادة إقفال البوابة مجدداً. لم يقل لنا ان كنا سندخل اليوم الى غزة أم لا. هل سيفتح المعبر؟ هل من مشكلة ما؟ لا جواب سوى للأطباء الاندونيسيين: أنتم لن تدخلوا اليوم. انه دور الفريق التركي فقط.
بعد نصف ساعة يعود. يأخذ من الصحافيين جميعهم تصاريحهم وجوازات سفرهم.. يغيب لعشر دقائق ثم يعود ويدخلنا الى منشأة المعبر وباحته الداخلية: اذهبوا الى "قاعة المسافرين". الفلسطينيون جميعهم بقوا خارج البوابة، منتظرين لوحدهم. شعرت بالحرج إذ أنني اكثر حظوة منهم لدخول بلادهم بالذات! بل أكثر حظوة منهم اذ يتعامل معي ضابط، فيما ترك لهم احد العرفاء ليتعامل معهم بلا مبالاة.
هناك، في "قاعم المسافرين" نملأ الاستمارات ونكتب اقراراً وتعهداً اننا سنعود من غزة بعد اربعة ايام كحد اقصى، في مكتب أمني يشغله رجال بلباس مدني، يتمتعون ببنية جسمانية قوية، عسكرية الطابع والحركة. يأخذون كل أوراقنا وجوازات سفرنا ويتركوننا في القاعة لمدة ساعتين أو اكثر. يأتي رجل يسحب كرسياً ليقف عليها ويشغل كاميرات مراقبة مثبتة في أعلى الجدار.

ساعتان من التدخين المر والضجر والانهاك.. والتعارف الاضطراري ما بين المنتظرين، حيث أجد نفسي مع الروائي الهولندي عبد القادر بن علي الذي التقيت به مرات في بيروت، ثم هذا المصور الفوتوغرافي الشاب الهولندي الجنسية من أب أكوادوري وأم تشيلية، والصحافي الأميركي المستعرب، الصيني الأصل!
الزميل حمدي على الهاتف من القاهرة يتابع كل ساعة الامتار القليلة التي اجتزتها من بوابة المعبر الى باحته الى مكتب رجال الأمن إلى القاعة وانتظارها الطويل، الى الباص الذي سيضعنا في الباحة المواجهة للحدود مع غزة. يجري اتصالاته الخفية مع مراجع نافذة ومقتدرة في مكاتب الدولة المصرية. الزميل هاني يكرر اتصالاته للاطمئنان.
ندفع "رسم الخروج" وندفع رسم الباصين، الأول الذي سينقلنا خارج البوابة المصرية والثاني الذي سينقلنا من البوابة الى المعبر الفلسطيني. مئتا متر بتكلفة 20 دولاراً أميركياً. ندفع بقشيشاًَ (إجبارياً) للحمالين الذين لم يحملوا شيئاً. "بسيطة" أقول في نفسي. عملياً بتّ لأول مرة داخل فلسطين التاريخية، انجاز شخصي يجعلني أستعيد لا ارادياً، وعلى نحو مضطرب كل ذاكرتي السياسية والثقافية.

تبدأ غزة بجدار وأسلاك وأبراج مراقبة وغبار كثيف. ومقابل الصمت والسكينة والرهبة الهندسية للمعبر المصري تقابلك غزة بخليط متصل من الأصوات البعيدة. وما أن نجتاز السور الاسمنتي الذي يشبه الاستحكامات الحربية حتى نجد أنفسنا في منشأة المعبر الفلسطيني الذي شيّده الاسرائيليون. منشأة مرتبة ومتواضعة ومحاطة بحديقة منمقة ومشجرة، مع مبان بيضاء توحي بالاناقة والحميمية، حيث نجد موظفين تابعين لسلطة حركة "حماس" يستقبلوننا بترحاب فائق ولهفة وابتسامات عريضة. رافقونا وأرشدونا للدخول الى قاعة صغيرة شديدة النظافة والترتيب تشبه قاعة مطار من حيث تجهيزاتها وتقسيماتها الوظيفية. وفي غضون خمس دقائق فقط أنجزوا ختم كل الجوازات فيما كان رجل يتفق معنا على عدد سيارات التاكسي التي نحتاجها ووجهات سفرنا داخل غزة.
نخرج الى ارض رفح فلسطين. تختفي الصحراء وتبدأ الأرض الخصبة. ينتهي الفراغ وتبدأ أكداس البيوت الباطونية المتكومة على بعضها البعض. ينتهي القفر وتبدأ السهول والبساتين. تنتهي السكينة وتبدأ آثار الخراب والدمار وعلامات الحرب.

يتبدد الانضباط وتظهر الفوضى. وما أن نبدأ المسير حتى نسمع هدير طائرات حربية اسرائيلية في السماء. ولا أفكر سوى بالسرير المفترض الذي أود الارتماء فيه.
لكن المتاعب لا تنتهي والسرير ما زال بعيداً. "أنطنط" من فندق الى فندق ولا غرفة شاغرة. اللعنة، كل هؤلاء الصينيون واليابانيون والكوريون والماليزيون والانكليز والأميركيون والفرنسيون والهولنديون والكنديون وجنسيات لا تحصى، استولوا على كل الفنادق، "سياحة الحرب" في أوجّها.
أخيراً في "فندق بيتش"، تم اخلاء غرفة منذ عشر دقائق . أستولي عليها. أنظر من النافذة فأسأل الموظف عن آثار الرصاص والقذائف في المبنى المقابل.. يقول: لا، ليس الاسرائيليون. انها معارك فتح وحماس. انه برج الغفري، حماس رمت منه قناصاً لفتح من سطحه.
أظن أنني سافرت.. لكنني لست بعيداً. ها أنا مجدداً أمام برج المر وقناص الهوليداي - إن والحرب الأهلية والتاريخ المخجل والمستقبل الغامض والموت اليومي!

 

يوسف بزي
(25 فبراير 2009)