الإعلان

 

ملفات رحلة إلى غزة رحلة سفينة المساعدات "مافي مرمرة"
رحلة سفينة المساعدات "مافي مرمرة"
استيكو باتيستوني   

بعد خمس ساعات من الاعتداء الإسرائيلي على أسطول الحرية كان صديقي النمساوي ماركوس في طريقة للدخول لغزة عن طريق معبر اريز الإسرائيلي. ماركوس باحث في العلوم السياسية و كان في طريقه للمشاركة في مؤتمر حول البحث المقارن عن مواجهة التصعيد في حالات النزاع. كان التوقيت مبكراً و كان صديقي في غاية السعادة لحصوله على تصريح المرور لغزة من السلطات الإسرائيلية بعد إجراءات إدارية طويلة قد بدأها منذ شهر. لقد كانت أول مرة له في غزة. و في حوالي الساعة الثامنة و ربع صباحاً تلقيت هاتفاً منه قائلاً "هل من المؤكد أنى سأعبر؟ لا يوجد أحد حولي، لا يوجد زحمة، لا شيء" و أجبته قائلاً "هذا طبيعي. أنت من الأقلية المعدودة التي تزور غزة الآن. اعتبر نفسك رجلاً محظوظاً."

ثم تابعت الأخبار على صفحات الإنترنت.

و في الساعة التاسعة و النصف تحدثت معه على الهاتف و كان قد وطأ بقدميه على الأراضي الفلسطينية لتوه. شعرت بأنه كان يسجل جميع التفاصيل في داخل عقله من الطريقة التي كان يتحدث بها معي.

فسألته "هل سمعت ما حدث بليل أمس في البحر؟".
"لا. ماذا حدث؟".
كنت أتمنى أني قلت له مثلاً معروفاً و لكني لم أفعل.

يقول المثل المعروف "كل خبر سار من الإسرائيليين يقابله خبر غير سار." إنه مثل فلسطيني سمعته لأول مرة عندما كنت بصحبة الكاتبة سعاد العامري المقيمة برام الله. سعاد لديها روح دعابة رائعة و كذلك تمتلك القدرة الفريدة على السخرية من أسوأ المجرمين أو أكثر المواضيع المقدسة بما فيها القومية الفلسطينية. و في مرة أخرى قالت لي عن المفاوضات بين الإسرائيليين و الفلسطينيين في واشنطن 1992-1993 حيث كانت عضوه في الوفد الفلسطيني المشارك. و عند نقطة معينة، اقترح الوفد الإسرائيلي مناقشة بعض الأمور ذات الاهتمام المشترك و كانت القضية المطروحة هي أزمة الناموس الذي يعكر صفو الليل الهادئ للأرض المقدسة. للأسف لم تكن تمزح. وكانت واحدة من العديد من التقنيات لتأجيل أي محاولة جادة للوصول للمواضيع الرئيسية. ربما كان من الممكن لإسحق شامير أن يعترف لها لاحقاً برغبته في إبقاء هؤلاء الناس مكبلين في مقاعدهم لعشر سنوات إذا كان هذا في صالح كسب الوقت.  

الشعب الإسرائيلي مذهل. لديهم الاستعداد لعمل أي شيء من أجل تغذية شعورهم بكونهم ضحايا مهددة. عملية "رامبو" على سطح المركب مرمرة ليس لها أي مبرر شرعي – إلا إذا أردنا اعتبار السكاكين و القضبان الحديدية تهديداً لوجود الدولة اليهودية كما حاول وزير الدفاع ايهود باراك تبرير العملية. انه خارق السياق – لقد كان أسطول المساعدات الإنسانية في المياه الدولية و كذلك خارج الإطار التاريخي: عمليات القرصنة الأخيرة في المنطقة – على حسب ما أتذكر من أيام المدرسة الثانوية – ترجع لأيام العداء بين الإمبراطورية العثمانية و قوى الغرب.

لقد قمت بزيارة إسرائيل لأول مرة عام 1995. في النصب التذكاري لياد فاشيم أدهشني صورة فتاة في سن المراهقة ترافق طلبة فصل مدرسي في جولة تعليمية و كانت تحمل سلاح آلي بنفس الراحة التي تشعر بها فتاة تحمل حقيبة الظهر. و كانت أميرة حص قد أخبرتني بقصة أخرى: في يونيو 2005 و هي في طريقها من طولكرم لرام الله كانت قد تعثرت في نقطة تفتيش لرجال الشرطة الإسرائيلية و التي كانت تعيق حركة المرور الفلسطينية. العديد من الفلسطينيين كانوا في انتظار حدوث أي شيء لمدة ساعات. تحدثت أميرة حص مع المتحدث الرسمي باسم الجيش و في خلال عدة دقائق قام الجنود بإزالة الحواجز المتناثرة حيث لم يكن لها أي مبرر أمني. لقد وجدتها شبيهة بكافكا و سألت مصورها "كيف يمكن لذلك أن يحدث؟ هل يجدون متعة في عمل هذا؟ هل يشعرون بذروة الشهوة الجنسية؟" فأجابها قائلاً "لا! إنها المحرقة!"

الإسرائيليون يشعرون بأنهم ضحايا و لا يستطيعون الإحساس بغير ذلك، و بناءاً على هذا الشعور قد أسس نظامهم سياسة الإفلات من العقاب الدولي الذي تستمع به إسرائيل. لقد اختارت و زرعت بعناية حلفاءها في المنطقة و قد طورت الإحساس بمهمة "الإنسان الخارق" و التي تشمل الحفاظ على وجودهم و لو على حساب الوقت أو الشعوب. حالياً لا توجد أي حدود جغرافية أو قواعد للتعايش بين البشر أو خوف من المجتمع الدولي. و لماذا ينبغي لها؟ عندما تعطي سلاحاً لمراهقة نشأت في بيئة من التبرير الذاتي و عدم الثقة تجاه جيرانها و التي تمثل أفضل دبال لاقتصاد الاستعمار بصناعة البناء المزدهرة، و مزايا تصدير تكنولوجيا الأمن الحديثة، و في وجود سوق سهلة للمستهلكين العرب المحاصرين و البروليتاريا الرخيصة و الشركاء الأبديين في القطاع العسكري. و بعد ذلك تضع المراهق في "الكوماندوز" و تسحبه في وسط الليل من طائرة هيلكوبتر، فإنه بالتالي لن يتردد في إطلاق النار على أي شيء متحرك حوله.

لا بد و أن مئير مارغاليت – إحدى مؤسسي اللجنة الإسرائيلية ضد هدم المنازل (المقصود المنازل الفلسطينية) يشعر باشمئزاز شديد الآن. منذ أسبوعين، سمعت هذا اليهودي الإسرائيلي-الأرجنتيني و هو يكشف عن معضلة شبابه لطلبة إيطاليين من ثانوي. مئير حارب في سيناء. لقد قام برفض الاستدعاء للخدمة العسكرية الاحتياطية. لقد توسل إليه قائده من أجل الالتحاق بالخدمة لأن الجنود الشباب الآخرين عديمي الخبرة من دائرته بإمكانهم جعل حياة الفلسطينيين أكثر قسوة في غياب سلطته الأخلاقية المشهود بها عليهم. هل يطيع أم يخالف؟ و عندما سأل الطلبة ماذا سيفعلون إذا كانوا في موقفه، فأجاب البعض "سوف أذهب" و البعض الآخر "لن أذهب". لم يفصح عما فعله آن ذاك و لم أجرؤ أن أسأله.

العرب أيضاً مذهلون. في حين كانت السلطات و المدنيين الأتراك يصرحون عن إدانتهم و غضبهم منذ الساعات الأولى في الصباح، استيقظت مصر بعدها بساعات و أصدرت مذكرة احتجاج و استنكار تقليدية بعدما لاحظت أن الاستنكار الدولي في حالة تزايد. و نقلاً عن جريدة "المصري اليوم"، طالبت المعارضة مثل حركة البرادعي للتغيير و الإخوان المسلمين بفتح معبر رفح و السماح بمرور المساعدات الدولية لغزة أو بوقف تصدير الغاز لإسرائيل. و على الرغم من ذلك لم توجد أي إشارة لرد سياسي فعال من قبل الإدارة المصرية أو الحكومات العربية الأخرى. يتم إدارة الحصار على غزة بإحكام بواسطة التنسيق الدقيق من الجانبين المصري و الإسرائيلي الشبيه بالساعة السويسرية القديمة. و أستخدم الوصف "قديمة" لأن الجدار الفولاذي بطول معبر رفح حالياً تحت الإنشاء و لكن المصريون يحاولون التقدم ببطء – واحدة واحدة – لفظ ماء وجههم بالداخل كما أشار لي مصدر دبلوماسي إيطالي-مصري من قبل.

قد يقول العديد من مئات المحللين في الشرق الأوسط الذين يملئون وسائل الإعلام: " لن يتغير شيء من أجل غزة، سيحرص الجميع على سيادة مصالحهم في نهاية الأمر. قد يكون هذا صحيحاً (على أية حال، نحن لسنا بحاجة لمحللين للتنبؤ بهذا). و على الرغم من ذلك ، فإن ضحايا هذا العمل الإرهابي لم تذهب سدى. للمرة الأولى على الإطلاق، يمكنني أن أقول إن المجتمع المدني الدولي قد أثبت أنه أكثر قوة و حدة و تأثيراً مما يدعى المجتمع الدولي في تحدي الوضع الراهن في الشرق الأوسط. ضرب ديفيد جالوت في مقتل بستة سفن عتيقة، مجمعاً مختلف البضائع المجمعة بواسطة أكثر المجموعات الاجتماعية اختلافا: قوس قزح من أعمال مواطن حسن النية المستاء من مبدأ الحصار على شعب بأكمله.

نجح هذا الأسطول في كبح الشرعية الإسرائيلية أكثر من جميع الجهود و المواقف الدبلوماسية التي اتخذها المجتمع الدولي، بما في ذلك جامعة الدول العربية، عقب الحرب الأخيرة على غزة. بعد عام و نصف، لقد تم أخيراً إصدار الجملة المنتظرة من تحقيق القاضي الجنوب أفريقي- ريتشارد جولدستون- بجوقة جماعية ضد الاعتداء الإسرائيلي على أسطول المساعدات.  لقد كان بمثابة النسخة المعاصرة لـ"بعثة من الألف"، الحملة المغامرة بقيادة جوزيبي غاريبالدي في عام 1860 لتحرير مملكة الصقليتين وإعداد ظهور الأمة الإيطالية. وحتى لو لم ترس "بعثة السبعمائة" من أسطول الحرية على سواحل غزة هذه المرة، فقد كانت حملتهم من أجل قضية شعب أكبر: "شعب الرجال بدون عدالة".

لن يتحرك شيء بدون وقفة المجتمع المدني و لن يصبح أوباما ما يتظاهر به. على الرغم من ذلك ما زال ينقصنا الرابط لتمكين المجتمع المدني الدولي سياسياً و لطرح موضوع الشلل الشرقي للنقاش. هذا هو المشروع الأكثر صعوبة بينما الأمر الأكثر تحدياً هو ربط المجتمع المدني بالعالم العربي بنظيره الإسرائيلي المدافع عن الحرية و المساواة في الحقوق و وطن قومي للشعب الفلسطيني. روني سيجولي، يهودي بارز يرتدي حذاءه الرياضي و ينطق كلمات واضحة، أخبرني في محادثة شخصية في القدس: "يسعدنا أن نقوم بتحريك الحوار في الشارع العربي و نقيم تحالفات مدنية من أجل دعم حركتنا السلمية ضد الاحتلال العسكري لإسرائيل، و لكننا غير قادرين لأننا إسرائيليين."  هذا الرجل عضو في حركة "مقاتلون من أجل السلام" التي تجمع جنود إسرائيليين و مقاتلين فلسطينيين سابقين. معركة هذه الحركة شبيهة بمعركة الشباب العرب المدونين من أجل الديمقراطية و حرية التعبير في مجتمعاتهم الأبوية المتعصبة. فك الحصار عن غزة يعني إزالة الستار عن المتناقضات السياسية و الاجتماعية المتخفية وراء الدعاية الرسمية.

في الواقع، نحن لسنا معتادين على سماع رجال السياسة يستخدمون اللغة المناسبة للتعبير عن الأسئلة الصحيحة. ماذا يعني "الإتحاد من أجل المتوسط؟" ماذا أصبح معنى الخطاب الأوروبي لحقوق الإنسان؟ لماذا تم ضم إسرائيل في 10 مايو لمنظمة التنمية و التعاون الأوروبي على الرغم من الانتهاكات المتكررة للقانون الدولي؟ أين ذهب الرجال و النساء من أصحاب الرؤية و الشجاعة؟ ما هي القيم التي يمكن أن يؤمن بها أبناؤنا أمام تلك "القوة ضد الغضب" و "الممتلكات المادية ضد الهويات الغير مؤكدة"؟

2 يونيو 2010 و بعد يوم واحد من الاعتداء على أسطول الحرية يمكننا قراءة في الصحف التركية عناوين مثل "الإرهاب القومي" أو "أبناء هتلر". لا نريد أن نصل لهذا الحد و لا نأمل في المواجهة بل نريد الحرية و العدالة. هل مازال يوجد معنى لهذا؟

ربما نحن نريد فقط الأمل. الأمل من أجل شعب غزة المحاصر، الأمل من أجل الجنود الإسرائيليين الضائعين، الأمل من أجل النشطاء العرب، الأمل من أجل الشباب العاطل في أوروبا. الأمل في الكلام المتتابع و الواضح. ربما قد كتب الكاتب البرتغالي جوزية ساراماجو أفضل سيناريو للعطش للأمل. منذ عدة سنوات رأيت الأشكال المأخوذة بالصخور المنصهرة في جزيرة لانزاروت حيث يسكن، و فهمت كيف يمكن للمشهد البركاني الناري المفقود في المحيط أن يدفع الخيال لما وراء الحدود التقليدية و يرسم سخافة الحياة بكافة تفاصيلها. في "العمى" (مقالة عن العمى)، وباء عمى يضرب مدينة بأكملها و يجعل مواطنيها عبيداً لقانون البقاء و الغرائز الوحشي. و عند نقطة معينة يقول أحدهم: "هل تريد أن تعرف ما أعتقد أنه قد حدث لنا؟ لا أعتقد أننا صرنا عميان، بل نحن فعلاً عميان مع أننا نرى ولكننا لا نرى شيئاً."

في هذه الليلة عندما هبطت رجال "رامبو" الإسرائيلية على سطح سفينة "مافي مرمرة" التائهة في المحيط المتوسط، لم يتمكنوا من رؤية الكثير. و هذا أمر مؤكد.



(ترجمة للعربية: رشا شعبان)