الإعلان

 

أدب قسم عام العـرش والنّعش
العـرش والنّعش
كمال الرياحي   
العـرش والنّعش | اهتزّ البحر وانتفض الموج وتلاطم، تكاثر الزبد كفقاقيع ريق جمل هائج، هبّت الريح وبدأت المعركة واشتدت العاصفة فانقبضت عضلات الرجل ممسكة بلوح الزورق الصغير في عمق البعد، تطايرت بعض مسامير اللوح. كان يعلم أنّ تطاير هذه المسامير هو إيذان بالمصير وأنّ ثباته وصموده لن يطول مع هول هذه العاصفة. أراد أن يرمّم بعض الزورق ويضمّ لوحه إلى بعضه لكن الموج هزّه هزّا فثبت قبضتيه على طرفي المجدافين وأراد أن يجدّف إلا أن اللوح صده الموج كالويل فتثاقلت عضلاته وانسابت كالزبد في انكسار لينفلت اللوح. ترك الزورق يراقصه القدر في كل اتجاه وأغلق قبضته فارغة، عتق الإبهام وراح يردّد الشهادة ثم استبدت به أفكار مجنونة، فسأل نفسه :

ما دام الموت قدرنا فلم نهرب منه ؟ سأترك الزورق تراقصه العاصفة رقصة السامبا على أنغام الريح وتلاطم الموج حتى يتخلص من كل ألواحه فأعانق هذا اليم وابتلع الماء المالح. سأشربه بفقاقيع الزبد الأبيض. كم هو رائع هذا الزبد إنّي أراه فقاقيع جعة .. سأسكر وأغوص في أحشائه نعم سأموت غرقا كهذه الأسماك التي اصطدتها قبل العاصفة هذه الأسماك ماتت لأني أخرجتها من الماء أمّا أنا فسأموت لأنّ العاصفة سترمي بي في الماء .. هل سأموت ؟ .. لكن ما معنى أن أموت؟ سيأكلني السمك الكبير كما كنت آكل صغاره. سيبتلعني القرش.. سأنتهي هيكلا في قاع البحر. هذا البحر الذي كنت أصول وأجول فوقه هذا الذي كنت أسبح فيه كالملك سأنتهي في قاعه كصدفة فارغة.

قد أكون محظوظا. فهل يمكن أن تنزل لي الزبانية تحت الماء وتستجوبني وتسألني عن ربّي وعن ديني؟. وهل تأمرني بأن أكتب سيّئاتي و"حسناتي" على قطعة من كفني؟ وهل لي كفن حتى أكتب عليه؟ أم أنهم سيأمروني بأن أكتب على لوح زورقي؟!!.

العـرش والنّعش | لكن ألن تقام لي جنازة ككلّ الأموات .. أريد أن أُحمل على الأكتاف وإن كنت ميّتا. ما أروع أن تحمل على الأكتاف كالبطل ويمشي خلفك طابور من الناس يهتفون باسمك. سيقولون أنك كنت طيّبا وأنك كنت أمينا وصادقا نعم سيتحدثون عني وكأنّي أحد أولياء الله الصالحين لن يذكر أحد من أعمالي غير حسناتي، لن يذكر أحد رائحة سمكي المتعفّن ولا أسعاري المشطّة.

لكن هل تقام لي جنازة تحت الماء ويحملوني على ألواح زورقي ؟ هل .. أعود حيّا بعد ذلك؟ ما أروع الأمر لو عدت حيّا تحت الماء وأخرجت زعانف كالأسماك ويزفّون لي ملكة البحار وأنجب منها ولدين فأعيّن الأول وزيرا للحب والثاني وزيرا للحرب.. سأصعد للأرض بجيشي.. وأعتقل زوجتي البائسة التي ما تنفك توقظني كل فجر كالصاعقة وتدفعني إلى البحر كي أعود إليها مساء بسلّة السمك فتأكلها وتستلقي بجانبي ببطنها الكبيرة التي توهمني كل يوم بأنّها ستنجب لي وما كانت محشوّة إلا سمكا وصياحا ونباحا .. آه لو أعتقلها وأضعها في مملكتي داخل قفص وأجعل بطنها مرمي لسهام جندي علّها تنجب ولو فأرا فأشعر أنها أنثى.

سأمنع صيد الأسماك وسأقيم جمعية الرفق بالكائنات البحرية ومحكمة العفو البحرية وجمعية الأمم البحرية المتحدة.

هل ينقلب الزورق الآن؟ كم أتمنّى أن تنقلب الآن لأن انقلابه إعلان ولايتي وميلاد مملكتي، لم أعد أخاف الموت، لم أعد أهاب الغرق، بل أنا متلهف لملاقاته، لا يهمّ إن كنت سأحكم تحت الماء أو فوقه المهمّ أني سأكون حاكما، ملكا تاجي مرصّع بكنوز البحر وعقود المرجان سأقف على عرشي زعانفي نياشيني وعلى يميني حورية بحرية تقاسمني العرش، سأجلد كلّ من يحلم خارج مملكتي سأقتل كلّ من يزنى أو يشرب داخل مملكتي.

بدأ القارب يمسك عن رقصاته المجنونة وهدأ الموج وهدأت العاصفة وسكنت الريح، أمسك الرجل طرفي القارب ورجّه رجّا وهو يصيح :

ـ هيّا انقلب، انقلب لا أريدها اليابسة. انقلب حتى أنزل لمملكتي.

نظر حوله وجد القارب قد قذفه الموج نحو الساحل الذي بدا يعج بالخلق، نزل من على الزورق فتحطّمت خشبته الأخيرة التفت إليه في لوم لأنه لم يتحطم داخل البحر تقدّم نحو الخلق الكثير. صفّ طويل من البشر وكأنه يوم الحشر. تقدّم أكثر، كانت جنازة، التحق بآخر الطابور وراح يردّد مع الناس غناءهم أو نحيبهم وفي داخله كان يصيح "كم كنت محظوظا أيها الميّت لأنّك جعلت كل هؤلاء يسيرون خلفك كالسدنة والعبيد يحملونك على أكتافهم كالملك".

مرّت الجنازة رائعة بأناشيدها وألحان خطاها وانعطف الجميع نحو المقبرة، ساروا كالنمل في نظام إلى أن وصلوا إلى حفرة كبيرة. أنزلوا النعش وشرعوا في ترديد بعض الدعاء والبدع ثمّ تقدّم أربعة من الرجال الأقوياء وحملوا الميّت الضخم وأنزلوه في الحفرة الكبيرة وأحكموا تثبيت اللحود فوقه وكسوه بالتراب ثم استدار الجميع واستقاموا في صفّ كعادتهم وتقدّم أوّلهم من الصياد وصافحه : قائلا: "البركة فيك لقد كانت زوجة رائعة" وتقدم الثاني : "الصبر، عوّضك الله خيرا إنشاء الله".

 

كمال الرياحي
كاتب من تونس
(29 مايو 2008)