الإعلان

 

أدب قسم عام «كتبت عن الإرهاب وأقيم ثورتي في مستوى الشكل»
«كتبت عن الإرهاب وأقيم ثورتي في مستوى الشكل»
كمال الرياحي   
«كتبت عن الإرهاب وأقيم ثورتي في مستوى الشكل» | قال لي يوما إجابة عن أحد الأسئلة " أعتقد في وجود نقاط لقيا بين الساحر والحاوي والسياسي والرّوائي، أو قُل أنّ هذه المجالات أقربُ إلى بعضها البعض من الفضاء النقدي، الذي هو مجال الحقيقة، أو على الأقل يتوق إلى امتلاك الحقيقة على وجه العموم والإطلاق".
استحضرت هذه الإجابة وأنا أستضيفه في هذا الحوار لــ باب المتوسط بمناسبة فوزه بجائزة أفضل رواية تونسية لسنة 2007 _الكومار الذهبي- التي تسندها شركة تأمينات البحر الأبيض المتوسط . لقاء أردناه أن يكون مختلفا بكل المقاييس، فلأول مرّة يخرج صلاح الدين بوجاه :

- كيف يمكن أن تلخّص لنا تيمة الرواية الفائزة بالكومار الذهبي ؟

- نحن إزاء رواية قائمة على التخييل و الانفعال هي مجرد نص كاذب يسعى إلى إعادة تنظيم بناء الدنيا..بعد تشويشه.

الرواية يا أخي كمال مجرد اقتراح أولي ...لمقاربة موضوع الإرهاب والاعتقال والحجز..مقاربة أولى يمكن أن أعود «إليها مستقبلا مع عمل جديد لإعادة تقليبها على وجوهها الممكنة.

- م
وضوع التلصص طرقه قبلك ماريو بارغاس يوسا،و صنع الله إبراهيم،و ألن روب غريي..لكننا مع ذلك لاحظنا تناولا جديدا في روايتك.كيف توضّح لنا هذه النقطة؟

- أولا موضوع التلصص قديم،بل قديم قدم الآداب العالمية والعربية،وهو من المواضيع الأثيرة في ألف ليلة وليلة،وليس وقفا على كاتب بعينه.ثم هو من المواضيع الأثيرة عندي،فرواية "النخاس" رواية قائمة على التلصص.وأكاد أنساق وراء المبالغات التي تحلو أحيانا ،فأعلن،أن الأدب في جوهره قائم على التلصص،و أنت في روايتك المشرط كنت من أكثر المتلصصين.كل ما هناك أنني في هذه الرواية ربطت بين التلصص وبعض المواضيع الأخرى مثل الإرهاب، و السجون، و حقوق الإنسان، وبعض القضايا السياسية.

- هل يعني هذا أنك تكتب "رواية سياسية"؟


- لا،الرواية رواية أولا،أما المواضيع الاقتصادية و السياسية أو التراثية،فمجرد تعلات ترد فيها بعد.المهم عندي أن يحدث توافق ما بين بنية الرواية وموضوعها .

- هل يمكنك أن تحجب البعد السياسي للرواية؟

- هناك مواضيع تفرض نفسها عليك في بعض الأحيان،ولا يعنيني أن تكون سياسية أو سواها ،أعتقد أمر التلصص على الناس،و انتهاك خصوصياتهم قد غدا من المسائل الأساسية في عالمنا اليوم ،لهذا فالفكرة معروضة داخليا و خارجيا.

«كتبت عن الإرهاب وأقيم ثورتي في مستوى الشكل» | - بعض الكتّاب يأتون إلى الكتابة من فضاءات العربدة و كلّهم يقين أن هذا الشرط الرئيس للكتابة.حتى أن بعضهم ليس في رصيده سوى بعض المعارك و الخصومات و التشوّهات و الندوب و قليل من الحبر المسكوب على ورق دفع ثمنه سماه نصوصا أدبية.ما رأيك؟

- المجون و العربدة،و الجنون،من المراقي المُهمة في تجربة الكاتب،لكنها لا يمكن ،بأي حال من الأحوال،أن تكون معوضة للموهبة.إما أن تملك موهبة أو لا،هذا هو السؤال.أما ما دون ذلك فلا يعنيني.اعرف الكثيرين..ممن ذهب سُكرهم و عربدتهم و بقيت نصوصهم، حين تكون هناك نصوص، طبعا، أما حين تُقصر الأمر على العربدة و الخصومات فمتابعتها تكون في مخافر الشرطة ،و بؤر القوّادين،و المشرفين على تعاطي المحرمات ...لذلك فهي ليست من مجالات اهتمام النقّاد,

لو كان الأمر هكذا ، لكانت أفضل رواية في بلادنا مجموعة من قبل فريق من رجال الأمن،أو اللصوص،أو بائعي المخدّرات!

المعرفة ثم المعرفة...و التجربة بعد ذلك. و أنا لا أتباهى بتجاربي الخاصة،و لا يعنيني أن أعرضها على العموم ،أنا لست ممن يلتذّون بالتعرّي أمام الآخرين.

أرغب في إنتاج نصوص تجمع بين التجربة الحياتية،و التجربة الكتبية،أما ما دون ذلك فجفاء لا يمكث في الأرض!

- أنت عضو في البرلمان التونسي من أكثر من عشر سنوات . لو شبّهنا هذا البرلمان برواية فهل هي رواية بوليفونية "متعدّدة الأصوات" أم هي رواية كلاسيكية باروكية أو إحدى روايات الفروسية يديرها راو عليم أشبه ما يكون بإله ؟ هل أثّرت الحياة البرلمانية و السياسية في تجربتك الروائية و الإبداعية بوجه عام؟


- بدخول المعارضة البرلمان غدا الأمر من قبيل الرواية المتعددة الأصوات،و الملاحظ أن هنالك من السيميائيين من يبحث عن سمات العصر الجديد الذي يُقبل عليه العالم، فيختار له من الأوصاف:

السرعة/ الخفّة / التعدّد/ الدقّة....و هي جميعا تُخصّص التجربة التونسية اليوم،في الثقافة و الأحزاب و المجتمع . و لقد أثرت التجربة السياسية و النقابية في حياتي كثيرا،إذ قرّبتني من الواقع،و كشفت العديد من الخفايا،فوقفت على لسرعة/ الخفّة / التعدّد/ الدقّة في كل شيء تقريبا،بل في كل إنسان.

و لا شك أن "الحدث الحضاري حدث شامل"،لذلك أنا أنتمي إلى هذا المجتمع، بـ"دهائياته"و "سلطانياته"...و مسارد"ألف ليلة و ليلة "فيه...!

و سبق أن قلت لك:" ليس الأدب سعيا سياسيا أو اجتماعيا، وليس الأديب رجل صحافة، أو رجل ضرب من الأحزاب. الأديب أرفع من هذا ! أو فلنقل أنه مختلف مغاير، وكفى ! لكل مهمّته ووظيفته. لهذا نجزم بأن الأديب ليس مترجما، كما أنه ليس رجل معارضة ! الأديب "معارض" بالمعنى العميق، بل العميق جدا. الأديب ليس معارضا سياسيا، إنه "معارض" للمجتمع، معارض للخيارات الإنسانية الكبرى… من حيث هو مسهم في الجدل الأصيل حول الإنسان، وتجربته الروحية العميقة. بهذا المعنى ندرك أنّ الأديب محرّك للوجود، ومُثَوِّرٌ للمستقرّ، ومُسهم في معارضة التفسيرات القاصرة المحدودة، ومُشجّع على تبنّي التوازن الروحي في وجود لا يكاد يؤمن إلاّ بالظاهر المادي المحسوس. على هذا الأساس ينبغي أن ينهل الأدب من التجارب الصوفية، ويكون فنطازيا سرياليا في بعض توهّجاته الكبرى !"

- "من الضروري أن يكون دائما هناك كتّاب رديؤون لأنهم يرضون ذوق الأجيال الناشئة التي لم تنضج بعد، هؤلاء أيضا لهم حاجياتهم تماما مثل الآخرين الناضجين "نيتشه. هل هذا مبرر لوجودهم فعلا ؟

- يا أخي كمال ، على عكس الكثيرين من افراد جيلي ، لم يكن يعجبني الاستحسان السريع و لم يكن يرضيني، و قلّما حدث بالنسبة إلي ، و هو واقع يختلف عن الكثير من النصوص التونسية المعاصرة ، لكن و بمرور الزمن أكتشف أنا و يكتشف التونسيّون (خاصة من خلال بعض القراءات العربية ) أنني قد كتبت بعض النصوص الجديرة بالاهتمام (أضرب لك مثلا واحدا: زمن ظهور النخّاس ، بالتحديد، ظهرت روايات أخرى لبعض الزملاء قابلها الناس بترحاب شديد لكنها اليوم ،و اعني ما أقول ، تعدّ نسيا منسيا ، و كذا بالنسبة إلى "السيرك" فماذا يكون من "سبع صبايا" !!!

- كلمة أخيرة ،حول رؤيتك لما تحقق من مشروعك ، الروائي إذا ما كان عندك مشروع؟!


- قد يكون من قبيل الغرور أن أُلاحظ أنني ما أزال في بداية مشروعي. لقد جسّمتُ نزرا قليلا جدا مما أنوي تحقيقه .

و أشهد بأنني سأواصل تشويش الوجود ،بأسلوبي المخصوص، لهذا فأنا مُقبل على الكثير من العبث والمشاكسات..في أعمالي الممكنة القادمة!!!شكرا لك وشكرا لـ"باب الماد" التي تذكّرني برحلتي مع رواية "النخاس" التي تدور أحداثها على سفينة تشق المتوسّط باتجاه ايطاليا.

أجرى الحوار: كمال الرياحي
(29 مايو 2008)