الإعلان

 

أدب قسم عام الكاتب الجزائري أمين الزاوي «أنا كاتب بالعربية والفرنسية مستعمرتي الجديدة»
الكاتب الجزائري أمين الزاوي «أنا كاتب بالعربية والفرنسية مستعمرتي الجديدة»
ياسين تملالي   

الكاتب الجزائري أمين الزاوي «أنا كاتب بالعربية والفرنسية مستعمرتي الجديدة» | بدأ أمين الزاوي الكتابة بالعربية (1) في الثمانينيات ولكنه تحول إلى الكتابة بالفرنسية، حينما كان مدرسا في إحدى الجامعات الفرنسية، في التسعينيات. و نشرت أولى كتاباته بهذه اللغة في دار النشر Le Serpent à plumes. وستصدر دار الناية السورية قريبا أربعة من رواياته مترجمةً إلى العربية (2). إحدى هذه الروايات "زردة الأكاذيب" ("زردة" المرادف الجزائري لـ"وليمة") التي لاقت رواجا كبيرا في كل من الجزائر (دار البرزخ) وفرنسا (منشورات فايار).

ويصف أمين الزاوي الفرنسية بأنها "مستعمرته الجديدة"، ويعترف بخصوصية استعماله لها. "لست أديبا باريسيا ولا أريد أن أكون كذلك"، يقول، مؤكدا أن رواياته تحفل بأصداء كثيرة من لغته العربية الأولى. كما يتطرق إلى المفارقة الواضحة بين "قدرة العربية على قول كل شيء" والحدود التي يفرضها على استخدامها الأدبي التيارُ المحافظ، وكما لو كان الأدب فقها والفقه أدبا.

ستصدر قريبا في سوريا روايتُك "زردة الأكاذيب" في ترجمتها العربية. كتبتها بالفرنسية. وقبلها صدرت لك كتب أخرى بهذه اللغة. هل يمكن القول إن الفرنسية أصبحت "لغتك الأدبية الأولى" ؟

أمين الزاوي : صحيح أنني كنت دائم التقلب بين هاتين اللغتين، مما يعد نتيجة لتعليمي وفضائي الثقافي العائلي. تعلمت في المدرسة الجزائرية، لكن قراءاتي، سواء في الرواية أو الشعر أو أدب الرحلات، كانت أساسا بالفرنسية. يسرني أن تترجم أعمالي إلى العربية، فحتى وأنا أكتب بالفرنسية، ما أقصده بكتابتي هو محيطي الجزائري.

هل أصبح الفرنسية لغتي الأولى ؟ لا أعتقد ذلك. كان الكاتب الجزائري الكبير كاتب ياسين يقول إن "الفرنسية غنيمة حرب"، أما بالنسبة لجيلي، فهي مستعمرة جديدة، وأنا شخصيا أمارس عليها عملية "استعمار".

لكنك بدأت مشوارك الأدبي بالعربية. كيف حدث التحول إلى الفرنسية ؟ هل كان بسبب تواجدك في فرنسا في التسعينيات أم بسبب رغبتك في تجديد نفسك أدبيا عن طريق العمل بلغة جديدة ؟

أولى كتاباتي كانت بالعربية، ومنها "ويجيء الموج امتدادا" و"كيف عبر طائر الفينيكس البحر المتوسط" و"صهيل الجسد". لكن الكتابة شكل من أشكال المغامرة : هي مغامرة مع المواضيع والواقع واللغة أيضا. تحولي إلى الفرنسية كان إذاً مغامرة. كنت في فرنسا، مدرسا في إحدى الجامعات، وكنت أريد الوصول إلى القارئ الفرنسي، فوجب علي أن أخاطبه بلغته.

وأريد أن أنبه هنا أن ما شجعني على الكتابة بالفرنسية هو الأديب الجزائري الكبير مالك حداد. لما كنت طالبا في الثانوية، كنت أرسل نصوصي إلى مجلة "وعود" (الصادرة بالفرنسية) وكان هو مديرها. أعتقد اليوم أن هذه النصوص لم تكن ذات قيمة، لكن مالك حداد كان يشجعني على المواصلة. وأنا كلما أكتب بالفرنسية، أذكر تشجيعه لي، أنا الطالب المبتدئ.

نلاحظ في فرنسيتك، في "زردة الأكاذيب" مثلا، أصداء كثيرة من اللغة العربية، سواء من ناحية الاستعارات المستعملة أو كثرة المراجع الثقافية الجزائرية. هل يمكن القول إن هذه الأصداء ثمرة عمل واع على "جزأرة" هذه اللغة ؟

أعتقد أن هناك فرنسية إفريقية وفرنسية خاصة بالجزائريين. قوة الفرنسية في أنها استطاعت أن تكون في كل مكان وبألوان مختلفة. أكثر من ذلك، أشعر بأنها لغة مضيافة، تستوعب موسيقى لغات أخرى كالعربية ومخيالاتها. لغتي الفرنسية إذن لغة خاصة، وأنا لا أريد مطلقا أن أكتب مثل أديب باريسي. لست أديبا باريسيا، ويجب أن يكون في كتابتي بالفرنسية أثر من محيطي الجزائري.

قلت في إحدى الحوارات الصحفية إنك تكتب بالعربية "لتحريرها". لتحريرها من ماذا ؟ هل العربية لغة مكبلة ؟

القارئ العربي هو المكبل لا اللغة، فهو نادرا ما يفرق بين متطلبات قراءة الرواية مقارنة بقراءة كتب الفقه أو التاريخ. لذلك فقد يقرأ الرواية وكما لو كانت نصا دينيا. هذا ما يكبل العربية ويجعل المبدعين بها يخضعون إلى رقابته الامباشرة. وكأن هذا "القارئ الرقيب" يفرض عليهم أن يكتبوا بهذه الصورة أو تلك حتى لا يزعجوه، حتى لا يخدشوا حياءه.

أظن أن العربية، منذ بداية عصر النهضة، عادت كثيرا إلى الوراء. تم استلابها من طرف الفكر الديني المحافظ. أحيانا، يبدو لي أن فقيها من القدماء أكثر تحررا من كاتب حداثي. لنقرأ "سيرة ابن هشام" ولنر ما فيها من جرأة. لو كتب روائي اليوم بمثل هذه الجرأة سيرجم قطعا. في زمن أبي حامد الغزالي وابن رشد والمعري، كانت العربية متحررة. أما الآن، فيهيمن عليها أصحاب الفكر المحافظ.

بعد يوسف إدريس وحيدر حيدر وبعدك أنت شخصيا، هل يصح القول بأن العربية لا تزال تحتفظ بهذه المسحة المحافظة التي تتكلم عنها ؟

أنا أتكلم عن الكتابة العربية، لا عن اللغة العربية. اللغة العربية قادرة على التعبير عن كل شيء. هي لغة جميلة، يمكن أن نكتب بها الجنس والسياسة والدين وكل شيء، كغيرها من اللغات بالضبط. بوسع لغة حملت كلام الله، القرآن، أن تقول كل شيء. المشكلة في الكتابة العربية، فهي تُخضع لمؤسسات معينة لا يمكن وصفها بالديمقراطية ولا تتميز أجواؤها بالحرية.

كسيلة بطل "زردة الأكاذيب" لا يتردد في ذكر القرآن وهو يفكر في لذات جسمانية بحتة. هل تكسير ما تسميه بـ "التابوهات" أحدُ أهداف كتابتك ؟

من بين ما أرمي إليه في كتاباتي فضحُ الفضيحة. نحن مجتمع منافق متستر. ما أكتبه أنا هو ما يوجد في المجتمع وما يُتستر عليه. كثيرا ما نقرأ في الجرائد عن اعتداءات جنسية وقعت في المساجد وتورط فيها أئمة. في أوروبا أيضا، ليس من النادر أن نقرأ عن اعتداءات جنسية تورط فيها رجال دين مسيحيون. ولكنك لو تحدثت في رواياتك عن هذه الأحداث التي مسرحُها المساجد، سيقال أنك اختلقتها وأنك كاتب غير واقعي، إلخ. كسيلة في "زردة الأكاذيب" ليس سوى طفل يعيش في مجتمع يمارس البهتان الاجتماعي والأخلاقي والسياسي.

الكتابة متعة ذاتية، وهي تحمل رسالتها في جنونها، في تكسيرها للتابوهات وتجاوزها. ليست رسالتها خطابا اجتماعيا عقلانيا هادئا. الكتابة التي لا تحدث زلزالا كتابة فاشلة. الكتابة التي لا تستفز ليست كتابة. فقط، يجب أن يؤسس الاستفزاز فيها على جمالية حقيقية.

كتابك "ثقافة الدم" (3) انتفاضة عنيفة على كل ما يقيد حرية الإبداع والحرية الفكرية في العالم العربي... ماذا تعني بـ "ثقافة الدم" ؟

كل كتاباتي دفاع عن الحرية وعن المرأة. "ثقافة الدم" حوصلة لكل ما هو ممنوع ومهمش، بل ومقتول، من الرموز الثقافية في العالمين العربي والإسلامي، بدءا من الشعراء الذين اضطهدوا في بداية العصر الإسلامي وانتهاء باغتيال الكاتب الجزائري طاهر جاووت رحمه الله في 1994. أردت أن أبين أن ظاهرة اضطهاد الفكر والإبداع، من ابن رشد إلى ابن حزم، ومن المعري إلى السهروردي إلى الحلاج، ظاهرة متواصلة في التاريخ الإسلامي. وما زالت موجودة اليوم للأسف الشديد، بسبب غياب الديمقراطية وانعدام الحرية.

على ذكر الديمقراطية، ألا ترون أن الأدباء العرب أقل حضورا من الماضي في ميدان مكافحة التسلط السياسي ؟

هناك فخ نُصب للمثقف في المغرب والمشرق. هذا الفخ هو توريطه في المال والمؤسسات السياسية. السلطات العربية تواجه الضغوط الممارسة عليها من الخارج بتوريط المثقفين بهذه الصورة. دول الخليج الغنية مثلا أنشأت الكثير من الجوائز الأدبية. وهي إذ تكرم كاتبا، تستهدف بالأساس تلميعَ صورتها في الخارج. وكأنها تقول للعالم : "ها نحن نكرمه، بالرغم مما يكتبه، وهذا دليل على أننا ديمقراطيون". وبالطبع، لا يمنع تكريمُ هذا الكاتب أو ذاك أن تُحظَر كتبه في ذات البلد الذي كرمه. الكثير من الأدباء العرب المعاصرين دخلوا في لعبة المال والمؤسسات، وهو ما قد يكبل الحرية الإبداعية التي اكتسبوها منذ منتصف القرن الماضي.

السلطات العربية تريد أن تجمل صورتها أمام الغرب، لا غير، وهنا يجب أن أضيف أن الكثير من الكتاب والمفكرين يحاولون الاستفادة من الضغوط التي تمارس عليها لتوسيع هامش حريتهم.

خضت بكتاباتك معركة شرسة ضد "الفكر الديني المحافظ" سواء في الجزائر أو في فرنسا. هل لا يزال التطرف الديني خطرا على الإبداع في الجزائر ؟

لو قارنا حال الجزائر بما كانت عليه أواخرَ التسعينيات، لوجدنا الفرق شاسعا. اليوم دور النشر كثيرة والحركة الأدبية حقيقية. تراجع التيار السلفي تراجعا كبيرا في السنوات الماضية. هل يعني ذلك أنه مات وانتهى ؟ لا أعتقد. هذا التيار لا يزال موجودا، متربصا بكل تقدم نحو الثقافة الحقيقية، نحو الحداثة والحرية. هو فقط يحاول أن يتموقع بطرق أخرى لأن الوضع المحلي والمحيط العالمي لا يسمحان له باستخدام استراتيجياته القديمة. هو يتموقع داخل الأحزاب والمؤسسات والهيئات التشريعية، وهنا مكمن الخطر.

ما رأيك في تطور الأدب الجزائري في السنوات الأخيرة ؟


ما طغى على المشهد الأدبي الجزائري في التسعينيات هو "الأدب الاستعجالي"، فالأغلبية الساحقة من النصوص التي نشرت بين 1994 و2000 شهادات على أحداث هذه العشرية. تحول الصحفيون إلى روائيين وإلى شعراء. بطبيعة الحال، لهذا الأدب جانبه الإيجابي، فهو شهادةٌ على وضع قائم، إلا أنه من الناحية الأدبية، لا يمكن أن يكتب له العيش طويلا. ومن لم يسقط من كتاب التسعينيات الجدد في فخ الأدب "الاستعجالي" سقط في فخ آخر، في نوع من العبثية أهم ما يميزه أنه غير مؤسس على ثقافة حقيقية وفلسفة عميقة. "العبث" مدرسة فلسفية وهو إذا عُزل عن محتواه الفكري يصبح فراغا غير ذي معنى.

هل من أسماء لكتاب "واعدين" برزوا في السنوات الأخيرة ؟

في ما يخص الرواية، أذكر من الكاتبين بالفرنسية مهدي شرشور ونصيرة بلولة وجودت قسومة، ومن الكاتبين بالعربية بشير مفتي. فيما يخص الشعر المكتوب بالعربية، أعتقد أن طيب لسلوس وعلي مغازي شاعران جيدان.


هوامش

(1) من بين ما نشره أمين الزاوي بالعربية "صهيل الجسد" (1985) و"السماء الثامنة" (1993).
(2) الروايات الثلاثة الأخرى هي : "الاستسلام" (2000)، "الغزوة" (1999) و"أهل العطر" (2003) وكلها صدرت في فرنسا عن دار النشر Le Serpent à plumes.
(3) صدر "ثقافة الدم" بالفرنسية في 2002 عن دار Le Serpent à plumes.

أجرى الحوارياسين تملالي
(24 يونيو 2008)