الإعلان

 

أدب قسم عام «دعنا لا نفقد الامل بحتمية الفرح»: حوار مع موسى حوامدة
«دعنا لا نفقد الامل بحتمية الفرح»: حوار مع موسى حوامدة
محمد ديبو   
«دعنا لا نفقد الامل بحتمية الفرح»: حوار مع  موسى حوامدة | يعد موسى حوامدة واحدا من أهم الشعراء الفلسطينيين الباحثين عن قصيدة تخلّص القصيدة الفلسطينية من ارتهانها للحدث الفلسطيني، محاولا الارتقاء بها نحو مصاف إنسانية أرحب، تنفتح على اليومي والمجرد، تندمج في تفاصيل الأنا وتعبر باتجاه الآخر، تلج جغرافيا البيئة المحلية متطلعة نحو عالمية ترفض القيود وتحتفل بالثقافات المكونة لها دون إلغاء أو تهميش.
باب المتوسط التقت الشاعر العربي الفلسطيني موسى حوامدة.
وكان هذا الحوار:

1- الشعر ابن الطفولة، ماذا تحدثنا عن حوامدة الطفل؟ أحلامه وشقاوته؟ وما الذي تبقى من أحلامه الآن؟


- يا إلهي لماذا تعيدني إلى تلك السنوات، ألا يكفي أنني أحملها داخلي وأنزف منها، ولكني أسأل هل ما مر بي في تلك المرحلة كان طفولة؟ أم كانت ظلال حياة تلاشت وبشر مضوا، هل كانت حياة طبيعية، أم حلما قاسيا، لكني أتذكر، أتذكر يا محمد، أنني كنت طفلا شقيا وعنيدا وصعبا، أتذكر أنني كنت أسأل أبي عن معنى الوطن وعن اسرائيل واليهود وعن الفدائيين منذ كنت في الرابعة. فقد كان الحديث دائما عن السياسة والهجرة وعبد الناصر والحروب. لا يعني ذلك أنني لم أكن ألعب أو ألهو. كان في حوشنا القديم صوامع للحبوب ومصطبة وكان يحيطنا جدار عال من الحيطان كنت دائما أتسلقه وأبحث عن الافاعي داخله، وكان للعتمة سلطة لعينة تفتح الخيال للبحث عن العفاريت والخوف من الحكايات الشعبية، وكنت ألعب مع ابن عمتي، كان اسمه صالح وكنا قد ولدنا معا، لكنه مات طفلا صغيرا جدا، ربما في بداية الستينات، فقدت صالح ولم أفهم معنى الموت، كانت المقبرة التي دفن فيها تحت بيتنا، وكنت أذهب إلى قبره أحاول إخراجه من القبر، ولم أعترف بموته فقد بقيت أنتظر عودته وأحتفظ ببعض ألعابه، ورغم أن أمي كانت تقول لي إنه صار طيرا من طيور الجنة، لكني لم أصدق ذلك، وكنت أنتظر رجوعه واللعب معه، وبقيت أتسلق الحائط وأنا أتخيله معي، حتى أنني مرة تخيلته سيأتي إلى زيارتنا، وبقيت أنتظره في العتمة حتى جاء أبي وحملني إلى الداخل، وظللت أفكر كيف سيعود إلى بيتهم وحيدا في هذا الليل الحالك السواد، لم يفارقني ظلُّ صاحبي القديم حتى دخل اليهود إلى البلدة وهدموها بالكامل وحين عدنا مساء إلى الركام كانت رائحة البارود والغبار والجثث، تملأ المكان لكني وجدت ورق شدة متناثرا، فجمعته وبدأت أبحث عن شريك لألعب معه، أظن أنني لاعبت طفلا ثانيا، من أقربائنا الذين باتوا عندنا فوق الركام.

2- تقول في قصيدتك " أنا عارُك يا أبي
أنا فضيحتك بين أهلِك  وعشيرتِك الكذَّابين
أنا فضيحتهم لو يفقهون"

إلى أي حد يجب أن يكون الشعر فضيحة ؟


* الشعر أساسا فضيحة، فضيحة في التعبير عن المشاعر والهواجس والظنون والمخاوف والغرائز، ألم يكن شعر المتنبي فضائح وشعر أبي نواس وعمر بن أبي ربيعة وقيس وجرير والفرزدق، ونزار قباني وأمل دنقل والسياب ومظفر النواب، وكل الشعراء الذين خلا شعرهم من الفضائح كانوا مقنعين ومتسترين وراء جدران قاسية، لكن الفضيحة قد لا تكون خطيئة او غريزة فهناك فضائح تشبه الكشف مثل فضيحة الحلاج والمعري، كما أن الفضيحة الشعرية لا تشبه الفضيحة الاجتماعية او السياسية فضيحة الشعر ميزة لصاحبها، بينما القول بتلبيس القصيدة حجابا او غطاء شعريا لا تعني المحافظة على القيم او الاخلاق بل هي نقيض كامل للأخلاق. فالشعر ليس وسيلة للوعظ والإرشاد، وكل الألفيات والمواعظ الشعرية والنصائح والحِكم تنصب في باب النظم وليس الشعر. لا ادافع هنا لأني ارتكبت فضيحة شعرية، ولا أقول أن الفضيحة وحدها قد تكون سندا للشعر، فربما تجد قصيدة تخلو من الفضح لكنها جميلة وربما تجد قصيدة شعرية تحمل فضيحة لكنها نفسها فضيحة بالمعنى السلبي إنما في العمق لا بد ان يكون الشعر فضحا.

3- حزت على جائزة لابلوم الفرنسية من مهرجان تيرانوفا، والجائزة الكبرى من مؤسسة أورياني الفرنسية عن (سلالتي الريح عنواني المطر) ماذا تعني لك الجائزة ؟ وماذا تقدم للمبدع عموما؟

* لا تعني شيئا على الإطلاق، ولم تشكل لي أي إحساس بالظفر، تم تكريمي من قبل المؤسسات الفرنسية، ومنحوني هاتين الجائزتين بعد أن ترجموا هذه القصيدة وغيرها، لكن لم أتوهم أن ذلك قدمني بشكل كامل للقارئ الفرنسي او الغربي، ربما تمنح الجوائز أصحابها إحساسا زائفا بالتفوق لكني بصدق لم اشعر بذلك، ولا اعتبر الجوائز عادلة، فهي تجيء في ظروف معينة، وربما تمتاز الجوائز الاجنبية بحسابات للمعايير الفنية اكثر منا، خاصة وان الجوائز العربية تعطى بقرارات لجان وحسب المناطق وللأسف فإن كل شئ يتم اعتباره في تقديم الجوائز العربية إلا المعايير الجمالية. من هنا قد يكون الفرنسيون الذين منحوني الجائزة أقرب إلى قصيدتي من بعض قراء العربية، وهذا ما يحز في النفس نوعا ما، لكن كما قلت لك؛ لا أعول على الجوائز، وهي لا تعني أن من ينالها أهم ممن لم ينلها، لان الإبداع يجب أن يكون فوق الجوائز والمكرمات والأعطيات وكل الحسابات الرقمية.

4-  تقول: (المرأة التي لا تصيبني بالحسرة وردة بلا شذى)
أي نوع من الحسرات تعني ؟ وهل على كل امرأة أن تحمل نكهة حزن في عينيها كي تغري الشاعر فيك؟


*يا إلهي هل قلت انا ذلك؟؟ هذا جنون وشبق لا حد له، ومن أعطاني الحق لأجبر كل امرأة في الدنيا أن تصيبني بالحسرة، وأجبر كل وردة في حديقتي أو حديقة الجيران لتمنحني بعض شذاها. هذا منتهى الأنانية والمرض، هذا جنون وليس من حقي أبدا سواء كانت تحمل في عينيها حزنا او فرحا، أن تحاول إغرائي أو إغوائي، ليست هذه مهمة المرأة على كل حال، لكن لماذا قلت ذلك، ربما لحظة الكتابة كنت مريضا او لدي شعور بنقص ما.

5-  نلاحظ سيادة اليأس والقنوط عموما على نصوصك، ألا من فرح ما ؟ متى يفرح موسى حوامدة؟

*حين انتهي من التخلص من شيء من اليأس والقنوط اللذين يسكنان داخلي، أشعر بشيء من الفرح، لكن ذلك يكون مؤقتا لان الشعور بالغبطة بعد انتهاء الكتابة سريع الزوال، إنما لم أتخل عن إيماني بان هناك فرحا ما، قد يكون مخبئا داخلي ويحتاج إلى إشراقة ما، دعنا لا نفقد الامل بحتمية الفرح.

محمد ديبو
(10 يوليو 2008)