الإعلان

 

أدب قسم عام «لا بد أن تعرف نفسك أولا قبل أن تكتب»: حوار مع رءوف مسعد
«لا بد أن تعرف نفسك أولا قبل أن تكتب»: حوار مع رءوف مسعد
مروان علي   
«لا بد أن تعرف نفسك أولا قبل أن تكتب»: حوار مع رءوف مسعد | كل لقاء مع صاحب ( بيضة النعامة ) رءوف مسعد مشروع حوار او لنقل انه حوار من طراز خاص ، دائما ثمة ما يثيره ويحفزه لخوض نقاش طويل وعميق

ورغم إنتاجه الابداعي المتميز (بيضة النعامة )، (مزاج التماسيح)، (غواية الوصال) و(في انتظار المخلص ) و(إيثاكا ) والعشرات من القصص القصيرة والمسرحيات والدراسات الفكرية ، يشتغل على نص جديد له كما لو أنه نصه الأول.

هنا إجاباته على أسئلة طرحتها عليه في أكثر من لقاء - بحكم الجيرة .. غريبان في امستردام يقول رءوف ضاحكا - وكان واضحا وعفويا وصادقا كعادته.

«الكتابة عندي بمثابة  "حبة الأسبرين "  التي أتناولها يوميا بانتظام لكي تخفف عني آلام التواجد في الحياة اليومية . فلست  أدعي أمراضا جسدية  أو نفسية، ولا أزعم شقاء شظف العيش،  أو  فقدان  الأحبة  والخلان. لكن مجرد التواجد اليومي وممارسة " البقاء "  يكلفني شططا، خاصة وقد طعن العمر فيّ واشتعل الجسد شيبا !

البعض يقول -  ولعله  محق -  إن  الكتابة  فرحه  الخاص، أو أنها وسيلته  لتغيير العالم. وأنا  أقول "كل نفس مسيرة  لما  قدر لها". حينما  اكتشفتُ - للأسف  - في سن متأخرة، خطأ تغيير العالم من خلال الكتابة،  وحين  تبين لي،  أثناء ذلك،  أن  العالم  لا يتغير سلميا بالعمل السياسي،  بل بالانقلابات  العسكرية والثورات  المسلحة  قنعت من التغيير بالقعود  أمام  طاولة  الكتابة،  أحاول أن استكشف لماذا خدعتُ نفسي طويلا -  ولن  أقول انهم  خدعوني ! - وبالتالي أبحث لي عن مكان آمن لا تراودني فيه كوابيس الفشل، و"مُسكّن "  لأوجاعي "  الشخصية.

البعض حينما  يهتز يقينه  في ثوابت صباه  وشبابه  يبحث عن  يقين  آخر: قد يجده  في الدين والتصوف. قد يجده  في الغياب عن الوعي بالخمر والمخدر،  أو بالانغماس في أشياء لا طائل من ورائها مثل الرياضة  البدنية  ولعب الطاولة والنرد!

جاء اكتشافي الذي أجلته كثيرا " لأفعل الكتابة " كبديل لأفعال هُزمت فيها شر هزيمة، مثل ما أشرت من قبل: السياسة،  وبقية المؤسسات الاجتماعية والدينية . 

مؤجلة، لأني تعلمت أن أتهيب ما  لا أعرفه. فمعرفة الكتابة تبدأ بمعرفة الواحد لنفسه. ليس فقط لطموحاته المشروعة  وغير المشروعة، لكن كما قال الفيلسوف اليوناني "  اعرف نفسك " أي أن  تكتشف مخابئك  الخاصة، وأسرارك السوداء التي لا تبوح  بها  لأحد، وحقارتك الخاصة  المستترة خلف أقنعة من الادعاءات  والأكاذيب: خوفك  من  الموت، رعبك  من  الترك  وحيدا  في من  رفيق أو  زوج  أو ولد.

لكنها حلقة مفرغة من المعرفة: فلكي تعرف نفسك عليك أن تعرف أنك تريد أن تعرف. هكذا مثل تماثيل العرائس الروسية:  تفتح مغاليق واحدة،  لتبرز لك  أخرى !

لكن متى أصررت وواصلت، ستكون قد " عرفت "  كل هذا  وتبينته،  وتصالحت  معه،  واعترفت  به.

حينئذ تكون قد تجهزت لبدء الرحيل إلى الكتابة:  بفعلها ، والتعلق بها  وكراهيتها، والإحباط منها، فهي تداورك وتظهر لك  بعض مفاتنها، فتقع  في أحابيلها، مثل النباتات  آكلة  اللحوم، فما  أن  تلمسها  حتى تنغلق عليك أكثر فأكثر داخلها . وكلما  حاولت  التخلص منها  زادت  من  خناقها  عليك  حتى  تلتهمك. ولكنك مسرور بذلك، ذلك السرور الوحشي المصاحب للفناء في المحبوب .

هي مثل الإله  اليهودي في التلمود الذي يقول عن  نفسه: " أنا  إله غيور لا أقبل أن يشاركني أحد ".

فالكتابة لا تقبل الشرك، عبادة  المال وحب الذات  والتمتع  باللذائذ الدنيوية. هي أقرب إلى " الدخول في التصوف "  والحياة به ومنه وفيه .

سوف تجد نفسك  قد ألقيت،  بعيدا  عنك  الحسد من  زملاء المهنة  الذين  تتساقط عليهم  الجوائز والتكريمات. تنأى  بنفسك وتنجو من البريق. تقبع  في قبوك، تفكر في فقرة كتبتها  لا ترض عنها .تستمع  لموسيقاك  الداخلية  فترضى عن  نفسك،  وتربّت  عليها .

تنفي نفسك بعيدا عن أضواء ومحافل وولائم وصحبة، تعتكف محاطا بأسوار عزلتك متفرغا  " لها " تحبها  كما  قالت  العدوية " حب الهوى وحب لأنها أهل لذاك " !

ومن  " درجات المحبة "   تأتي كتاباتي متناغمة  معها  في خط واحد طويل متصل وإن بدا  للنظر المتعجل،  متقطع. هو  غير مستوى  لأنه  يتنقل في درجات  من  النضج  والوعي بالعالم،  أعرف انه سيتواصل معي ويطورني،  حتى  اليوم  الأخير.

هي  " درجات  الجسد "  أكتب للجسد .. اكتب فيه  .

كتابة الجسد ليست  بهدف " الإثارة "  لكن  بقصد التعرف ، على  " رفيق للروح "  .

فالرحلة  من  بيضة  النعامة  التي بدأتُ كتابتها  في بداية  الثمانينات  وحتى كتابي الأخير هذا هي رحلة  داخل دهاليز  النفس البشرية بلحمها ودمها وروحها وتوقها  للتواصل والخلود .

روايتي ( غواية الوصال ): هي عن  فعل التواصل .  بالدقة  عن  اللاتواصل وقد أسميتها  "  غواية  الوصال " والغواية  الوحيدة  هنا ليست  الإغواء الجسدي الإيروتيكي ،  بل غواية لا تتحقق بكاملها  .  

«لا بد أن تعرف نفسك أولا قبل أن تكتب»: حوار مع رءوف مسعد | وفي خط الجسد، وتشعباته عن الوصال والتواصل الذي أبحث عنه  وله، عن  صيغة،  مع  ابنتي المراهقة  "  يارا "  التي بلغت هذا  العام  خمس عشرة سنة .

كيف يتسنى  لنا  أن نتواصل مع  بعضنا  البعض ، حتى وإن  كنّا  من  الثقافة  ذاتها  بلغتها  وخبراتها  المتراكمة؟ فما  بالك،  وهي بعضها  مني وبعضها من أمها  الهولندية؟ لا يفصل بيننا حاجز العمر فحسب ، لكن  اللغة  بمكتسباتها الخاصة  وتعبيراتها  البالغة  الخصوصية  (  لغة  الأم  كما  يقال وليست  لغة  الأب ! ) مضافا  إليها  الحالة  الثقافية  التي تعيشها ،  البنت، كواحدة من المجتمع  الهولندي الأوربي بمزاياه  ونواقصه  .

كان حلي الوحيد  هو  الكتابة.

أقنعتها  أن  تشاركني في كتابة رواية عن واحدة مثلها، في عمرها وأب لها مثلي في عمري " مهاجر "  يعيش بين  ثقافتين وعالمين ولغتين حتى في أحلامه  وكوابيسه  .

رواية عن " ابنة  مهاجر "  تدور أحداثها  بين  بلاد عربية  وأوربية لتنتهي في هولندا  حيث يحصل المهاجر (ليس أنا  هنا)  على حق اللجوء السياسي،  ويتزوج  هولندية  وينجب بنتا.

تحمست يارا وبدأنا في العمل سويا.

ما زلنا نجرب بعض الطرق ولم نصل إلى شيء نرضى عليه كلانا.

وقد وقعت  اتفاقا مع  ناشري الهولندي أن  تُرجم  القصة  فور الانتهاء منها  إلى الهولندية. في الحقيقة  الجزء الذي سأكتبه أنا. فالجزء الذي ستكتبه  يارا سيكون  بالهولندية  .

وسنضع  اسمينا على الغلاف !

أنظر كيف تبيض الكتابة، وكيف تتوالد !

ومثلما  استخدمت  في " غواية  الوصال "  مقابلات واستجوابات لشخصيات الرواية النسائية، ونسختها  كما هي بعد استئذانهن وتغيير أسمائهن،  ستكون " ابنة  المهاجر " عملا من نوع  جديد ، تختلط فيه التجربة الشخصية بالتجربة  المخلوقة.

أنا الآن في الخامسة والستين، لا أكف عن " التعرف " على طرق ووسائل غير مطروقة  في الكتابة. هذا  يعطيني الإحساس بحرية  الحركة كما يوفر  لي تجوالي في دهاليز لم  تُطرق من  قبل .

يصدر لي قريبا كتابان بالعربية: كتاب عن السودان وعن علاقتي به ورحلاتي إليه وحروبه وأشواق أهله. هو كتاب سياسي وشخصاني ووثائقي ورواية غواية الوصال .

وسيصدر بالهولندية في أواخر هذا  العام، حواراتي مع  الدكتور نصر حامد أبو زيد.

وقد بدأت بكتابة مسودات وأفكار وفصول صغيرة من " ابنة  المهاجر ".

هذه حبات الأسبرين الذي  أدمنته.

خطى  ُكتبت  علينا. وسأمشيها مسرورا !»

 

مروان علي
(10 يوليو 2008)