الإعلان

 

أدب قسم عام الذبيحة والركن
الذبيحة والركن
كمال الرياحي   

الذبيحة والركن | صفعها بشدّة في ركن المحلّ القذر.
أسندت رأسها إلى الزاوية الحادة وسترت عريها بالورق الرمادي الخشن. مسك السكين الكبيرة تأمّل ساقيها السمراء تابع تلك النبال التي تنهض من تحت الجلد شعر قاس كالإثم تأمّل المفصل جيّدا ثمّ هوى بها على فخذ البقرة الذي كان أمامه  على "القرضة" سحبة هادية ساقيها و تكوّرت أكثر في زاوية المجزرة ثم سألته :

- لماذا تفعل هذا كل مرّة؟!
- ماذا فعلت؟!
- لماذا تصفعني كلّما انتهيت؟!
- اللذة لا تكتمل إلاّ بذلك
- لكن ذلك يؤلمني ألا ترى آثار كفّك على خدّي..لقد تورّم
- ليس مهمّا
- ماذا تعني؟!
- الورم اكتسح كل شيء
- أنت الذي تعوّدت رؤية الدّم و الذبائح... لماذا تركت التدريس لتشتغل جزّار... مازلت لم أفهم! لماذا؟

عاد يهشّم رأس الذبيحة في عصبيّة... مسك الأذن وجزّها بالسكين... التفت إلى هادية الملفوفة في ورقها القاسي و صاح بها: 

- أرأيت ما فعلته بهذه الذبيحة؟ كانت بقرة جميلة ترعى في الحقول و ترضع صغيرها وصغار القرية. وعندما جاع صاحبها باعها و لمّا هممت بنحرها لم تمانع... ولم تعترض... عندما ذبحتها وسلختها وبعت جلدها وشطرتها نصفين وهشمت دماغها و قطعت ذيلها... لم تمانع...م ثلي أنا لم تمانع... هذه الذبيحة مثلي أنا... هذه البقرة... مثلي أنا... لم تقل لا... مثلك أنت لم تقل لا...
 - ماذا كنت تستطيع فعله؟
- كان يمكن أن أرفض... أعترف أنّها كانت شهيّة بثوبها القصير و شعرها الغجري...وهي تدفع إليّ بنهديها تفاحتّين من ذلك التّفّاح الذي يذهب العقل و يخرج من الجنّة...أ عترف أنّي منذ القبلة الأولى شعرت بالإغماء... أعترف أنّي اكتشفت هجير نفسي لمّا لامست شفتاي أذنيها...أ عترف أنّ فحولتي تضاعفت آلاف المرّات و انتصبت هرقلا لا يرحم...
كنت أعلم أنّ برجي الثور لكنّي لم أشعر بانتمائي إلى عالم الثيران إلاّ ساعة هجمت على حمرتها أبعثر اكتنازها... أعترف أنّي تساءلت إن كنت أنا من كان قبل ساعة صاحب اللحية الوقورة وربطة العنق الأنيقة والمحفظة السوداء الحبلى بالمصادر و المراجع أبدا لكنني سرعان ما عدت إلى نداء الجسد المسكون بالشيطان الثائر مثل البركان و أجّلت النظر في ملفّ ذلك البائس الذي كنت.

أعترف أنني عندما انتهيت نظرت إلى فريستي فوجدتها مثل هذه الذبيحة مطروحة قد تهدّل ما كان ثائرا فيها وهجع ما كان متوهّجا فيها... تأمّلت صورتي في المرآة ففزعت مما رأيت:ل قد تلطّخ قميصي الأبيض بأحمر الشفاه و تسربل بدماء طفولتها وتبعثر شعري وانسابت خصلاته على جبيني فبدوت كـ"  Sean Connery " في بعض أفلامه ذئبا أدرك صيده بعد جوع طويل... كم كنت خجولا من لحيتي البيضاء ومن جبهتي العريضة وجبيني المجعّد بالأودية... كنت أشعر بتلك التجاعيد تجلدني... وبتلك اللحية تذبحني من الأذن إلى الأذن...
ماذا فعلت؟ لماذا ضعفت؟ ...لماذا ضعفت؟ ...لماذا... ؟
انهار باكيا على "القرضة" النازفة لحما و دما امتص دموعه....... عضّ على جمجمة البقرة المذبوحة بين يديه التفت إلى هادية التي مازلت تحتمي بالركن: انظري حتّى البقرة تخرج لسانها ساخرة مني شامتة بي. انظري لسانها... ها هي الكتب التي درّست بها الفلسفة... هذه المصادر التي درّست بها المثل... هذه جمهورية أفلاطون... وتلك أعمال الفرابي... هذه المدينة الفاضلة... وهذه أخلاق كانط... وتلك مقالة ديكارت... الأخلاق... القيم ؟ التي تبجّحت بها أعوام ها هي تتحوّل ورقا رخيصا ألفّ فيه كبد البقر ولحم الخرفان و "مرقاز" الخيل...
لم يمكنني حتّى أن أكون جزّار شريفا... ها أنا أخلط لحم الخرفان بلحم الماعز...و لحم البقر بلحم الحصان... ما أشبهني بك يا هادية لمّا تطعمينني نهدا معطوبا أكله الخبّاز قبلي... ما أشبهني بهذه "القرضة" العاهرة التي لا تقول لا... فعلى ظهرها تقطّع لحوم الخرفان و الخيل و الأبقار و الحمير و لا ترفض...
انظري هذه الدماء المحيطة بي من كل صوب... دماء الخطيئة دماء تلك المراهقة التي لم أرحم ضعفها ونهشتها بعدما تعلّقت بخطبي و فلسفتي و قيمي و أخلاقي...
لقد كنت أصفع نفسي لما كنت أصفعك يا هادية أصفع فجري و عهري و ارتدادي... إنّك  وجهي...
اتجه نحو الركن المقابل ضمّ ركبتيه إلى صدره تكوّر... وبدأ الأنين يأتي خوار.

كمال الرياحي
(17 يوليو 2008)