الإعلان

 

أدب قسم عام القص والشيطان
القص والشيطان
كمال الرياحي   
القص والشيطان | يقول غوته في فاوست: «أيها المولى الجليل[...]أنا لا اعرف كيف اتحدّث عن الشمس و لا عن الأجرام السماوية وإنّما أعرف بني البشر وكيف يعذّب بعضهم بعضا. إن ابن آدم – اله الأرض الأصغر - لم يزل على طوره القديم لم يتغيّر. و هو اليوم عجيب "غريب" كما كان في اليوم الأوّل. وأن حاله قد تحسّن وعيشه قد طيب،لو لا انّك منحته ذلك الشعاع منا لنّور السماوي، الذي سمّاه العقل. و اتّخذ منه آلة يتوسّل بها لكان  أكثر بهيمية من البهائم، وأكثر وحشية من الوحوش».

ويقول ميشال بيتور: «القصة ظاهرة تتجاوز حقل الأدب تجاوزا كاملا فهي إحدى المقوّمات الأساسية لإدراكنا الحقيقة . نحن، من حيث نبدأ أن نفهم الكلام حتى موتنا محاطون بالقصص دون انقطاع».

تبدو لي القصص، كما تشي بذلك عبارة بيتور، نباتا شيطانيا ينبت أينما شاء، فلا أرض له و لا وطن، هائم على وجهه قد يعترضك في الصحاري و قد يباغتك في البحر و قد تصادفه في الجو/ الهواء. وهو مثل الشيطان وسواس خنّاس يستولي على قلبك و عقلك ومهما تمنّعت سيصرعك هواه و يأسرك سحره. ربّما لأنّ فيك شيئا منه فأنت مخلوق من قصّة يعبّر الإنسان عن ذاته و عن الآخرين من خلال القصّ، وهذا ما يكشفه بول ريكور من خلال مقولته الشهيرة "الهوية السردية" في مؤلفه "الذات عينها كآخر".

يقول ريكور: «حين نتساءل أمام وقوع حدث معيّن عمّن كان مسؤولا عنه فإنّنا نردّ بإعطاء اسم احدهم ،أي بإعطاء اسم علم معيّن.غير أن هذا الشخص الذي أعطيناه هويّة لا تختصر حياته بهذا الحدث فقط،و من اجل التعرّف إليه لا بدّ من أن نروي قصّة حياته بأكملها . غير أن سرد حياة لا يمكن أن يكون موضوعيا بل يمزج فيه الواقع بالخيال، و نحن نميل دوما إلى ذلك لأن وضع الأحداث بقالب قصصي يسهّل علينا عملية فهم الفرد و استيعاب مختلف أطوار حياته».

إذا ما تذكّرنا أن الشيطان أو ابليس أحد علل وجودنا على الأرض أو أحد متمّماتها فهو /ابليس الذي قصّ على آدم و حوّاء قصة الشجرة المحرّمة فأوعز لهما أنها شجرة الخلود و كل من أكل من ثمارها لا يقربه الموت لذلك حرّمها الله عليهما حتى يكون الموت مصيرهما. اعتقدنا أن القصّ أيضا سليل الشيطان في جوهره  و أن ما نقرؤه ليس سوى أنسنة لهذا النشاط الشيطاني، إذ الشيطان قصّاص كبير لا يمل خلق القصص و روايتها. الفرق بين القاص/ الإنسان و القاص الشيطان أن الأول يتوجّه بقصّه لأبناء جنسه ولعدد غير محدود من المتلقّين، أي انه قص مفتوح و "باب مفتوح" على المتعة المباحة بينما القاص الثاني /الشيطان يقصّ لجنس آخر : قص شخصي يهمس في أذن متلقّيه وحيدا بقصّة خلقها و ابتدعها له دون سواه. قصّة على مقاسه النفسي و الذهني و الأخلاقي و هي قصّة تستهدف ضحية و فريسة و تحدث متعة محرّمة لخالقها .

و إذا ما عدنا، أيضا، بالنظر إلى علاقة المرأة بالقصّ من خلال استحضار صورة شهرزاد التي تروي القصص من أجل غواية شهريار و تأجيل الموت القدري و درء ذبحة السيف الصباحي ، صدّقنا أن القصّ هو الحياة و أن الحياة لا معنى لها في غياب الشيطان فهو محرّكها الأساسي الذي يحول دون سقوط الإنسان في الملائكية.
و إذا ما اعتبرنا أن الغاية من القصّ هي إحداث متعة ما: متعة الخلود عند آدم و الشماتة و لذّة كسب الرهان التدميري عند الشيطان و متعة البقاء عند شهرزاد و متعة الحكاية عند شهريار ، انقلبت المتعة طرفا رابعا لتقاطع عملية القصّ : الشيطان /الإنسان /الحياة /المتعة .

اقترن القصّ أوّل أمره عند بعضهم بالإفساد :افساد الذائقة و إفساد الأخلاق  و لا حاجة لنا بالعودة إلى التذكير بقصته مع أساطير الأوّلين لكننا سنذكّر بنشأة الرواية الغربية حينما اعتبرت مفسدة للأخلاق مع بوالو و نذكّر بمحاكم التفتيش التي لاحقت القصاصين و الروائيين عبر العصور منذ فلوبار مرورا بسلمان رشدي و محمد شكري إلى دان براون. و قد شبّه الروائي التونسي حسن بن عثمان السرد بمستويات الجريمة  فقال : «إنّ القصة القصيرة جنحة و الرواية جريمة. ويرجّح كل من رولان بورناف و ريال أوئيليه في كتابيهما "عالم الرواية" أن كتابة الرواية عمل شيطاني ف"متعة الروائي الكبرى  [...] هي أن يرى شخصياته تقاومه و تتحرّر منه [...]و تعيش حياتها الخاصة : كما الشيطان تتمرّد على ربّها الذي وهبها الحياة و الوجود».

و يبدو أن العزلة تمثّل الفضاء النموذجي لازدهار الشيطنة و هذا يعود بنا إلى الحديث الشريف «إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية و الناحية فإيّاكم و الشّعاب».
و ينسحب هذا على المبدع بصفته يعاني من الإفراد أبدا، فهو الخارج عن القطيع دائما يعشق العزلة و الانزواء  وهذا ما يجعله عرضة أكثر من غيره لغواية الشيطان ،و في ذات السياق شبّه اليوسفي في "فتنة المتخيّل" الشاعر الصعلوك المفرد بالشيطان المخلوع .

عندما جاء الإسلام لم ينظر إلى المبدع بصفته شيطانا رجيما إلاّ ما تعلّق بفنّي النحت و التصوير ربّما و الدليل مكانة الشاعر حسّان ابن ثابت عند الرسول صلى الله عليه و سلّم. و من ثم فمن شياطين الإبداع من وظّف شيطنته لصالح أمته و قبيلته و هويته فكان استثمار فعل الشيطنة استثمارا ايجابيا و لم تعد كلمة الشيطان تعني إلا "فائض" مجاز الذكاء و الدهاء . خاصة أن الشيطنة أصبحت صفة جديدة للإنسان المعاصر المنغمس في الشهوانية و المجون و الذّي جعل الظلم و الإفساد أهم مشاريعه. تأكيدا للطبيعة البشرية المجبولة على إراقة الدّم كما يصفها إبليس غوته فيما صدّرنا به كلامنا .

يتمظهر الشيطان ، كما هو متعارف، في أشكال مختلفة فهو لا يكفّ عن تغيير هيئته فيلقاك في صورة فاتنة أو شبح أو شيخ وقور و قد يعترض طريقك في شكل حيوان أو انسي أو جنّي . كذلك يتلوّن القص.

كمال الرياحي
(23 يوليو 2008)