الإعلان

 

أدب قسم عام خارج اللغة (اعترافات كورية 1)
خارج اللغة (اعترافات كورية 1)
عدنية شبلي   
خارج اللغة (اعترافات كورية 1) | أحاول أن أذكر المرة الأولى التي سمعت فيها عن كوريا. كان  عمري عشر سنوات تقريبا وحاولت أن أجد ردا على السؤال الذي وجهه لي المدرس يوما ما: "ماذا تريدين أن تُصبحي عندما تكبرين؟". بعد قبول أني لا يمكن أبدا أن أكون مغنية، حيث ليست لدي الأذن لكي أسمع وإنما الصمت، اتجهت إلى الرياضة. أنا مارست الرياضة في طفولتي وشبابي بتعصب، ليس فقط ممارستها، وإنما أيضا ملاحظتها. كان عام 1984 والعيون ملتصقة بشاشات التليفزيون، شاهدت حفل افتتاح الألعاب الاوليمبية الشتوية في سيول، كوريا، مكان لم أستطع تحديد موقعه على الخريطة ولم أفكر حتى في أن أنظر إليه في أي خريطة مماثلة. الأغنية التي قُدمت خلال هذا الحفل كانت ترددها شقيقتي بشكل سحري وهي التي لا تستطيع تذكر سطر واحد بسيط مما تعلمته في المدرسة. استمرت في تكرار تلك الأغنية يوميا، بينما كنت أنا جالسة أمام التلفزيون، أتابع حركات أجسام الرياضيين بافتتان. ولكن أيضا أعمدة الدخان تصاعدت من أحد الأحياء في سيول، حيث عشرات من المتظاهرين نزلوا إلى الشوارع، احتجاجا على الألعاب التي جرت تحت رعاية الدكتاتورية الشريرة في كوريا المقسمة. تابعت كيف كانت أجسام هؤلاء المتظاهرين تتعرض للهجوم والجر في الشوارع من قبل رجال الشرطة والجنود، تماما مثلما تابعت أجسام الرياضيين وأنا أنجز ما يستطيع جسدي فقط أن يحلم بما يفعله.

ثم انقضت كوريا تماما من حياتي حتى عام 2003. كنت في معرض الكتاب في فرانكفورت، الذي استضاف في ذلك العام الأدب العربي. بجرعة زائدة بكل تلك المباهاة الأدبية، لصقت عيني بالأرض، أينما كنت هناك. ذات مرة بعد الظهر، وبينما أنا أتنقل من قسم إلى آخر، محاولة إيجاد مخرج، فجأة لاحظت طرف ثوب طويل أسود يتحرك بحرية وعفوية، بطريقة لا يمكنني إلا أن أحسدها. وبسرعة رفعت عيني وشاهدت سيدة تسلم بعض الكتيبات التي تحمل بعض المعلومات عن الضيف الأدبي الكوري للعام القادم.

في ربيع هذا العام وصلت إلى كوريا، إلى سيول، لكي أبقى بضعة أشهر. في أول ليلة لي هنا، قبل النوم، أحد أصدقائي الذي أحضرني من المطار، ذكرني بأني لا أعرف شيئا هنا، ولذلك قدم لي المشورة بألا أخرج بعد منتصف الليل. سيول هي مدينة في غاية الخطورة. وبالطبع استجبت لنصيحته كالعادة مثلما اتبع النصائح في كل الحالات غير المألوفة. استيقظت في الساعة الثالثة صباحا، وخرجت وبدأت أتجول في المنطقة التي أقيم فيها. قلة من الناس كانوا يأكلون ويشربون على جانبي الشوارع، رجل يصرخ بأغنية من باره الفارغ والذي كانت أبوابه مفتوحة على مصراعيها، وآخرون كانوا يتسكعون. أردت مثلهم تناول الطعام والشراب، وأن أصرخ بأغنية وأن أتسكع. ولكن كما في الأحلام، حيث عادة ما لا أدلي بكلمة، ظللت أتجول ليلا في صمت. وكانت علامات الطريق والأصوات العالية كانت كلها شبيهة ببعضها بالنسبة لي، مثل الموسيقى التي ليس لي أذن لسماعها. لم أكن أستطيع فهم ما سمعت، أو حل الرموز على واجهات المباني، ولوحات الإعلانات، وعلى رأس المتاجر، التي كانت حتى ذلك الحين، كل ما استطعت مشاهدته من المدينة.

وبينما كنت أواصل المشي، اقتربت أكثر من أن أكون قادرة على استخدام اللغة. ولكن تدريجيا بدأت أشعر بفرح داخل تلك القدرة المطلقة على عدم القراءة أو الكلام. لقد سُجنت داخل اللغة منذ كنت طفلة، ولكن الآن أنا فجأة "حرة اللغة"، لدرجة أن بطني أصيبت، بعد أن فشلت في أن أشرح لمن كانوا في الشارع أنني كنت أريد أن أتناول الطعام. لقد عُدت إلى غرفتي دون طعام تلك الليلة، ولكن مع شعور بحرية خالصة من حمل اللغة. يا لها من جنة تلك التي ألقيت فيها.                                                                   

عدنية شبلي
(31 أكتوبر 2008)

الترجمة العربية: حسن فايق