الإعلان

 

أدب قسم عام حمل الكلمات (اعترافات كورية 2)
حمل الكلمات (اعترافات كورية 2)
عدنية شبلي   
حمل الكلمات (اعترافات كورية 2) | بالصدفة أرى صورة لجزء من تل تجرى فيه أسوار حجرية واطئة تجعل من التلال شرفات مستوية لتنمو فيها أشجار الزيتون بأقل عناء ممكن. هذا المشهد الذي يظهر في الصورة هو أكثر المناظر ألفة في فلسطين، لدرجة أن المرء لا يمكنه أن ينظر إليه باهتمام شديد، كما رحت أفعل لحظة رأيت الصورة، والتي ربما لم تكن لتعني كل ما عنته، لولا أنني كنت قد عدت للتو من الخارج. استقليّت الحافلة بدل القطار الأرضي ذلك المساء متجهة إلى بيتي بعد حفل عشاء في حي قديم في سيول. كانت نباتات الفلفل والسمسم المزروعة في علب قصدير كبيرة والجرار البنية الضخمة كتلك التي يمكن علاء الدين الاختباء داخلها، ولكن تستخدم هنا لحفظ العصيدة ولتخمير مختلف أنواع الطعام، تصطف بنظام وتصميم في كل ناحية من الحي، في أزقته وعند مداخل البيوت وفوق شرفاتها وأسطحها المنخفضة. تركتها جميعا في عتمة وسكون الحي وصعدت إلى الحافلة، حيث اتخذت المقعد المحاذي للنافذة مكانا لي، وأسلمت عينيّ إلى سيول، بينما هي تجرهما في ليلها. شوارع تتناثر فوقها بكثافة أضواء السيارات، شباب غادين ورائحين على الأرصفة، ولافتات ضوئية بألوان صاخبة تتقافز من كل صوب جاعلة من المدينة أشبه بواجهة صندوق آلي للعب القمار في ركن أحد المقاهي.

وهكذا إذ أعود إلى البيت وأرى بالصدفة صورة ذلك التل من فلسطين، أدرك بشيء من الهلع، كم بت بعيدة.

لقد اختفت مثل هذه التلال من مجمل المناظر التي رجت أجول فيها خلال الأعوام الخمس الأخيرة، بعد أن غادرت فلسطين. وها أنا الآن فقط أكتشف بأن ما كان وجودي جزءا منه لسنوات طويلة، إنما هو بعيد للغاية، وقد بت خارجه، منفصلة عنه.

من بعد كهذا أهرع للبحث عما لم أنفصل عنه ولا يزال يصحبني رغم مغادرتي المكان.

لكن حتى الهال الذي كنت قد أصرّيت لوقت طويل على حمله معي، يربطني بعبقه الحميمي بالكثير مما وممن هناك مهما ابتعد، لم أعد أحمله مؤخراً. فقد باتت ذراته الصغيرة تبدو كما لو أنها تثقل على عبئي.

كل ما أجد هو حاجة ماسة للكتابة.

لشخص هائم مثلي، همه الاحتفاظ بأقل ما يمكن من الأشياء، لحمل أقل ما يمكن من الأثقال. الكلمات إذاً، التي لا ثقل لها ولا حجم ولا عبق، إنما ساكنة غير مرئية أو ملموسة هي فقط ما بات يمكنني حمله في هذا التجوال الدائم من مدينة إلى أخرى. لكنها قادرة على أن تفعل ما تفعله الحجارة التي تظهر في تلك الصورة، إذ تقتدي بها. بكل الأنواع والأحجام، صغيرة وكبيرة، ثقيلة وخفيفة، تصطف فوق بعضها البعض، تلتحم معا على اختلافها، لتحول من كل أرض غريبة، أرض يمكن العيش فيها بعناء أقل.

 

عدنية شبلي
سيول، أيلول 2008
تم نشره يوم 31 أكتوبر 2008