الإعلان

 

أدب قسم عام الكتابة من الورقي إلى الرقمي: سيرة السخرية المتبادلة
الكتابة من الورقي إلى الرقمي: سيرة السخرية المتبادلة
كمال الرياحي   

الكتابة من الورقي إلى الرقمي: سيرة السخرية المتبادلة | قوبلت الكتابة الرقمية في بداياتها بسخرية لاذعة تذكرنا ببداية كل فن جديد أو جنس أدبي جديد. فقد قوبلت التكعيبية مع براك وبيكاسو في بداية القرن العشرين بالسخرية والتهكم وكذلك قوبلت السينما بالسخرية وبالفزع أيضا. ولم يسلم فن المعمار الحديث من الرفض والسخرية ونفس الشيء مع وسائل الاتصال الحديثة فقد ظل ظهور الواحد منها قرين السخرية وأقرب الأمثلة الدالة على ذلك الهاتف الجوّال الذي أنتجت حوله آلاف النكت والطرائف. وقد أطلق، تهكّما، على المشتغلين بهذه التكنولوجيات: جيل البورتابل وجيل الانترنت وجيل الفيس بوك.

هل من تفسير لردة الفعل هذه؟
أعتقد أن ما يفسّر هذا الهجوم على الجديد هو غريزة حب البقاء البشرية. فالمهاجم يدافع عن موقعه الذي كابد من أجل امتلاكه سنوات. إنه صراع المركز ضد الهامش المجهول، وكل مجهول خطير.
لماذا السخرية ؟
السخرية هي إحدى أدوات القتال. وهي أحد المؤشرات الكبرى على التحول في الصراع. لنتذكر معا أن بالسخرية حوربت كل الديانات الجديدة قبل أن تدق أوتادها وتركز أركانها. ألم يقابل الإسلام بالسخرية واتفقت قريش أن تجعل من محمد سخرية قومه؟ التجأت إلى ذلك بعد أن فشلت تجربة القوة و تجربة اللين. لذلك فالسخرية استراتيجية حربية للدفاع وهي آخر الحصون التي يلوذ بها المهزوم.
إن هذا السلاح الفتاك هو الذي يصعّب مسيرة اعتناق الجديد وممارسة شرائعه من قبل النافذين والمطمئنين.

إذا دخلنا عالم الكتابة والكتابة الرقمية فهمنا سبب تأخر مشاركة الكتاب المعروفين في هذا التيار. لقد كانت الحيطة دستورهم مثلما كان سادة قريش ينظرون إلى الدين الجديد. فليست القضية قضية إيمان واقتناع بقدر ما هي قضية خوف من عواقب الانضمام إلى مؤسسة تبدو هشة وليس لها ما يدعمها وما يحميها.
ها هو عدد الكتّاب الراغبين في الانخراط في اتحاد كتاب الانترنت يتزايد بشكل كبير بعد انضمام عدد من الكتاب المعروفين والمرتحلين من الفضاء الورقي.
بعض الكتّاب مازال يقاتل من أجل واقعه الورقي وسيادته الورقية لأنه غير آمن على نفسه من أصابع العنكبوت أو نتيجة عدم قدرته على خوض مغامرة جديدة تحتاج منه تكوينا وثقافة جديدين. مشكلتنا أننا نتصور أن المعرفة تكتسب مرة واحدة وفي خط مستقيم لذلك ينقطع بعض الكتاب والباحثين عن القراءة بعد أن يتحصلوا على آخر الشهادات العلمية أو بعد حصولهم على آخر الاعترافات من المؤسسات الثقافية والسياسية. هم لا يعلمون أن لقب الناقد مثلا هو لقب يحتاج أن يدافع عنه صاحبه كل حين بالمتابعة والتكوين حتى يتجدد مع كل نص يباشره بالنقد. والشيء نفسه ينسحب على المبدع. أحيانا تقرأ رواية نشرت هذا العام فتكتشف أن صاحبها لم يقرأ منذ خمسين عاما رواية جديدة وكذلك الشعر وأغلب هؤلاء من كبار السن وفاقدي الأسنان. إنهم أيضا يعرّضون أنفسهم إلى السخرية فيصنف بعض الشعراء المعاصرين في خانة الشعر الجاهلي المتأخّر وتصنف بعض نصوص الروائيين في خانة الرواية الكلاسيكية المتخلفة لأن النصوص ابنة بيئتها أيضا، وبيئتها هي الفضاء القرائي الذي يتحرك فيه صاحب النص الجديد.

الكتابة الرقمية والكتابة الالكترونية: في المصطلح

رأى الناقد المغربي سعيد يقطين أن التسمية اقترنت بالوسيط فـ"يوسم النص تارة بالالكتروني وطورا بالرقمي. إن هذين الاستعمالين يوظفان كمقابل لـ Eléctronique و Digital وNumérique في اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وهما يشيان بالارتباط الوثيق بين النص والوسيط أو الجهاز الذي يتم من خلاله التعامل مع النص إنتاجا وتلقيا، ولقد تعدى هذا المفهوم النص ليتصل أيضا بالأدب، فنجد الحديث مرة عن الأدب الالكتروني أو عن الأدب الرقمي، وأخرى عن بعض الأنواع مقترنة بأحدهما فنقرأ مثلا: الرواية الالكترونية أو الشعر الرقمي..." (انظر سعيد يقطين ،النص المترابط،النص الإلكتروني...الفضاء الشبكي،مجلة قوافل،عدد23 ص9 )
الخطر يهدد الكتابة أم الورق؟
إن التطور التكنولوجي وظهور الكتابة الرقمية والالكترونية والنص المترابط والنص المتشعب لا يهدد الكتابة إنما يهدد تجارة الورق فلماذا ندافع عن الورق كل هذا الدفاع المستميت؟ لماذا لا ندافع عن الحبر وهو مهدد بنفس القدر؟
الكتابة التقليدية أمكن لها أن تعيش بخصائصها الجمالية في فضاء الكتروني، مثلما أمكن للخط العربي أن يعيش على الورق المطبوع. إن الورق ليس سوى حاملا ووسيطا والجهاز كذلك والقرص الممغنط والمضغوط.
نحن إذن أمام أزمة تهدد أصحاب مصانع الورق ومريديه فلماذا ننشغل كثيرا بهذا الأمر ومهمتنا هي الكتابة وتطويرها مستفيدين من إنجازات العلم واكتشافاته؟
معظم الصحف في العالم أنشأت مواقع الكترونية وربما قريبا ستتحول كل الصحف إلى الكترونية كما ظهرت التجارة الالكترونية. بعض الصحف بدأت مشروعها الالكتروني فلا يمكن لزائر الصحيفة الدخول إلا برقم سري يرسل إليه مقابل اشتراك شهري أو سنوي. فما المشكلة؟ هل هناك فرق بين مجلة ماغزين ليترير الورقية والنسخة الالكترونية؟ وما الفرق بين الكتب الاكترونية والكتب الورقية؟

السؤال الحقيقي بالنسبة إلي هو: هل يمكن لهذه التقنيات الجديدة أن تقدم لنا كتابة جديدة؟ نعم.
إن هذه الامكانات التي يوفرها الكومبيوتر والشبكة العنكبوتية تسمح بمزيد من الإبداع وبامكانها أن تخلق رافدا جديدا للكتابة الابداعية. بل إني أراها تخلق ثقافة كاملة هي الثقافة الرقمية: سينما رقمية، مسرح رقمي، ورسم رقمي. ثقافة جديدة لإنسان جديد أطلق عليه علي حرب الإنسان العددي أو الرقمي.
لكن هذا العالم الرقمي لا يمكن أن يزهق حياة العالم الكلاسيكي فستتعايش هذه العوالم كما الأديان وتتصارع كما الحضارات وتتنافس على الفوز بدعم وزارات الثقافة وميزانيات الدول.
المشكل الأساسي في طريقة طرح المسألة في العالم العربي. نحن نطرح الأمر بقصووية*، نحن قصوويون في رؤيتنا فإما ورقي و إما رقمي، هل هذا راجع إلى كوننا شعوب توحيد؟
لقد سقط المنظرون للأدب الرقمي والثقافة الرقمية ونقادها في المأزق نفسه الذي وقع فيه عبدة الورق فيرون بكل يقينية ووثوقية أن الأدب الورقي انتهى إلى الأبد ولا أحد شكك في الأمر أو مهد له بضرورة إيجاد فضاء ملائم لتطور هذه التجربة الرقمية.

يقول الناقد د.ثائر العذاري في مقال له بعنوان "الأدب الرقمي والوعي الجمالي العربي": "لا نشك أبدا في أن حلول العصر الرقمي سيكون له، من الناحية التاريخية، أهمية أكبر من أهمية اختراع الكتابة قبل ثلاثة آلاف عام، ولا نشك أبدا في أن عصر الكتابة يعيش سنينه الأخيرة، قريبا ستكون الأقلام والدفاتر في المتاحف وسينظر إليها كما ينظر اليوم إلى نقوش الكهوف."
وبنفس الوثوقية يقارب رائد الرواية الرقمية العربية محمد سناجلة الأمر في مقالات له مبشرا بنهاية الورق والكاتب الورقي. ويذهب بعيدا في تصوير مستقبل هذا العالم الرقمي فيقول: "على اللغة أن تكون سريعة، مباغتة، فالزمان =1، والمكان نهاية تقترب من الصفر ولا تساويه، ومن هنا فلا مجال للإطالة والتأني، فحجم الرواية يجب أن لا يتجاوز المائة صفحة، بالمقياس الورقي على أبعد تقدير، لن يكون هناك مجال لاستخدام كلمات تتكون من أربعة أو خمسة حروف على الأكثر. أما الكلمات الأطول فيفضل أن يتم استبدالها بكلمات أقصر تؤدي نفس المعنى إن أمكن. ثم ينتقل بعد ذلك إلى الجملة ليقر بعدم تجاوزها الكلمات الثلاث أو الأربع على أقصى تقدير."
( أنظر مقاله :لقد انتهى عصر الورق،مجلة عمان ،العدد 126،كانون الأول 2005 ص61 )
هذا الحماس المبالغ فيه للعصر الرقمي سيكون ذريعة لسخرية أصدقاء الأرضة وعبدة الورق.
كما سبق وقلنا إن هناك فرقا بين نهاية الورق وظهور الأدب الرقمي لأن تحويل المكتوب الورقي إلى الشاشة لن يجعله أدبا رقميا. وقد قارب ذلك سعيد يقطين في كتابين جديدين انطلاقا من القرآن واعتبره أول نص عربي يقع تحويله من الورق إلى الشاشة وبطريقتين أولها التصوير الضوئي أو نسخة pdf والتي تبقي على خصائصه الكتابية الورقية والثانية مع النص المترابط وهنا دخلنا العالم الرقمي.

.ملاحظة: معظم الذين كتبوا نقدا في الأعمال المنشورة رقميا لم يهتموا إلا بالشكل واهتمامهم جاء وصفيا أي مجرد استعراض للمصطلحات ولمعارفهم بالتكنولوجيا ولم أقرأ شيئا عن المضمون الذي يقدمه النص الرقمي وهموم هذا النص الجديد مقارنة بالنص الورقي.
أعتقد أننا مازلنا نعيش مراهقة الكترونية ولم نصل إلى مرحلة الكتابة الرقمية ونقدها.
أعطي مثالا عن المراهقة الالكترونية. بعض الروائيين منذ أن اكتشفوا الانترنت مؤخرا حملوا كل تراثهم الورقي من روايات ورموا بها في مواقع ساذجة من نحو المنتديات غير المسيرة واعتقدوا بذلك إنهم دخلوا العالم الرقمي ولكنهم في الحقيقة قاموا بإعدام تلك الكتب لأنهم وضعوها في فضاءات لا تليق بها ثم كيف سيقبل على نشرها ناشر آخر بعد أن أصبحت متاحة بشكل سافر؟

لاحظنا في من انشغلوا بإطلاق تجارب كتابة رقمية ضعف الاهتمام باللغة وسلامتها فجاءت النصوص مشبعة أخطاء وما يفسر هذا الأمر هو انشغال الكاتب بالتقنية على حساب اللغة وكأنها آخر ما يفكر به في صناعة الرواية أو القصيدة الرقمية.
بعض التجارب الشعرية الرقمية تعيش شيزوفرينيا. إذ تبدو القصيدة كلاسيكية جدا في صورها وفي ايقاعها، فهي إما عمودية أو قصيدة تفعيلة وفي نفس الوقت هي قصيدة رقمية أليس من الأجدى أن تخلق الكتابة الرقمية جديدها في مجال النص المكتوب أيضا.
الانترنت سيكون لها عظيم الأثر في تحول الأجناس الأدبية ولنأخذ مثالا جنس اليوميات الشخصية الذي كان يظهر بعد مرور سنوات من اتمام الكتابة وفي أحيان كثيرة بعد موت المؤلف. سمحت الانترنت اليوم بتلقيه قطعة قطعة ويومية يومية، وفي حوار جمعني بالناقد والمنظر الفرنسي فيليب لوجون صاحب المؤلفات الكثيرة في الأدب الشخصي والسيرة الذاتية وصاحب موقع الميثاق الذاتي Autipacte وكتابا عن الأدب الرقمي "شاشتي العزيزة" Cher écran أكد لي هذا الأمر فيجيب عن أحد أسئلتي قائلا: "فالنشر الحيني واليومي عبر الأنترنيت، يحذف ”سدادة الأمان“ الموصولة بالمراجعة. فما يُنشر في كل يوم سرعان ما يصبح نهائيا، دون مدة للتفكير. "ومن جهة أخرى يرى لوجون أن النشر الالكتروني سيكفل لجنس اليوميات بأن يستمر وينتعش ويكتسح الساحة الثقافية لأن لا يكلف شيئا من جهة ولا يحتاج قارئا ليستمر. يقول: "فاليوميات على الأنترنيت يُمكن أن تواصل وجودها، خلال سنوات، بفضل ثلاثة قراء، بل دون قراء أصلا! فذلك لا يسبب أذى لأي كان، بل يُمكن الجميع مع خطوط متساوية.

أعود في النهاية إلى زاوية الطرح التي بدأت بها مداخلتي، الزاوية الإجتماعية، السخرية. إذا لم ينظر الكتّاب الجدد إلى المسألة بأكثر وعي وخلقوا من بينهم مجانين إبداع يمكنهم أن يقدموا أدبا جديدا بملامح جديدة تتماشى مع هذا التطور التكنولوجي فإن هذه التجربة ستبقى محل سخرية لأن المقياس الحقيقي لتحكيم الأثر الإبداعي هو الإبداع نفسه وليست التقنية لأن في إمكان الكاتب أن يرسم تصورا لنصه ويقدمه إلى مهندس في الالكترونيك ويصمم معه النص كما يصمم موقعا ومن ثم يدخل هذا التقني شريكا في عملية إنتاج النص. أما الاحتكام إلى الوسيط فمسألة ساذجة لأننا ونحن نعلي من شأن الأدب الرقمي مقابل الأدب الورقي نبدو كمن يُعلي من شأن النص المكتوب على الورق الجيّد الرفيع مقابل الأدب المكتوب على ورق أقل جودة. والحقيقة أقول لكم أني سمعت يوما أحد الشعراء التونسيين يتحدث عن فضائل الورق الرفيع "الفارجي"، وهو يقدّم مجموعته الشعرية الجديدة،أكثر من حديثه عن شعره.
صفوة القول، إن الكتابة الرقمية أصبحت واقعا لا مجال لإنكاره لكنها ليست قادمة في عباءة عزرائيل لتقبض روح الكتابة الورقية إنما هما نوعان من الكتابة تحكم كل منهما قوانين خاصة بها وحدها وستتفاعل الكتابتان لتتبادلا التقنيات والإمكانيات.

كمال الرياحي
(13 يناير 2009)
 
* الكلمة مشتقة من كلمة "أقصى" و"قصي" أي تطرف.