الإعلان

 

أدب قسم عام أسمعُ فأتذكّر
أسمعُ فأتذكّر
يوسف بزي   
أسمعُ فأتذكّر  | كان الخبر أن طائرة ليبية نقلت جرحى من غزة، على عدد أصابع اليد، لمعالجتهم في مستشفياتها، فتذكرت "العقيد" معمر القذافي الذي رمى آلاف الفلسطينيين في الصحراء على الحدود المصرية، وما زالوا هناك حتى الساعة.

كان المشهد المتلفز أن الرئيس السوداني يقف ببذلته العسكرية مخاطباً مئات الضباط من جيش السودان قائلاً "ان قتل اسرائيل لما يفوق 350 فلسطينياً هو فعل ابادة "مستنكراً" بطء ردة الفعل العربية الرسمية". فتذكرت أن "الفريق" عمر البشير يشن حرب ابادة (فعلية) على مئات آلاف من مواطنيه في دارفور، هو والجانجاويد وضباطه، وان مذكرة جلبه الى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكابه جرائم ضد الانسانية، لم تصدر بعد خوفاً من ان ينتقم بالمزيد من المجازر في حق أبناء دارفور أو حتى ان يشعل الحرب مجدداً بين شمال السودان وجنوبه.

كانت الأخبار ان جماعة مقتدى الصدر "الممانعة" نظمت التظاهرات دعماً لغزة وتنديداً بالهجوم الاسرائيلي عليها. فتذكرت "بطولات" ميليشياته الدموية في ضواحي الأعظمية بحق المواطنين العراقيين، وتذكرت آلاف الفلسطينيين الذين طردوا الى الصحراء على الحدود العراقية – السورية – الأردنية، مرميين هناك في الخيم، هرباً من تلك الميليشيات بالذات، ولم يستقبلهم أحد حتى الآن.

كان الخبر أن "الارهابي" أيمن الظواهري يندد بأفعال اسرائيل وقصف الأبرياء في رفح وخان يونس وجباليا وبيت لاهيا (والأخيرة تسكنها أقلية مسيحية – لعلم الشيخ المسلح)، فتذكرتُ "المقاومة" العراقية التي أرسلت في يوم القصف المذكور انتحارية لتفجر نفسها بتظاهرة تضامن مع الفلسطينيين في الموصل، مرتكبة مجزرة أودت بالعشرات من المواطنين العراقيين.

كان الخبر أن "المعارضة" المصرية، من أطياف اليساريات والاسلامويات (المقموعة اغلب الأحيان) نظمت تظاهرات ضد الحملة الاسرائيلية على غزة وتضامناً مع حركة حماس. فتذكرت تلك المعارضة بالذات، الصامته عن مجريات السودان الدموية، وهي تتظاهر دعماً لصدام حسين الذي دفن أكثر من 350 ألف عراقي بمقابر جماعية، في "مأثرة" واحدة من مآثره أثناء "استعداده للزحف نحو القدس".

كان الخبر ان محطة "الجزيرة" القطرية تشن حملة دعائية ضد "الأنظمة العربية"، وتعاطفاً مع "المقاومة" في غزة. فتذكرت مطارات قطر وهي تشحن القنابل الى اسرائيل بالذات اثناء حربها على لبنان في صيف 2006.

وقطر نفسها السخية بـ"المال الحلال"، التي شكرها حزب الله وحدها دون سائر الدول بيافطات انتشرت من بيروت وحتى الحدود الدولية جنوباً، هي الامارة الوحيدة التي لم تطالبها "الجماهير" بطرد البعثة الاسرائيلية منها، ولا باغلاق اهم القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة والمتواجدة فيها.

كان الخبر ان ايران الملالي نظمت التظاهرات تأييداً لحماس والجهاد الاسلامي وتنديداً بـ"التخاذل العربي" ، فتذكرت "فتوى" الولي الفقيه خامنئي الذي أصدرها منذ أيام و"حرّم" فيها تطوع مواطنيه لتنفيذ عمليات انتحارية ضد اسرائيل.

كان الخبر أن زعيماًُ لبنانياً "ممانعاً" وقف امام الوفود التي تؤمه مستهولاً مقتل 400 فلسطيني بالغارات الاسرائيلية على أحياء ومخيمات غزة، فتذكرت ما فعله بالفلسطينيون سكان المخيمات في لبنان (آلاف القتلى) بين عامي 1985 و1987 عقاباً لهم لأنهم "يؤيدون ياسر عرفات".

كان المشهد ان النظام السوري سيّر التظاهرات وأصدر البيانات وهاجم دولاً عربية وسياسات عربية تحفظت على ما أقدمت عليه حركة حماس وتوابعها، فتذكرت مصير كل فلسطيني يحاول العبور والتسلل من الجولان الى اسرائيل، وتذكرت أكثر كيف ان هذا النظام "الممانع" (بجبهته الأكثر هدوءاً من سيناء ومن وادي العربة) طارد الفلسطينيين قتلاًَ وتشريداً وسجناً منذ تل الزعتر عام 1976 الى معارك الشوارع اليومية طوال السبعينات والثمانينات في لبنان الى حرب البقاع وطرابلس 1983 الى حروب ابادة المخيمات 1985 – 1987 مروراً بالاغتيالات والتفجيرات والاعتقالات التي لم تتوقف يوماً، وكاد يجهز بالكامل على منظمة التحرير الفلسطينية. بل هو النظام نفسه الذي نصّب المتهم الأول بمجازر صبرا وشاتيلا إيلي حبيقة حليفاً وصديقاً له، وسلّطه على الادارة اللبنانية سنوات عدة.

كان المشهد ان خالد مشعل، بابتسامة بليدة على التلفزيون، يعلن ان اكثر من 500 فلسطيني من مواطني غزة قضوا بالهجوم الاسرائيلي... "اما خسائرنا فقليلة جداً" . نون الجماعة في هذه العبارة تخص فقط حماس. الخمسمئة الموتى وما يناهز ثلاثة آلاف جريح طرحهم زعيم حماس، الدمشقي الاقامة، في العدم ونسّبّهم الى العدم. لم يدخلهم في "خسائرنا"، في نون جماعته. وعن ماذا يحارب خالد مشعل؟ عن من يدافع؟ عن ماذا هو "مسؤول"؟ الجواب عند زميله، "رئيس الحكومة" دويلة غزة اسماعيل هنية وجملته البديعة "لو أبادوا غزة لن نغير موقفنا". ترخص غزة اذاً في سبيل الموقف. وفي وجه مَنْ قالها هنية؟ في وجه اسرائيل التي تعلن انها ترسل جيشها الى القطاع المحاصر لـ"الدفاع عن مواطنيها وجلب الأمن لهم" (اسلوب خاطئ؟ هذا نقاش آخر).

اسرائيل تنذر مواطنيها للطمأنينة... ولو بتدمير غزة عن بكرة ابيها، وحماس بدورها تنذر "مواطنيها" جميعهم للموت، ولو من أجل صاروخ تافه واحد.

أمام هذه المعادلة، ما على "الممانعين" سوى الانتشاء. معادلة "انتصارية" مدوخة، خلاقة. لهذا السبب بالذات تستطيع حماس بالتأكيد، ومهما كانت نتيجة الحرب ومهما كان عدد الضحايا، ان تعلن "الانتصار". النصر منذور لحماس، وهذا لا جدال فيه، اذ لا احد يستطيع التغلب على سياسة قوامها ان كل صاروخ يطلق على اسرائيل (بقصد ازالة الدولة العبرية!) من المقبول ان تكون كلفته ونتيجته مئة طفل فلسطيني ميت.

حرص حماس على "النصر" أقوى من حرص اسرائيل على مواطنيها وجنودها. من يرفض هذه اللعبة؟

هناك اتهام صحيح ان ثمة نوايا اسرائيلية (عند أحزاب اليمين خصوصاً) بتهجير عرب اسرائيل وطردهم من الدولة العبرية. بالمقابل دعا ممثل حماس في لبنان اسامة حمدان عرب اسرائيل الى اثارة القلاقل في الداخل. يذكرني ذلك بدعوة الجيوش العربية للفلسطينيين بمغادرة قراهم ومدنهم "بغية تحريرها" عام 1948.

ما الذي تعلمناه مراراً وتكراراً: ان الحركات التي تشبه حماس او الزعامات التي تشبه خالد مشعل، كلما ارتفع شعارها وتوسّع، تضاءل هدفها فشعار "تحرير كل فلسطين، من النهر الى البحر" هو حرفياً يهدف الى "السيطرة على معبر رفح".

الذي تعلمناه مراراً وتكراراً انه كلما كان الاصرار على "المقاومة" ازداد منسوب "الحرب الأهلية" (آخرها معارك حماس وآل حلس وآل دهمش. وفي لبنان 7 أيار).

الذي تعلمناه في الصراع على "الأرض الموعودة اكثر مما يجب" (حسب قول الكاتب آرون ديفيد ميلر) اننا مع هكذا اعداء وهكذا اصدقاء وحلفاء واشقاء سيظل السلام بعيداً، على الرغم من أنه يمكن القول ان العرب "تعبوا" من هذا النزاع المستمر منذ 60 عاماً. وأن الفلسطينيين خصوصاً انهكهم هذا الصراع وهذا الظلم التاريخي المستمر اللاحق بهم من العدو ومن الأشقاء على السواء. والاسرائيليون ايضاً يبدو الارهاق قد حل بهم.

بهذا المعنى، "الممانعون" محقون في تشخيصهم لهذا "التعب" الذي أصاب الاسرائيلي والفلسطيني والعربي. ولذا هم يقولون عن ما يصيب العرب "تخاذل" وما يعتري الاسرائيلي "ضعف" وما يلم بالفلسطيني "خيانة" وهم يريدون من ذلك استئناف الصراع بطاقة جديدة، بطموح جديد. لكن ما الهدف؟

الاسرائيليون يحاربون من أجل سلام يناسب رؤيتهم (وهي غير عادلة حتى الآن) والفلسطينيون يحاربون من أجل تسوية سلمية تضمن اقامة دولة لهم قابلة للحياة، والعرب يصارعون من أجل سلم قد يساعدهم في استقرار دولهم او أنظمتهم أو مجتمعاتهم.

المحاربون الجدد يسعون الى محو اسرائيل وتغيير الأنظمة العربية وتقويض الامبراطورية الأميركية. وهذا السعي هو دهري ولا نهاية له على أقل تقدير. والى ذلك الحين تنعموا بالحروب الأهلية والغزوات الأميركية والهجمات الاسرائيلية والانتصارات الالهية.

يوسف بزي
(20 يناير 2009)