الإعلان

 

أدب قسم عام فركوح: كائن عمّاني، رجل حر
فركوح: كائن عمّاني، رجل حر
محمد ديبو   
فركوح: كائن عمّاني، رجل حر | يعتبر الروائي الأردني الياس فركوح واحدا من أهم الروائيين العرب، وتشكل روايته " أرض اليمبوس " علامة فارقة ي مسار الرواية العربية . باب المتوسط التقت الروائي الأردني وأجرت معه هذا الحوار.

1- هناك مَن يقول بعدم وجود مدينة بالمعنى العميق في العالم العربي، حيث أن المدينة برأيهم عبارة عن ريف محدث، ما زال يحتفظ بعلاقاته العموديّة والتقليديّة. هل هذا ينطبق على عمّانكَ كونكَ تعتبر نفسكَ كائن عمّاني بامتياز؟ ولماذا أنتَ كائن عمّاني؟


* هذه مسألة باتت تتصف بالإجماع عليها ولا مبرر للمساجلة فيها. وعمّان ليست استثناءً خارجاً عن التوصيف العام. لكنها، إضافةً إلى ذلك، ولأسباب ذات صِلة بطبيعة تشكلها المجتمعي الحديث، تميّزت بكونها بُنيت وفق خصائص بُناتها الأوائل الذين هُم من أصولٍ متفاوتة ومتنوعة في ثقافاتها، وعصبياتها، ومفهومها للانتماء .. وبالتالي لنزعة التعصّب التي غالباً ما تلعب دوراً رئيساً مؤثراً في سلاسة أو عُسْر الاندماج والانصهار.

عمّان بُنيت مدينةً لتجمعَ من تلقائها جميع مَن أضاعوا أو فقدوا مُدُنهم وأماكنهم الأولى: من الشراكسة رعايا الدولة العثمانيّة الذين فرّوا من المذابح القيصريّة في روسيا، ومن الأرمن اللائذين بها للنجاة من مذبحة الأتراك، ومن أحرار سوريا ولبنان بعد معركة ميسلون وما تلاها (أهلي قَدِموا من دمشق في العشرينيات)، ومن الحجازيين القادمين إلى شرق الأردن برفقة الأمير الهاشمي في سياق الثورة العربيّة الكبرى ضد الأتراك، وأخيراً من الفلسطينيين المهاجرين جرّاء نكبة 1948.

حين التدقيق بأثَر هذه السلسلة من الهجرات المتتابعة والمتدفقة، كالسَيل المتصل، على عمّان، فلن نخرج إلاّ بأنها مدينة تلك الجموع حيث تواصِلُ نموها وفقهم جميعاً وبحسب ما جاؤوا به وحملوه معهم من قِيَم وعادات وطبيعة علاقات. مع ملاحظة أنه، ومع مرور الوقت، لم تعد تجمعاتهم المتمحورة حول نفسها تكتفي بذاتها، فانفتحت على بعضها بعضاً لتأخذ وتعطي، لتفعل وتتفاعل، لتؤثر وتتأثر، ولتشكّل من ذلك كلّه نسيجاً اجتماعياً خاصاً، وربما فريداً، فيه أثَرٌ من الريف لا يمكن نفيه، لكنه ليس الغالب وليس الوحيد.

قد تكون عمّان مدينة هجينة في أحد معانيها، ولكن أليست الهجنة والتعدد هي السِمة الأساس للمدن الحديثة؟

باختصار: أنا كائن عمّاني لأنني، وبين طبقاتي الشخصيّة، أحتفظُ بكل العناصر التي بنت عمّان، فأراني الموشور الذي صَفّاها وجَلاّها ـ كما أزعم.

2- العلاقة بين المبدع والسلطة بطبيعتها علاقة إشكاليّة من حيث طبيعة كل منهما، ولكن في العالم العربي تغدو تلك العلاقة مدمرة وتناحرية. كيف تقرأ العلاقة بين السلطة والمثقف؟ وهل من الضروري أن يكون المثقف نابذاً ومواجهاً لأي سلطة، على الأقل معنوياً؟


* لم تتسم العلاقة بين المثقف والسلطة يوماً، خاصةً في الوطن العربي، بالتوافق أو الانسجام، اللهم إلاّ إذا تقاطعت رؤية كل منهما أو المصلحة لديهما عند نقطةٍ ما. وهذا نادر الحدوث. تاريخنا يشهد على ذلك، والمشهد المعاصر تكملةٌ ليست نشازاً لذاك التاريخ الطويل.

إنَّ طبيعة الأنظمة العربيّة، على اختلاف شعاراتها وتسميات عناوينها، بما تتضمن من أُحاديّة في وجهة النظر وفرضها، وانعدام مساحة القبول الحقيقي بالاختلاف والتعامل الموضوعي معه، والتعارض الجوهري مع مبدأ تداول وانتقال الحكم، والاستناد إلى قبليّة وعشائريّة المجتمعات وعصبياتها بما يحول دون بناء الأسس الراسخة لمجتمع مدني يفرز أحزابه السياسية الحقة، وجمعياته النقابيّة غير المشتراة، وصحفه الحرّة حقاً... كل ذلك أفضى إلى هذا التوتر التاريخي في العلاقة بين المثقف العربي وسلطاته الحاكمة.

هذه الأنظمة بطبيعتها والتي تجيز للرئيس أو للرجل الأول، أياً كان، الاستمرار بالحكم رغم عجز حكوماته وبالتالي عجزه هو عن حل المعضلات المعيشيّة في الداخل والاختلالات الهائلة بين الشرائح الاجتماعيّة من جهة، وإفقاد بلده لوزنه الدولي لإضاعته دوره مهما بلغ حجمه من جهة ثانية، وفشله في ردّ الاعتداءات المباشرة أو استرداد الحقوق الوطنيّة من جهة ثالثة .. ومع ذلك، نراه يترسخ مع الزمن ليتحوّل إلى "زعيم" و"محط الآمال"! يتحوّل من حاكمٍ مطلق إلى حكيمٍ بصير وضرورة تاريخيّة! يتحوّل شخصياً ليكون هو المؤسسة، والدولة، والمرجع الأول والأخير، والتجسيد الملموس لروح الأُمة، والموّجه للسياسات الداخلية والخارجية ملغياً بذلك كافة المؤسسات الدستورية، وناسفاً حتّى الديكورات الكاذبة لديمقراطيّة شوهاء، وبالتالي يحق له تمثيل مقولة: "أنا الوطن، والوطن أنا"!

من بعد، هل لنا أن نتصور نظاماً كهذا يتقبّل المثقف، أو تسمح تركيبته بدورٍ عضوي للمثقف يلعبه باتجاه إحداث تغييرات حقيقية، تنويرية وتثويرية وتثقيفية وتعليمية تقلب المعادلة السائدة طوال ما يقرب قرن من الزمان؟!

ثمة خطوة ناقصة يحلم بها المثقف، حتّى البراغماتي الاتجاه، تعجز عنها السلطات المبنيّة على الفرد الواحد. خطوة التسليم بأنَّ الحاكم ليس ظِل الله على الأرض، وأنه مجرد لحظة خاطفة في التاريخ. هذه من ثوابت التاريخ العربي. إضافةً إلى أن النقد، وعدم الرضا، والتعفف عن تبييض ذِمة الحاكم، تعتبر من لوازم المثقف ومن صفاته الجوهريّة.

باختصار: إنَّ مكان المثقف الدائم يقع خارج مؤسسات السلطة. على هامشها. وكلّما عسفت السلطة نأى المثقف عنها وتعاظمت حالةُ التوتر بينهما. السلطة، وفق النظام العربي، هي المُطْلَق، بينما المثقف هو النسبي. الأولى خارج التاريخ لأنها مضادة للعلم والمنطق. والثاني ضحيّة تاريخه رغم محاولاته لأن يدخل تاريخ الانسانيّة.

3- نلاحظ في العقد الأخير وصول النتاج الأدبي الأردني إلى العواصم العربيّة، ولكن رغم ذلك نرى أن الأمر محدود بعدد قليل من الأسماء وكذلك الأمر في دول عربيّة أخرى بحيث تطغى أسماء معينة على كامل الحضور الثقافي لبلدٍ ما. إلامَ تعزو هذه الظاهرة، وهل فعلاً أن هذه الأسماء هي الأفضل في كل بلد عربي، أم أن علاقات الصداقة والشلليّة والعلاقة الجيدة مع السلطة هي التي تجعل من هذه الأسماء واجهة لبلدانها؟

* أبدأ بالقول أنَّ هذه ظاهرة حاضرة وشاملة جميع البلدان العربيّة، للأسف، وإنْ بِنِسَب مختلفة، آخذين بالاعتبار التمييز الدقيق بين الغثّ والسمين في مجموعة "الواصلين" تلك، على صعيد النتاج الأردني أو سواه. وبقدر ما يدعو انتشارها للاستفزاز والغيظ فإنها، في الوقت نفسه، تجلب معها أسئلةً كأسئلتك. لماذا؟ والسبب، بحسب اجتهادي، ليس واحداً بل هو متعدد يتصف بالتركيب وأحياناً، عند التدقيق باسمٍ ما، بالتعقيد بحيث يصعب الحصول على إجابة مقنعة تشفي الغليل.

يمكن لي أن أعدد الآن مجموعة أسباب ليست من اكتشافاتي بالتأكيد، إذ يعرفها الجميع مثل الشللية، واحتكار المنابر الإعلاميّة، وأمزجة المسؤولين الثقافيين ومستواهم المعرفي وشبكة علاقاتهم، وتبادل المنافع هنا وهناك، واجترار الأسماء عينها في كل المؤتمرات والندوات، واحتراف صناعة العلاقات العامة بما تجلب معها الأضواء والمانشيتات لزوم "الشهرة"! ثم تأتي درجة العلاقة مع السلطة في آخر سلم الأسباب. فأنا لم أعرف أديباً واحداً على علاقة جيدة بالسلطة ظل محتفظاً ببريقه الإعلامي، وبسبب من هذه العلاقة وليس نتيجة إبداعه العميق، في أي من الحالتين التاليتين: موته الفيزيقي هو نفسه، أو انهيار السلطة التي عملت على رفعه والترويج له.

ربما أكون صادماً في رأيي حين أقول بأنَّ هشاشةً ما تتسم بها الحالة الثقافيّة في بلداننا العربيّة سببت هذه الظاهرة، ولسوف تستمر في تغذيتها ما دامت الهشاشة والخِفّة والاستسهال من طبيعة الحالة الثقافيّة، وبالتالي من طبيعة المتحركين ضمن دوائرها. وما دامت روافع الأديب جُلِبَت من خارج نصوصه الأدبيّة بما تحمل أو لا تحمل من قيمة فنيّة وفكريّة!

ثمة أبعاد أخلاقيّة ذات صِلة بالقِيَم والمبادىء تمَ التخلّي عنها وهَجْرها لصالح الشهرة السريعة والسهلة المأخوذة من مانحٍ لها (شلة، منبر، علاقات، إلخ) ارتضى لنفسه أن يقبض وأن يقايض. فإنْ كُنا تطرقنا للفساد في موضعٍ سابق من الحوار، فإنَّ فساداً مفضوحاً يمكن معاينته بسهولة، أو استنتاجه، عند قراءتنا لهذه الظاهرة. ثمة ما يمكن النظر إليها وتسميتها بحالات "الرشوة"! وكذلك، ثمة ضحالة ثقافيّة سمحت بانتشارها.

حاوره: محمد ديبو
(7 فبراير 2009)