الإعلان

 

أدب قسم عام 12 لبناني غاضب
12 لبناني غاضب
حنان حاج علي   
"بعد الجدران هناك جدران أخرى، هناك دائماً السجن" من مسرحية روبيرتو زوكو" لبرنار ماري كولتيس

ماذا يتغير عندما يدخل المحكوم في جلد الحاكم؟ أية معادلات تنقلب حين يمثل السجين دور الانسان الحر الطليق الذي يمسك بزمام العدالة، ماذا يعني أن يتحول السجن إلى مسرح؟

مسرح أو تياتر مشتقة من كلمة تياترون ، وكلمة تياترون تعني منذ اليونان القديم، أي زمن نشوء المدينة واختراع المسرح، المكان الذي منه نرى. ونون الجماعة تجمع المواطنين: جمهوراً وممثلين. الجمهور يرى حيز التمثيل، الممثلين، تمثيلاته، المواطنين الآخرين. والممثلون يرون صورتهم وصورة المدينة، أي الجمهور، تلك النواة الديموقراطية التي أعطتهم حق الكلام السياسي وحرية القول والنقاش وكانت علة وجود المدينة ووجود المسرح. إنه الفضاء المديني المدني بامتياز.

المسرح الآن وهنا، هو في سجن رومية ببيروت شباط 2009، الممثلون مساجين مرتكبو جنح أو جرائم، الحضور مواطنون طلقاء. المساجين أي المواطنون-الممثلون يمثلون مسرحية متعددة المستويات: في المستوى الأول يمثلون مسرحية مستوحاة من مسرحية "12 رجل غاضب" للكاتب الأميركي رجينالد روز، ويتقمصون أدوار 12 محلفا عليهم البتّ ببراءة أو إدانة متهم بالقتل. في المستوى الثاني المساجين هم ممثلون-حكواتيون يمثلون ويروون مقاطع من حياتهم الحقيقية داخل وخارج سجن رومية، في المستوى الثالث المساجين يشكلون كورسا جماعيا موسيقيا غنائيا وراقصا يقدم، يعلق، يفسر، يسخر، يفصل، يجمع، ينظم إيقاع العرض بكافة مستوياته. في المستوى الأول أي مستوى تمثيل المسرحية يتناوب على الدور الواحد أكثر من سجين في عملية تسلم وتسليم طيعة وسلسة تتم من داخل الدور. في المستوى الثاني يسنّ السجناء حدّ التمثيل فيشقون بواسطته أحشاء ذاكرتهم وضمائرهم وأرواحهم حين يمرون ذهابا وإياباعلى شفرة واقعهم فيكونون هم أنفسهم أي سجناء مذنبين متسللين، سارقين، مجرمين، قتلة، مغتصبين، مدمنين، أو محتجزين دون اتهام مباشر... في لحظة مكاشفة استثنائية بكل أبعادها النفسية والفيزيولوجية والاجتماعية والفنية. مكاشفة أمام الذات وأمام الأخر، الآخر المستتر بعباءة الجمهور الحر الطليق بعيوبه وذنوبه وتواطئه أو في أحسن الأحوال في إذعانه لعيوب النظام والمؤسسات. ينزلق الممثلون-السجناء إذن من بين مفاصل المستوى الأول ليلعبوا حقيقتهم أو وجها منها في المستوى الثاني. أي يلعب الواحد منهم دوره كسجين فيروي يوميات السجن، ظروف الاعتقال، علاقة المحكوم بالعائلة، معاناته اليومية الفعلية، نظرة المجتمع إليه، عنصرية المحكومين اللبنانيين تجاه محكومي الجنسيات الأخرى، كيفية تطبيق القوانين، (التطرق الى قضاء المحكوم أحيانا سنوات في السجن دون محاكمة فيخرج وله في ذمة الدولة سنوات من الحرية قضاها داخل القضبان دون وجه حقّ ، كذلك التطرق إلى قانون خفض العقوبات الرقم 463/2002، الذي شمل فقط جرائم النصب والإحتيال والشيكات من دون رصيد، وهي جنح، في حين أن القانون لم يطل الجنايات كالقتل والإتجار بالمخدرات....). أما في المستوى الثالث فيقوم السجين بدور الناقد، المعلّق، المتهكم، المعترض وذلك رقصا وشعرا وغناء. دوره هنا لا يطال فقط مستويي التمثيل الآنفي الذكر أي أدوارالمحكمين الأحرار وأدوار المساجين الحقيقية، بل يطال أيضا الحضور ممثلا المجتمع اللبناني، بحكمه ومحكوميه، بطلقائه ومسجونيه، بأحكامه المسبقة وعنصريته وانقساماته وفساده، وتحويره للقوانين.

السينوغرافيا لا تخدم العرض فقط، هي جزء لا يتجزأ منه، لا بل نسنطيع أن نقول إنها إحدى "شخصيات العرض" أو أحد "أغراض" العرض الأساسية بالمعنى المحوري السيميولوجي الذي تعطيه آن أوبرسفيلد للغرض المسرحي. مكان العرض هو قاعة ثكنة مستطيلة وواسعة وذات سقف عالي، تعلو أحد جدرانها مربعات زجاجية مسيّجة بشبك حديدي (تذكرنا هذه الصورة بمشهد السجن في مسرحية "روبرتو زوكو"). الشبك الظاهر من الخارج مغطى بستائر سوداء من الداخل مؤطرة فضاء العرض ومانعة الفضاء الخارجي من التسلل بنوره عبر النوافذ الزجاجية المسيجة.

على أحد عرضي القاعة المستطيلة سلم حديدي يصل ما بين أرض القاعة وسقفها، تحاذيه مصطبة مخصصة للكورس الغنائي، أعدت غلى يمينها وشمالها كواليس ضيقة مرتجلة بواسطة ستائر مؤقتة. في عرض القاعة المقابل مدخل-مخرج يتصل بكواليس العرض الأساسية. القاعة مقسومة بالطول إلى ثلاثة أقسام: القسم الوسطي هو حيز التمثيل تتوسطه طاولة المحكومين-الممثلين وتحيطه اثنا عشر كرسيا. تعلو الطاولة مصابيح إنارة خاصة مركزة على سطح الطاولة وغير بعيدة عموديا عنه مما يجعلها بؤرة للبعد الدرامي. الإنارة مركبة على هيكل حديدي خاص موصول بالسقف مضطلعا بدور أساسي في تحويل القاعة إلى حيز مسرحي. يفصل حيز التمثيل، وهو مستطيل الشكل أيضا تبعا لحجم وشكل الطاولة، ما بين كتلتي الجمهور الذي يجلس على مقاعد خشبية متدرجة في الجهتين المقابلتين للعرض، بحيث ترى كل كتلة منهما الممثلين الذين يلعبون أمامها والقسم الأخر من الجمهور. كما ترى كل كتلة عن يمينها وعن يسارها مصطبة الكورس والمدخل-المخرج للكواليس. الجدار العالي للقاعة لا يبقى على الحياد، بل يدلي بدلوه قبل بدء العرض: إنه برولوغ سينوغرافي يزج الحضور منذ اللحظة الأولى في صميم لعبة المرايا المتداخلة والهاذية (ما بين المسرح والواقع وما بين الممثلين والجمهور) التي يؤديها هذا العرض- الفعل المسرحي المدني السياسي. تحمل جدران السجن مقولات مختارة بعناية، مخطوطة بألوان عديدة وموزعة عن سابق تصور وتصميم: "العين بالعين ويصبح العالم أعمى" لغاندي هي على سبيل المثال إحدى هذه الجمل. تشكل الجمل المخطوطة والتي تدور في فلك منظومة الجريمة والعدالة إطارا "غرافيتيا" (نسبة إلى فن الغرافيتي) يحكّ راحة ضمير الجمهور "البريء" ويستثير لديه أسئلة لم يعتد طرحها غالبا على نفسه. تبتعد الجمل المطروحة عن الشعارات الدارجة مثل "العدل ميزان الملك" و"المتهم بريء حتى تتم إدانته" (الواقع يثبت عكس ذلك، إذ يعتقل السجين أحيانا دون اتهام واضح ويعتبر مذنبا حتى تتم براءته!)، لتستقي من مفكرين أو رجال سياسة أو قانون أو فنانين كبار مقولات يشكل فسيفساؤها أرضية فلسفية شعرية بالمعنى الأرسطي لفن الشعر. تفاجئ "هذه الشعارات" غير النمطية الرائي وتستفز حواسه على التلقي القلق والمتسائل. يذكرنا هذا الأثر بعض الشيء بردة الفعل التي انتابت المشاهد أمام يافطات جنيد سري الدين التي علقّها في شوارع بيروت وطالعت المارة ذات صباح بمقتطفات من أشعار لوركا حيث قرأنا على إحداها أنّ ثمة " سجن رائع بابه القمر"!

على امتداد العرض، سوف تتداخل المستويات الثلاثة وتتناوب، بحيث يؤدي تداخلها وتناوبها وظائف عديدة: أهمّها أولا وظيفة المسرحة التي تبدأ منذ ولوج مشارف سجن رومية بنوع من "الطقوس" للتأكد من اسم و"نظافة" كل زائر، وثانيا وظيفة التغريب (بالمعنى البرشتي) بحيث لا يغرق الممثلون والجمهور على حد سواء في مستوى الوهم المسرحي ولا يطمس المسرح الواقع، بل يجري الحفاظ على المسافة الضرورية بين المسرح والواقع، بين حيز التمثيل وحيز المشاهدة، بين المساجين المحكومين، وبين المساجين الممثلين، بين الأنا والأخر. هكذا لا تفقد جرعة العلاج التطهيري-الكاتارسيس جدواها (تطهر السجين وتطهر الجمهور)، ولا يفقد الحضور مرسلين ومتلقين القدرة على التحليل والمساءلة. والجدير بالذكر أن بعض الممثلين يتحولون بين مستوى وآخر لمشاهدين لما يدور في حيز العرض مما يساعد على خلط الأوراق وزعزعة الثنائيات الراسخة ومنها ثنائية الممثل والمشاهد، المذنب والبرئ، الحاكم والمحكوم، المجرم والضحية. على كل حال يساعد الطوق الأمني المضروب بواسطة رجال قوى الأمن حول القاعة وداخلها على تقليب الجمهور على عدة أوجه وبالتالي على تعداد احتمالات تشويش تلك الثنائيات من جهة (فرجال الأمن هم مراقبون ومشاهدون في نفس الوقت)، ومن جهة أخرى على خلق نوع من وحدة الحال والمصير ما بين الممثلين والجمهور ولو لفترة محددة من الزمن المسرحي إذ تقفل خلاله قاعة العرض على من فيها ويمنع مغادرتها حتى انتهائه. بحسب نص المسرحية المحورية (12 رجل غاضب)، تقفل قاعة التحكيم كما تجري العادة في المحاكم الأميركية على من فيها حتى تتجلى حقيقة المذنب الغائب الذي هو ضمير منفصل تقديره هو. أما هنا فتقفل قاعة سجن رومية على من فيها حتى تتراءى حقيقة المذنبين الحاضرين وهم الضمائر المتصلة بنون الجماعة مسجونين وطلقاء. فالتياترون الذي منه نرى يقع في سجن رومية، الذي يمثّل هو أيضا لساعات وللمفارقة دور المنصة الديموقراطية للكلام السياسي من خلال الفعل المسرحي تقديما ومشاهدة.

تبدأ عملية خلط الأوراق ابتداء من اختيار النص المحوري للمستوى الأول للعرض أي نص مسرحية "12 رجل غاضب". كتبت المسرحية سنة 1954 وذاع صيتها بعد ان أخرجها سيدني لوميت للسينما سنة في 1957. تتحدث المسرحية عن اثني عشر رجلا من أوساط ومهن مختلفة اختيروا ليكونوا لجنة المحكمين التي تبتّ في براءة أو ذنب المدعى عليه بعد إجراء المرافعات داخل قاعة المحكمة وبعد الاستماع لحيثيات جريمة قتل من الدرجة الأولى، حيث يظن بأن شابا عمره 19 سنة ارتكبها بحق والده طعنا بالسكين. قرار الهيئة يجب أن يؤخذ بالإجماع إما لإنقاذه من حبل المشنقة بوجود دليل قاطع وإما للحكم عليه. تبدأ المسرحية بإجماع 11 محلفا على إدانة المتهم. أما المحلف الثاني عشر الذي يتمتع بحس نقدي عالي ويقلّب احتمالات الأدلة على كافة أوجهها، فينجح في استدراج المحلفين الآخرين إلى حلبة السجال: سجال الذات والآخر بحجج وبراهين تزرع شيئا فشيئا بذور الشك في حقل المسلمّات المليء بأشواك الأحكام المسبقة (أحكام الآباء تجاه الأبناء، أحكام الطبقة البورجوازية تجاه الطبقة المعدومة..)، والعنصرية (عنصرية السكان الأصلييين تجاه المهاجرين، البيض تجاه ذوي البشرة الملّونة...). بعد مناقشات حادة استمرّت في ما بينهم على مدى ثلاث جلسات انتهوا إلى قرار بتبرئة الشاب بالإجماع. هذا النص المسرحي الذي يضع المجتمع أو بالأحرى يضع فيه المجتمع (الممثل بلجنة المحكمين) نفسه في قفص الاتهام، ويقوم بتمثيله عادة ممثلون من المجتمع "الحر"، يقوم بتمثيله هذه المرّة مجموعة سجناء حقيقيون سبقت إدانتهم من قبل المجتمع عينه، مما يولّد تكثيفا للأبعاد والدلالات ويفتح دائرة المعنى باتجاه قراءات أكثر غنى وأعمق أثرا. هكذا يتعدّى فعل المشاركة في هذا العرض تمثيلا ومشاهدة الحيز الزماني والمكاني للمسرحية (أي زمن العرض في سجن رومية لمدة ساعتين من الزمن) إلى أشهر من المتابعة النفسية والاجتماعية والقضائية والفنية والابداعية مع السجناء، وهي فترة التحضير للعرض (في إطارنشاطات جمعية "عدل ورحمة"، وإطار ما يسمى بالعلاج من خلال الدراما) حيث بدأت رحلة الألف ميل في عملية ترميم علاقة المحكومين مع ذواتهم ومع زملائهم تمهيدا لعودتهم إلى الحياة العادية، هذا من جهة. أما من جهة أخرى فترتبط فعالية تلك التجربة بتلقف الأسئلة الشائكة العديدة التي يولّدها العرض وبالعمل على إيجاد الأجوبة والحلول من قبل المجتمع بمؤسساته العائلية (نظرة العائلة تجاه الولد العاق الذي يسوّد وجهها ويمرّغ صورتها بالوحل دون أن تشعر بأية مسؤولية في ما آل إليه) والاجتماعية ( نبذ من لهم سوابق نهائيا من الدوائر الفاعلة والمنتجة) والسياسية (غياب خطط التأهيل والاستيعاب والتدريب والتحصين والوقاية والتوعية من خطط وبرامج السياسيين). المسرحية بحد ذاتها مرحلة مهمة للنقاش والتعلم والتدريب ولكنها لم تكن لتتخطى كونها محاولة مجتهدة لمحاكاة شخصيات وتفاصيل ومفاصل فيلم سيدني لوميت لو تمّت في غير إطارها ولو لم تكن محاولة واعية ودؤوبة لكسر التابوهات، ومواجهة "المحرمات" واقتحام "المحظور". صحيح أنها أماطت اللثام عن مواهب عديدة اكتشفت من خلال العمل، أو طورت مواهب أخرى تمثيلا ورقصا وغناء وتأليفا وارتجالا، وإدارة لناصية العلاقة مع الجمهور، ولكن نواة أهميتها الحقيقية لا تكمن في هذا المكمن أو ذاك داخل الدائرة المسرحية بقدر ما تكمن في الفعل ما بعدالمسرحي. ما هو مهم هو الكلام الذي يلي العرض. الكلام الذي يصف العرض بصفته حدثاً منجزاً. الكلام الذي يقيم هنا وهناك في الوقت نفسه. الكلام الذي يتنج أفكاراً بصفتها "فاتنة". الكلام الذي يصبح هو العرض نفسه ، ومن دونه فلا عرض**. لقد ولّد العرض بعضا من هذا الكلام ولا شك أنه قادر على إنتاج العديد من الأفكار، إلا أن تحقيق ذلك يتطلب مسرحا يبلغ مداره 360 درجة، أي مسرحا على وسع المدينة كما يقول بينو سيمونيللي، وذلك كي لا يبقى تياترون الوطن سجنا للأفكار الفاتنة ومعقلا للكلام المولد للفتنة والأفعال التي هي اشدّ من القتل. وتلك مسؤولية مشتركة يتحمل جزءا من وزر إحتمالات إجهاضها لاحقا من قام بهذا العمل ومن شاهده وصفق له. فهل يكون رجال الحكم والسياسة ونجوم المال والسلطة نجحوا مرة أخرى في استغلال حدث على هذا المستوى؟ هل تراهم حضروا العرض الأول في الصفوف الأولى ثم غادروا لا يلوون على شيء إلا على حسبان الأصوات التي يمكن أن تضاف لرصيدهم من خلال حضور الأفراح والأتراح والعروض الملاح، خاصة إذا كانت من المناسبات التي "عليها العين"، عين وسائل الإعلام والميديا. وهل ترى أصحاب المشروع لم يحسبوا حسابا لهذا الحسبان؟ أشكّ في ذلك، فماذا بعد المسرح؟

*تعرض مسرحية "12 لبناني غاضب" كل سبت في الساعة الثالثة بعد الظهر في سجن رومية خلال شهري شباط وآذار 2009، من إعداد ونمثيل مجموعة من سجناء حبس رومية، إخراج زينة دكاش.
يقع هذا المشروع ضمن برنامج أفكار 2، الممول من الاتحاد الاوروبي
بإدارة مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الادارية، و بالتعاون مع وزارة الداخلية والبلديات ووزارة العدل
الجمعية التي حصلت على التمويل: جمعية الدفاع عن الحقوق والحريات "عدل"
ساهم في التمويل : جمعية كثارسيس- المركز اللبناني للعلاج بالدراما
زينة دكاش هي مديرة المشروع و المديرة التنفيذية لجمعية كتارسيس- المركز اللبناني للعلاج بالدراما

** من تقديم مشروع "المسرح بأوساخه، كلام عن المسرح نحو الفن" لربيع مروة