الإعلان

 

أدب قسم عام هكذا تحدّث واسيني الأعرج
هكذا تحدّث واسيني الأعرج
كمال الرياحي   

هكذا تحدّث واسيني الأعرج | من مواليد 1954 بسيدي بوجنان، ضواحي مدينة تلمسان الجزائرية. جامعي و روائي. يشغل اليوم منصب أستاذ كرسي بجامعتي الجزائر المركزية و السوربون بباريس. يعتبر أحد أهمّ الأصوات الروائية في الوطن العربي. على خلاف الجيل التأسيسي الذي سبقه، تنتمي أعمال واسيني، الذي يكتب باللغتين العربية و الفرنسية، إلى المدرسة الجديدة التي لا تستقر على شكل واحد، بل تبحث دائما عن سبلها التعبيرية بالعمل الجاد على اللغة و هز يقينياتها. فاللغة ليست معطى جاهزا ولكنها بحث دائم و مستمر.

لم يتوقّف عن الكتابة منذ نصه الروائي الأول : البوابة الزرقاء (وقائع من أوجاع رجل غامر صوب البحر) الذي نشر لأوّل مرّة في دمشق سنة 1981 قبل أن يُعاد نشره في الجزائر بعد سنة،وقد أثار اهتماما نقديا معتبرا. أصدر بعده روايته المعروفة "نوار اللوز" التي تُدرّس اليوم في العديد من الحلقات العلمية وفي الكثير من الجامعات العربيّة.
 تجلّت قوّة واسيني الأعرج التجريبيّة أكثر في روايته النهر "فاجعة الليلة السابعة بعد الألف" التي حاور فيها ألف ليلة وليلة لا من موقع التاريخ ولكن من هاجس الرغبة في استرداد التقاليد السرديّة الضائعة."

عندما صعدت القطار المغاربي صيف سنة 1993 كنت شابا يافعا ومغامرا دونكيشوتيا لم يستمع أبدا إلى تحذير والده وأصدقائه من دخول الجزائر في وقت كانت الرؤوس تتطاير بلا رحمة على أيدي المتطرّفين.لم أكن أعرف واسيني الأعرج ولا سمعت به.
كنت مازلت نزل محمود المسعدي وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ.ولم أركب تلك المغامرة بدافع ثقافي.كنت أتّجه نحو مدينة"وجدة" المغربية للتجارة.أو هكذا خيّل إلى أنني يمكن أن أكون مهرّبا وقتيّا لسراويل الدجينز ومعاطف الجلد الثمينة والأحذية الرياضية في الصيف حتّى أعيل نفسي وأووفّر مصاريف الدراسة بالجامعة...
في تلك الرحلة عشت قصة مرعبة مع ركّاب ذلك القطار الذي أوقف في قلب الطريق المظلمة من قبل قطّاع الطرق المسلّحين.ونجوت بأعجوبة من ذبح مؤكّد.ليس هذا مجال رواية تلك القصة.لكن ما دعاني إلى ذكرها وبعض الكتاب الجزائريين يعلمون تفاصيلها هو أنها مثّلت قدرا لي في البحث والقراءة بعد ذلك.فقد تعرّفت بعد سنوات على روايات واسيني الأعرج فوجدت شبيهي في تلك الرواية الخطيرة "حارسة الظلال أو دون كيشوت في الجزائر"فاخترتها دون تردّد متن بحثي العلمي في الدراسات المعمّقة.بدا لي حفيد سرفانتس الذي جاء يبحث عن تاريخ جدّه في الجزائر يشبهني في حلمه وجنونه وفي ما جرى له بعد ذلك من خطف وتنكيل.
هكذا بدأت رحلتي مع عوالم واسيني الأعرج الروائية.عندما رويت له حكايتي مع القطار المغاربي التي توقّف عن رحلاته بعد تلك الحادثة التي ذهب ضحيتها عدد من الركّاب من الأقطار المغاربية قرب سطيف وما جرى لي عند الحدود المغربية أثناء عودتي قال لي:"أنت مجنون.كيف تدخل الجزائر وتشقّها بالعرض حتى "وجدة"في تلك الفترة.نحن لم نكن قادرين على التحرّك داخل العاصمة."
هكذا بدأتقصتي مع واسيني الأعرج فقد شاركته دون أن يعلم بعضا من الرعب الجزائري في التسعينات.

  في هذا الحوار النهري المتشعّب,يتحدّث واسيني الأعرج عن تجربته الروائية بسخاء. فيفشى لنا بكل حبّ بعض أسرار حياته الشخصيّة والأدبية وأطلعنا على علاقته الحميميّة بالتراث السردي العربي والإنساني وقصّته مع الإرهابيين الذين أباحوا دمه فأباح وجوههم للقرّاء وأطلق عليهم عبارته الشهيرة " حراس النوايا " كما يكشف هذا الحوار خبايا علاقة واسيني بـ"كارمن" وولعه بـ"دون كشوت" وجدّه سرفانتيس وأدب أمريكا اللاتينية وألف ليلة وليلة. ويفكّ الروائي،ولأوّل مرّة شفرة تلك المرأة التي ترتحل في أعماله من نصّ إلى نص كاللازمة : مريم الوديعة.ويخصص جزء من الحوار لرائعته الروائية "كتاب الأمير"الذي أعاد فيه كتابة سيرة الأمير عبد القادر روائيا .والحق أن "كتاب الأمير"  نصّ ملتبس مزدحم و مختلف شغل الناس مدّة و نال عنه صاحبه الجوائز الكثيرة .نص خلاسي تتعالق فيه الكتابة السيرية بالروائية و التسجيلية بالفنّية لينحت تميّزه واختلافه.وكان أيضا مثار جدل و اختلاف ككل أعمال واسيني الأعرج خاصة بعد أن حقق نسبة مبيعات مرتفعة في معارض الكتاب العربية والأجنبية و ترجم إلى أكثر من لغة حية وحصل به صاحبه على جوائز عربية وأجنبية.وهذا ما دفعنا إلى تخصيص قسم مهم من الحوار لمناقشته مثلما فعلنا مع روايته المتميزة"حارسة الظلال" التي مثلت الانطلاقة الحقيقية نحو العالمية.
يتحدّث واسيني الأعرج في القسم الثالث من الحوار عن روايته الجديد "سوناتا أشباحالقدس وملابسات كتابتها وقصة خروجه من المناخات الجزائرية نحو أفق روائي أوسع,وملامسة أوجاع انسانية أشمل.ويكشف لأوّل مرة في أسلوب سينمائي تفاصيل تجربته مع المرض وقصة توقّف القلب عن الخفقان وسقوطه في جامعة السّربون.
  يتفرّع الحوار إلى أحاديث جانبية عن السياسة والثقافة والتاريخ  ووضع الرواية العربية والشعر وجماليات التلقّي وأساليب الكتابة .وفي اللقاء أخبار وأحاديث ومواقف أخرى.




•    واسيني، شيء ما في اسمك وتجربتك له مذاق السؤال والغرابة والخصوصية؟

طيب لنبدأ من هذا الموضوع. كثيرا ما سئلت عن اسمي إذا لم يكن مستعارا؟ مثل أدونيس مثلا؟ من أين جاء؟ هل هو عربي أم بربري؟ واسيني؟ كلما استعدت هذا الاسم بوعي، لا أتذكر إلا وجه أمي وهي تحكي لي قصة هذا الاسم. ليلة قبل ولادتي رأت في المنام سيدي امحمد الواسيني، وهو أحد أولياء الله الصالحين في المنطقة وصوفي قضى كل حياته زهدا. وله مريدون وأتباع. واسمه نابع من قبيلة بني واسين وهي قبيلة زناتية، سبق أن ذكرها ابن خلدون في مقدمته. قبيلة معروفة بتنقلاتها الدائمة، لا تستقر في مكان. ويبدو أنها ورثتني هذه الحماقة الجميلة. وقف الولي الصالح على أمي ليلا وكان يركب حصانا أبيض جميلا، في لباس أبيض مدهش في صفائه وكان بشوشا ورائقا. كانت أمي قد أنجبت قبلي ثلاث بنات وكانت بحاجة إلى ذكور لتدعيم موقفها في البيت كامرأة ريفية. المسألة ثقافية. بشرها سيدي أمحمد الواسيني: سترزقين ذكرا، فإما أن تسميه باسمي وفي هذه الحالة سيعيش طويلا ويجوب الدنيا، وإلا سأمر في اليوم الموالي واسحبه ورائي على حصاني. استعطفته أمي وقالت له لك ما تريد يا سيدي. في صباح اليوم الموالي ولدتني وهي تتساءل كيف لها أن تقنع الأهل بالتسمية ومما زاد الطين بله، اليوم الموالي كان صباح عيد الأضحى. التقليد المتبع في القرية، يفرض رمزيا وتبركا أن يسمى الذكر الذي يولد صباح العيد باسم العيد، والذي يولد في شهر رمضان، يسمى رمضان، وشعبان نفس الشيء, في القرية تستطيع أن تحدد بكل بساطة الموسم الذي ولد فيه الفرد بحسب اسمه. الأسماء إشارات ودلالات حية لنظام حياتي بتقاليده ورموزه. عندما دخل جدي إلى البيت ليذبح الأضحية فرحا سعيدا وليسميني العيد، كان والدي وقتها في الهجرة العمالية إلى فرنسا، صرخت أمي وجدتي: إذا كنت تريد لابنك أن يعيش لا تسمه العيد. احنا في عرضك. اندهش جدي الذي كسرت فرحته ساعتها. وحكينا له القصة. خاب ظنه قليلا، لأن الولادة في موسم خاص هو حظ لا يتوفر دائما لكل الأفراد وهو دلالة خير يحملها المولود معه لأهله ولقريته ولقبيلته وربما لبلده. ولكنه انصاع لإرادة أمي. وهذا سميت واسيني. طبعا اسم العيد يضحكني ولا يعني لي الكثير اليوم ولا أتصور أن اسما مثل هذا يركب عليَّ. وانتسبت إلى اسمي بروح خاصة. حتى أني في فترة الإرهاب فكرت في التخلي عن اسمي العائلي برغبة عدم توريط العائلة في وضع كان شخصيا جدا وخيارا فرديا.

أردت أن تتحمّل المسؤولية لوحدك دون أنتورّط أحدا معك؟

نعم. كنت دائما أقول لنفسي: بأي حق تدفع معي العائلة خيار جنوني. جنون الوقوف ضد آلة تدميرية قاسية. اسمي الخاص كان يكفيني. ثم أنه يشبهني إلى حد بعيد، من المواساة، والمحبة وحنيني إلى شيء لم يعد اليوم موجودا. أمي في هذا لم تكن مخطئة أبدا. ثم أن أغلبية القراء يجدونه خاصا وجميلا وإيحائيا وربما غير حقيقي وإنما هو اسم فني. طبعا كنت أضحك عندما أسمع مثل هذا الكلام. ثم أن الاسم لم يستهلك أبدا، فقد بقي محصورا بين سواحل وهران وامسيردا، أي منطقة الغرب الجزائري وسواحل الناظور البربرية المغربية. هناك قصص جميلة يمكن أن أحكيها في رحلة اسمي الحياتية، سأفعل ذلك يوما عندما أكتب سيرتي.  
طبعا هذا الاسم الجميل لم يعفني من شطط الحياة وقسوتها. الخيارات الحياتية دائما صعبة إذ علينا أن نحارب شرطنا وأن نملك القدرة على الحلم خارج الشروط القاسية. شرطيتي المحيطة بي كانت في أحسن الأحوال ستجعل مني مهربا محترفا. فأنا أسكن الحدود المغربية الجزائرية، ولا عمل بالمنطقة إلا هذه المهنة. أو فلاحا يحرث أرضا ماتت منذ زمن بعيد. لكن إصراري الداخلي كان كبيرا. كنت أحلم فقط بأن أخرج من هذه الدائرة القاتلة وأنها ليست قدرا دائما خصوصا بعد استشهاد الوالد في الثورة التحريرية في سنة 1959. كنت مؤمنا بالحلم الذي رسمته في رأسي وركضت وراءه حتى النهاية وأنا العب داخل الأسلاك الشائكة بالألغام وأطارد الفراشات. أحيانا كنت أرى حلمي قريبا مني كتنفسي وأصابع يدي، في أحيان أخرى يبتعد، لكنه لم يغب أبدا عن بصري. حياتي بدأت بسيطة في قرية لا توجد على أية خريطة وطنية باستثناء الخريطة العسكرية التي أنجزها الاستعمار في وقت مبكر. وكبرت في هذا الجو من البساطة متعاطفا مع فقراء قريتي لأني كنت واحدا منهم، زاهدا إلى حد بعيد في الحياة والوجاهة الكاذبة، حتى اليوم. ولهذا عندما ذهبت نحو الأفكار الإنسانية المثالية إذا شئت، لم يكن أمامي شيء آخر غير الانتساب إلى ما هو متأصل في الإنسان وفي شخصيا. على هذا تنعكس الخيارات السياسية الاشتراكية في وقت مبكر من حياتي، واستراتيجيا الكتابة لاحقا. القصد أن الخيارات نابعة من داخلي وأنا سعيد أني سرت في طريق لم أغلقه علي مطلقا، بل كان دائما طريقا مفتوحا على الحياة والحب والصدق والاتساع ورفض الدوغما القاتلة. الباقي لا نتحكم فيه، الأقدار والصدف الجميلة والقاسية، تصنع جزءا كبيرا منه. كنت أريد أن أصبح سينمائيا مثلا، ثم موسيقيا وأخيرا كاتبا، وأعتقد أن كل ما كان في كان يقودني نحو ذلك. أحببت الموسيقى والفن وظلا يشكلان خلفية أساسية لك كتاباتي التي احترفتها شيئا فشيئا. والتفت لاحقا نحو التليفزيون واشتغلت فترة في الحصص الثقافية، وأعتقد أن الهاجس السينمائي الطفولي كان دائما حاضرا. منذ البداية اتخذت سبيل الدراسة ثم التعليم الجامعي بعد ذلك، للعيش كريما ولا اربط حياتي بأية هيأة ضاغطة. التعليم الجامعي يمنحني علاقة خاصة وجميلة بمحيطي ولا يكلفني الشيء الكثير. تخليت عن النقد طواعية على الرغم من أني إلى اليوم مازلت مرتبطا ثقافيا بالعالم النقدي، ولكني أوقفت الاشتغال فيه على الرغم من إصرار أصدقائي على ذلك. صممت أن أركض برجلين في مسار الرواية على أن اقسم سرعتي وطاقتي.
هل تعتقد أنك أحسنت الاختيار؟

أومن أننا يمكن أن نحب أشياء كثيرة ولكننا لا نستطيع أن نكون دائما كل شيء. طبعا الموسيقى إلى اليوم هي في أعماقي والأوبرا، أحب المسرح والسينما وأتابعهما. ربما توجه ابنتي ريما نحو السينما جاء تلبية لهذا النداء لكثرة ما تحدثت عن خسارتي السينمائية في الحياة. كان يمكن أن أكون اليوم مخرجا لو سافرت إلى موسكو ودرست الإخراج بمنحة كانت تمنحها لنا الدولة وقتها بسخاء، بدل التخصص في الأدب واختيار باريس ودمشق لدراسة الأدب. كلها مسارات حياتية تحتم علينا أن نصغي لما هو داخلي فينا. وإصغائي الداخلي لما هو جوهري أنقذني في الكثير من المرات من موت مؤكد. ولهذا أنا دائم التصنت لما يعتمل في داخلي.  

حدّثنا عن البدايات,من الذي دفع بك إلى عالم الحرف؟


يعود الفضل الأول في تعلمي لشخصين أساسيين في حياتي: والدي الذي أوصى أمي بضرورة تعليم الأبناء باللغتين العربية والفرنسية وهو في السجن الاستعماري قبل أن يستشهد تحت التعذيب، وأمي التي نفذت الوصية حتى النهاية. ثم الجدة التي كانت تصر عن سبق إصرار على ضرورة تعلم لغة الأجداد للتمكن من قراءة ما فعله جدي الأندلسي سيدي علي برمضان، الذي كان يملك مكتبة ضخمة في غرناطة، لم أرها طبعا في حياتي لأن جدي هرب عن طريق المارية باتجاه العدوة الأخرى إبان فترة محاكم التفتيش المقدس التي أحرقت كل كتبه. تعلمي بالفرنسية لاحقا، فتح أمامي عالما خفيا غير الصورة الاستعمارية البشعة التي كنا نراها يوميا. عشت قصة طريفة في المدرسة القرآنية في القرية التي أعدت مؤخرا ترميمها بمالي الخاص وإعادة الحياة لها من جديد. وسعدت أن الناس رحبوا بذلك وأصبحوا يصلون في مسجدها الصغير.
كانت أمي، خصوصا بعد استشهاد والدي، تسألني من حين لآخر عن أحوالي في الجامع: فارد بحماس: انتهيت من حفظ الربع الأول من القرآن الكريم، وزوقت لوحتي العديد من المرات وبدأت أجلس في الأماكن الخلفية للجامع. الأماكن الخلفية تعني أنه أصبح بإمكاني أن آخذ نسخة من النسخ العشرة من القرآن برواية ورش، وأطلع عليها وأسأل الفقيه عند الضرورة. أحزن أحيانا لأن والدي ذهب قبل أن أخبره بقصة نسخة القرآن في الأماكن الخلفية. استشهد وهو لا يعرف أني تعلمت كما كان يشتهي وأصبحت اقرأ وأكتب. لكني لم أحك له عن نسخة القرآن العجيبة التي عثرت عليها في رف المكتبة في نهاية القاعة التي كنا نتعلم فيها. كانت النسخة تحمل نفس الغلاف الأحمر الذي جلد به القرآن الكريم. لم تكن تشبه النسخ الأخرى في محتواها مطلقا ولا حتى في خطها الذي كان أكثر رقة من الخط القرآني. قلبتها طويلا بسرية كبيرة ولم أفهم من أين كان يأتي سحرها ولا تلك الرغبة التي انتابتني فجأة لإخراجها من المكان، أو بلغة أبسط لم أكن قادرا على مقاومتها الداخلية: سرقتها. فقد فهمتها بسهولة كبيرة لأن كلامها لم يكن كالقرآن الذي تعودت عليه. فكرت أن أسال سيدي الفقيه (المعلم في الكتَّاب) و لكني لم أفعل أبدا. عاودت التهجي ومحاولة الفهم، الغريب أني لم أكن أجد أية صعوبة في القراءة. بل أن شهوتي كانت تستيقظ كلما قرأت النص. كلما انتهيت من القراءة، كنت أخبئ نسختي من وراء النسخ الأخرى حتى لا تأخذها يد غيري. ربما كانت أنانيتي أو ربما كان خوفي من أن تسرق. فجأة صرت أحلم بها وبما قرأت. ليلا، عندما أستعد للنوم، أرى كل ما فيها يرفرف حول رأسي و يتحول إلى نساء جميلات وعفاريت وحيوانات خرافية وغابات لا حدود لها و ذئاب كثيرة. ولكن هذا كله لم يشفني من حبي لهذه النسخة. كان الكتاب، في عيني، كبيرا وبداية الدروس في المدرسة الفرنسية تسرق من وقتي. في إحدى المرات و أنا في الخلفية أفكر فيما يمكن فعله، بدأت أعطي لنفسي كل مبررات الدنيا لإخراج النسخة من الجامع: قرآن لا يشبه القرآن؟ مكتوب بخط غير خطه؟ فيه حديث غريب عن الحب والنساء والسلاطين والعفاريت؟ فيه حتى الخرافات التي تشبه ما كانت ترويه لنا جدتي؟ هل يعقل أن يبقى الكتاب في الجامع وهو مكان مقدس؟ وانتهيت إلى تحريم بقاء النص في الرف الخلفي. في ذلك الفجر البارد، كنت أول من دخل على الجامع. صبحت على سيدي الفقيه. غافلته ووضعت النسخة في صدري و اعتذرت منه وقلت له إني متعب و خرجت. عند الباب أوقفني. لم أستطع أن أرفع رأسي مخافة أن يرى كل شيء في عيني. تذكرت منشفة والدي، كم كانت جميلة إذ كان بإمكاني أن أقول ما أشاء بدون خوف من أن يروا ما يتراقص في عيني من كذب جميل. شعرت بالكتاب ثقيلا في صدري. فكرت أن أتركه وأهرب. قال لي: ما بك و تلمس رأسي. ثم أردف: حرارة؟ مازلت أسمع صوته و أنا أتخطى عتبة الجامع: اسمع يا وليدي، قل لأمك تضع لك الزعتر وقشور الليمون وقطرة من عسل النحل... أسمعت وإلا لا؟  فجأة صرت خفيفا وصار الكتاب لا يزن شيئا. عندما وصلت إلى البيت كنت محموما بالفعل ولكن من شدة الخوف، قلت لأمي غطيني ونمت محتضنا قرآني. لم أحلم يومها، ولم أر أي كابوس ولكني كنت داخل غيمة بنفسجية جميلة. بعد أيام، خاطت له جدتي كيسا خاصا وهي تقول: هذا كلام الله و يجب أن يوضع في مكانه اللائق. لا تخبئ فخرها أمام خالاتي:  واسيني، وليدي، هو الوحيد من أبنائي الذي تعلم لغة أجداده وقرآنهم. جدتي مثلها مثل أمي، مثل بقية أفراد العائلة الكبار سنا، لا يعرفون لا القراءة و لا الكتابة. يعرفون القرآن من غلافه الأحمر ومن ورقه الطيب المائل إلى صفرة ما ومن رائحته المتأتية من رائحة الورق وحبر المطابع القديمة. أحيانا، كنت أشم في سيدي الفقيه رائحة القرآن. عندما كبرت قليلا، اكتشفت أنه لم يكن قرآنا و لكنه كتاب: ألف ليلة و ليلة في جزئه الأول، طبعة بولاق، بأوراق و حروف ورائحة لم تكن بعيدة عن رائحة القرآن، وربما كانت رائحة المكان نفسه. إلى اليوم مازلت أنقاد نحو رائحة الكتب قبل أن أكتشف عناوينها. لا أعرف طبعا اليد التي وضعت هناك هذا الكتاب الذي أحتفظ به إلى اليوم بحب وخوف. ولا أعلم إذا ما كان علي أن أشكرها وأقبل يدها بحرارة أو أرفضها لأن كل ما حدث لي فيما بعد مترتب عن تلك اللحظة التي فتحت فيها خطأ كتاب ألف ليلة وليلة. تلك اللحظة غيرت نظام حياتي وأحاسيسي نحو الأشياء وأدخلتني غمار التجربة وقذفتني داخل عالم لم أكن مهيأ له، إذ كان يمكن في أحسن الظروف أن أتحول إلى فقيه يدرس القرآن في القرية، ومع بعض الحظ، إلى مهرب للكتان والخضر والفواكه، على الحدود المغربية الجزائرية. ولهذا كلما صفوت إلى نفسي، أقول: طوبى لتلك اليد التي وضعت نصا مجنونا في طريقي، وأعتذر منها لأني سرقت متعتها ولذتها الخفية. أحيانا أتساءل إذا لم يكن القدر نفسه هو الذي صنع ذلك بأن رمي الكتاب في مسلكي بحيث لا يمكنني أن أمر بدون رؤيته والتلذذ بغوايته، فإن كان الشيطان قد أغوى حواء بالتفاحة وأخرجها من الجنة، فقد أغوتني الملائكة بكتاب، التهمته بدون أي تفكير، دفعة واحدة، فوجدتني في صلب الجنة.

لأمّك مكانة خاصة عندك.فهي التي تكبّدت خسائر استشهاد الأب.هل تفكّر في كتابة سيرتها في عمل روائي؟


أمي أمزار أو أنزار التي تعني في اللغة البربرية إلهة الغيث، تستحق لذلك كله تمثالا عاليا في قريتها. فقد كانت أما خارقة، تركت كل شيء مقابل أن تقوم بوظيفة الأمومة، والأبوة المغيبة، والوظيفة النضالية تجاه بلد كان ما يزال يبحث عن طريقه. طبعا، لها أجمل تمثال في قلبي سيظل شامخا وأتمنى أن يمنحني الله بعض العمر وبعض الشجاعة للانتهاء من روايتها التي بدأتها وأوقفتها لأني كنت وما أزال أرى لغتي عاجزة عن إيصال القوة المبطنة في هذه المرأة التي تجاوزت اليوم الثمانين سنة.

الترحال قدر الأندلسي الجزائري.من الجزائر إلى دمشق إلى باريس .يبدو أن لقصة الرّحيل معك جينات وراثية؟

 فتحت عيني على عالم متنقل بشكل دائم. أنا لا أعرف بالضبط السر الكامن في الترحال؟ ربما كما قلت لك أنا أنتسب صوفيا على الأقل، إلى قبيلة عرفت بالتنقل الكثير والترحال، ولم تكن قبيلة محاربة ولهذا كلما اشتدت صعوبات الحياة، تركت أمكنتها وغربت أو شرقت بحسب الأمكنة الآمنة. جدي الأول غادر أندسله في القرن السادس عشر على متن سفينة كان يقودها قرصان إيطالي كان يسرق أموال الموريسكيين ويرمي بهم في البحر بعد أن يسلبهم أموالهم، ومع ذلك وصل جدي حيا إلى المنطقة. لا أعرف بالضبط الحقيقة التاريخية وهي ليست مهمة كثيرا ولكن القصص كلها تقول إنه رفض أرضا تحرق فيها الكتب ورفض أن يترك دينه وحنينه لأرض يعتقد أنه بناها وله حق فيها. ولأني ولدت في زمن الحرب أي زمن التنقل المستمر بلا توقف. أمي وجدتي هاجرتا للمغرب ثم عادتا، أغلبية سكان قريتي إما هاجروا للجبال وحملوا السلاح دفاعا عن أرضهم وعرضهم، أو هاجروا إلى فرنسا أو المغرب. ثم فتحت عيني على والد هاجر إلى فرنسا ثم عاد ليموت على أرضه. فأنا من مكان يمكن أن نسميه اللامكان لأنه متغير باستمرار. أعتقد أن هذه الحركية ولدت في رغبة للتنقل الدائم. والرحلة في اعتقادي هي رفض كبير للتسليم بإرادة الأقدار التي تفرض علينا أنظمتها وسلطانها. هي البحث الدائم عن مثل آخر غير ما توفره لنا الشرطية الصعبة والقاسية. إلى اليوم تكاد علاقتي بالمكان أن تتحول على مشكلة، بين طائرة وطائرة وبلاد وأخرى، أصنع عالما جميلا قريبا من الوهم. مثل الذي يرسم في الماء أو في الهواء عالما لا يراه إلا هو. أنا سعيد بذلك لأن الأدب في النهاية ليس إلا ذلك العالم المنزلق أبدا الذي نصنعه ونعيد صناعته من أجل تثبيته، ولكنه سرعان ما يخوننا حينما يصنع طريقه بنفسه.

•    ضمن هذه الثنائية القرية/ المدينة الصعبة، كيف انبت علاقة واسيني مع المدينة؟ المسألة ليست بسيطة إذ كثيرا ما تترتب علنها سكيزوفرينيا تصعب مقاومتها؟


ستستغرب إذا قلت لك إن العلاقة مع المدينة كانت علاقة حب على الرغم من الخوف المبهم الناتج عن عدم معرفة النظام المسير للعلاقات، وعلاقة حب من هذا النوع تنبني على المشاكسة والالتباس. لقد كبرت في قرية صغيرة، مجهرية، قليلا ما أراها في الخرائط الوطنية الأكثر تفصيلا، وكلما صادفت ورأيتها شعرت بسعادة غامرة وكأن وجودها مبرر لوجودي. غادرتها، وكان ذلك بمثابة قطع الحبل السري، في سن العاشرة باتجاه مدينة أندلسية اسمها تلمسان، مدينة مذهلة بجمالها وحدائقها وثلوجها وبناياتها الجملية بأسقفها القرميدية الخضراء. ومع ذلك عندما دخلتها لأبقى فيها من 1968 حتى 1973 كنت خائفا من شيء غامض لم أكن قادرا على فهمه. أعتقد أن المسألة مرتبطة بسلطان الأنا. في قريتي كان وجودي حاسما، كل الناس يعرفونني ويقولون لي صباح الخير ويسألونني عن صحتي وعن أهلي بينما في تلمسان شعرت بسلطان البنايات العالية وبوجوه الناس التي لا ملامح لها، كل شيء كان أملس وممسوحا. العلاقة في حالة مثل هذه تنبني على الخوف من سلطان المدينة إضافة إلى الأساطير التي نحملها عن المدن من رعب وقتل وتعدي صارخ. لكن عندما أحببت لأول مرة في هذه المدينة وعشقت أول امرأ في حياتي، شعرت بأن الخوف بدأ يزول ولهذا أنا مقتنع أن الحب يذلل كل الصعاب ويمحو الخوف بل يدفع بنا إلى أقصى درجات المغامرة. المدينة التي كنت أخافها أصبحت تمنحني غطاء لممارسة كل الحماقات الجميلة التي تمنعني منها القرية. صرت أهرب مع حبيبتي أينما شئت ولا من يعرفنا, أذوب بسهولة بين تفاصيلها. ولم تكن تأبه بما كنت أفعله وأجمل شيء في العلاقة بالأمكنة هو أن تمر بدون أن يعلم بك أحد أو يعرفك. ثم انتقلت في 1973 إلى مدينة وهران التي كانت ما تزال تحمل في تفاصيلها آثار المرور الإسباني الذي استمر قرونا، في وجوه الناس المختلطة وفي البنايات وفي نمط المعاش الأكثر حرية من تلمسان المحكومة بأخلاق العائلات الأندلسية والتركية القديمة. في وهران كان كل الناس سواسية، كلهم ملوك وكلهم رعايا بسطاء ولهذا فالأربع سنوات التي قضيتها فيها كانت كافية بأن تجعلني رجلا، أي قطعت علاقتي مع طفولتي الأولى نهائيا، وافتضت براءتي وبدأت أكتشف أسرار الحياة الجميلة، نساء المدينة وباراتها الإسبانية العتيقة وجريدة الجمهورية التي بدأت أشتغل فيها والتي ساهمت في تعريبها مع مجموعة من الشباب ولم يصل عمري العشرين سنة, القيمة التي وفرتها لي هذه المدينة كانت استثنائية، كان عمري أقل من عشرين سنة وكنت صحفيا أحرر المقالات بالعربية أو أترجم لأصدقائي الصحفيين الفرانكفونيين الذين لم تكن لديهم الإمكانية للكتابة باللغة العربية بعد تعريب الصحيفة، وكنت أدرس في الوقت نفسه في قسم الأدب بعد أن اخترت طريق اللغة العربية لأني طوال الفترة الثانوية كانت لغتي الأولى في الدراسة هي الفرنسية. كنت مشبعا بشيء غريب هو الإسبانية، كنت أشعر أن بها سر أجدادي خصوصا وأني من الموريسكيين أي الذين اضطروا إلى ترك الأندلس بعد سقوطها. تعلمت اللغة الإسبانية في هذه المدينة التي صالحتني مع جزء من تاريخي وكنت سعيدا لأني فهمت الكثير من الكلمات التي كانت تستعملها الجدة وهي من اللغة الإسبانية. عشت بين مدينتين فيهما الكثير من العطر الإسباني، تلمسان الأندلسية التي استقبلت الكثير من الهاربين من محاكم التفتيش المقدس الإسباني في القرن السادس عشر والسابع عشر، ولكنها ظلت محافظة على الإرث الأندلسي ووهران المدينة الإسبانية بامتياز التي ترك عليها المستعمر آثاره بشكل واضح وكان يمكن أن تكون اليوم مثل مدينتي سبتة ومليلية المغربيتين لولا ثورات خير الدين بربروس الذي أخرج منها الغزاة الذين شيدوا مدينة مذهلة للبقاء فيها.
هذا حال تليمسان ووهران.فماذا فعلت بك دمشق مدينة الشرق الساحرة؟

بعدها سافرت إلى دمشق التي زادت علاقتي بالمدينة وكرستها ولكن هذه المرة المدينة الشرقية التي يتم فيها كل شيء عن طريق السحر وكأن بيني وبينها لغة مغلقة لا أعرفها إلا أنا وهي. وأصبحت العلاقة بالمدينة علاقة فيها الكثير من السحر لأن جزءا من حياتي تم فيها وربما الجزء الحيوي. العشر سنوات التي قضيتها في الشام صالحت نهائيا بيني وبين المدينة. دفء دمشق وأمنها وحبها منح لي صورة أخرى لمدينة أقل دهشة وأكثر جمالا وإنسانيا: علاقات المدينة بامتياز وهشاشة القرى الجميلة. لا يمكن فهم العلاقة الملتبسة بالمدينة إلا من خلال حالة الحب المرتبك، نحب ونكره، نعشق ونهرب، نفي ونخون في الوقت نفسه، نكذب ولا نقول إلا الحق، ننام ولكن بعيون مفتوحة.. وصرخ أمام من يظلمنا: يد واحدة لا تصفق و لكنها تصفع. وإذا لم نفهم هذا التناقض المتأصل في الإنسان لا يمكن فهم العلاقة المتناقضة بالمدينة.

ألم تسرق المدينة طفولتك؟وهل تحنّ إلى القرية البعيدة؟


 طبعا المدينة تسحق العلاقة الأولى بالقرية وتغتصب الطفولة التي تشكل المرجع المثالي الدائم حتى ولو لم يكن كذلك. والحنين أبدا لأول منزل. ولو أن الحنين خطير لأنه يعمينا عن رؤية الأشياء الجميلة التي بين أيدينا وتمر يوميا أمامنا. ولهذا أشتهي القرية لأنها تعيدني بصلتي الأولى لكني لا أريدها أن تحدد مساراتي الحياتية المستقبلية، أنا رجل نهم تجاه الحياة وأعرف ككل الكائنات الهشة ما ينتظرني في نهاية الرحلة وهو الموت، والمشكلة أنه لا سلطان لي في ذلك ولكن سلطان الأقدار لكن المسافة الفاصلة بين لحظتي التي أعيشها الآن والموت هي ملكي ولهذا لن أتركها للأقدار تعبث فيها ولا حتى للحنين الذي لحظة بياض وصمت غير مفيد، أمارس سلطاني عليها، ولا مكان إلا لمن يمنحك هذه المتعة الرائعة وهذه الحرية المذهلة. المدينة هي إذن رديف الحرية والحرية بالنسبة إلي شيء مقدس إلى أبعد الحدود. فعندما تسرق مني حريتي أختنق وأموت في اللحظة نفسها، هش مثل أجنحة فراشة. وكتاباتي من وقائع من أوجاع رجل مرورا بنوار اللوز إلى سيدة المقام وشرفات بحر الشمال وطوق الياسمين هي تمجيد حي لهذه العلاقة بالمدينة التي في والتي كثيرا ما أصنعها خارج سياقات الحقيقة الموضوعية والمادية.

•    طيب، وماذا عن روايتك الأولى: وقائع من أوجاع رجل غامر صوب البحر التي أصبح عنوانها البوابة الزرقاء. هل تراها تعبر حقيقة عن بداياتك القوية؟


هناك نص سابق لها أعتبره نصي الانتقالي من القصة القصيرة إلى الرواية وهو جسد الحرائق (جغرافية الأجساد المحروقة) هو أول نص روائي جربت كتابته. نشرته في سنة 1978 في مجلة آمال وبقي حبيسا بها وصممت أن لا أعيد نشره في شكل كتاب، إلا إذا أعدت قراءته وتوسيعه ربما، وهو ما فعلته في الآونة الأخيرة، وسيصدر قريبا في بيروت. هو نص الغربة الأول. لكن الوقائع أو البوابة الزرقاء هي تجربتي الأولى الأكثر اكتمالا. البوابة الزرقاء نشرت أول مرة في دمشق بعنوان وقائع من أوجاع رجل غامر صوب البحر وكان لذلك وقع كبير على حياتي الأدبية. تخيل شابا قضى جزء كبير من حياته الثقافية مفرنس، وعلاقته باللغة العربية حلمية أكثر منها فعلية، لأن كل المواد التي كنا ندرسها حتى بعد الاستقلال كان باللغة الفرنسية، يجب هذا الشاب نفسه في سوريا وينشر باللغة العربية وتنجح روايته ويزكيها صديقي الكاتب الكبير حنا مينا وقارئا عظيما وشيخا جليلا اسمه أبو بحر كان يشتغل في وزارة الثقافية المعروفة بجدية ما كانت تنشره. أجمل شيء قدمه لي هذا النص هو ثقتي في نفسي. ولهذا أقول دائما أن دين دمشق كبير علي. المدينة التي منحتني اعترافا جميلا لم أكن لأحصل عليه لو بقيت في الجزائر، ربما. كلما تذكرت النص مرت أمامي الوجوه الكبيرة والاحتضان الذي لاقيته بسبب هذه الرواية. فقد عرف السوريون أن في مدينة دمشق شاب جزائري وكاتب باللغة العربية. أخرجتني هذه الرواية من وضعية الطالب الذي يحضر دكتوراه بين باريس ودمشق حول الرواية ونظامها، باتجاه وضعية الكاتب الذي يستحق أن تلتفت له الصحافة. ممتن جدا للصحفيين وللمدينة التي منحتني اعترافا كنت في حاجة ماسة له لأشعر بأني أستحق شهادة الدخول في عالم لم يكن سهلا هو عالم الكتابة بالعربية خصوصا. وهذا الإحساس الغريب لذيذ جدا، يشبه إلى حد ما الغرور ولكنه الغرور المبطن الذي لا يضر لا صاحبه ولا محيطه.

عرفت  الرواية الجزائرية مع رشيد بوجدرة  وواسيني والحبيب السائح وجيلاني خلاّص وأحلام مستغانمي ومرزاق بقطاش … نجاحات في الوطن العربي مشرقا ومغربا وعرفت بعض هذه الأسماء انتشارا عالميا فترجمت أعمالها إلى كثير من اللغات الحيّة، هل هذه النجاحات علامة على ما تشهده الرواية الجزائرية من حركيّة ؟ أم هي مجرّد نجاحات فرديّة لا يمكن تعميمها على المشهد الروائي الجزائري ؟


   شكرا على هذا اللقاء الطيّب،في ما يخصّ هذا الموضوع، كما تعرف أخ كمال، التجربة الأدبيّة كيفما كانت هي تجربة فرديّة لأنّها تعتمد على القدرات الذاتية التي يحملها المبدع ولكن عندما تتكرر هذه التجربة تخرج من مستوى الفردية لتصبح تجربة جماعيّة. وعندها تصبح ظاهرة تستحق التأمّل والعمل على الاقتراب منها وفهمها.
ما حدث، هو أن الجيل الأول : جيل الطاهر  وطّار وعبد الحميد بن هدوقة رحمه الله ورضا حوحو - كلّهم مرّوا من تونس فتعلّموا وتثقّفوا في هذا البلد - جيل الثورة هو الذي أسس للفن الروائي الجزائري كظاهرة وكجنس ولكنّه من الناحية الإبداعية انسحب - بعد السبعينات - بعد أن بدأ ينشأ جيل آخر يكتب باللغة العربية - أما تجربة الكتابة باللغة الفرنسية فمسألة أخرى - وهذا الجيل الجديد كان مرتبطا عضويا بتجربة الجيل السابق ولكنّه يختلف عنها لأنّ المناخ الذي أنتج جيل السبعينات يختلف جذريا عن المناخ الذي ظهر فيه الجيل السابق، مثلا : وجود هاجس الثورة عند أدباء السبعينات لا يعني أنّه هدف مركزي.
ويمكننا الحديث عن وجود مواصفات وملامح للأسماء التي ذكرتها كوّنت هذه الظاهرة. وهذه الظاهرة - نقول ببعض التحفّظ - أنها فرضت نفسها وطنيا وعربيّا وبعضها يحاول أن يجتهد لتجاوز هذه الحدود. ويربط هذه الأسماء أو النصوص التي شكّلت هذه الظاهرة، حِدّية ما يحدث في الجزائر. من الناحية التاريخيّة ومن ناحية الحاضر والواقع اليومي، هذه التجربة علامتها الأولى هي روح المواجهة فهي لا تعتمد الخطاب الموارب والمهادن الذي يأخذ بعين الاعتبار خصوصيّة البلد أو الخطاب الوطني المضخّم. هذه تجربة صريحة وعنيفة في قولها عكس الجيل السابق الذي تربّى على تلك الشروط. فهذا الجيل الجديد - جيل السبعينات - تكوّن على شروط مختلفة : التكوين الحرّ، والثقافة الوطنيّة تلك الثقافة المفتوحة على العالمية لأنّ علاقة ذلك الجيل بالمكتوب وبالرواية تحديدا، هي علاقة أساسها المركزي الرغبة في قول الحقيقة عن طريق الإبداع ولهذا نستطيع الحديث عن جيل روائي استثنائي في الجزائر. ولكن، للأسف، هذا الجيل ليست له مخلفات قويّة.
أما الأجيال الصاعدة فليس فيها اسم يشدّ الانتباه بثقافته وتكوينه ، نحن أضفنا إلى الجيل السابق لأنّه كان ضعيفا ثقافيا نتيجة أمور كثيرة منها : الثورة، فلم تكن له الفرصة ليتكوّن ويدخل الجامعة مثلا، أغلبه عصامي التكوين، أما نحن فقد كنّا محظوظين، فنحن جيل الاستقلال، تكوّنا بشكل طبيعي من المدرسة إلى الجامعة ثمّ تحصلنا على منح وسافرنا خارج البلاد لإتمام تعليمنا وقد سافرت شخصيّا إلى سوريا أين تحصلت على شهادة الماجستير برسالة بحث حملت عنوان "اتجاهات الرواية العربية في الجزائر" ثم ناقشت رسالة دكتورا دولة تحت عنوان "نظرية البطل في الرواية". كانت لنا فرصة للالتقاء بالعالم العربي منه والغربي فاطّلعنا على إنتاجاته المختلفة فتكوّنت عندنا مرجعيات متنوّعة. أما الجيل الذي جاء بعدنا للأسف ليست له هذه الرؤية وهذا الهاجس وأتمنّى أن أكون مخطئا، لكنني عندما أنظر في نصوصهم أكاد أجزم أن هناك أزمة مبدعين. هناك مشكل لأنه ليس كل ما ينشر يمثّل تمثيلا حقيقيا التجربة الأدبية الجزائرية. وأنا أعرف بعض المبدعين الذين لم تسعفهم فرص النشر لكنّهم يكتبون نصوصا رائعة.
الرواية جنس الحياة
           تنبّأت الناقدة الأمريكية لسلي فيدلر "Lesli Fidler" خائبة منذ سنوات بموت الرواية في مؤلفها الشهير "نهاية الرواية The end of the novel" وفي مؤلفات أخرى. وجرى الزمن بما لا تشتهي "لسلي" ليكون حاضر الأدب للرواية وأكاد أقول وحدها. لماذا، حسب رأيك، صمدت الرواية وكذّبت أعداءها ؟


   الرواية جنس الحياة. هكذا يحلو لي تعريفها، بمعنى أن الشعر محكوم عليه بالموت أو الإعدام أو على الأقل محكوم عليه أن يكون ضمن أقليات الأجناس الأدبية. لأنّ طبيعته اللغوية لا تسمح له بالذهاب بعيدا.إنه يعتمد لغة استعاريّة، غير أصلية، غير حقيقية، غير طبيعيّة، لغة يصنعها الشاعر وهي لغة بعيدة عن لغة التداول اليومي، تعتمد على الصورة والمجاز والاستعارة… الشيء الذي يجعل منها لغة أقليّة. ولهذا لا أستبعد أفولها وزوالها، فأزمة الشعر لا شكّ فيها، حتى في الدول الغربيّة نادرا ما تجد دار نشر تنشر الشعر وإذا نشرت لأحد الشعراء فإن نسخ الكتاب تكون محدودة. ويبرّر الناشر موقفه بكون الشعر لا يُسوّق مقارنة بالرواية، الرواية آفاقها رحبة، لأنّ الجنس الروائي هو الجنس الوحيد الذي يستوعب الأجناس الأخرى : استوعب المسرح ويمكن أن نمثل لذلك بمؤلفات المسعدي، استوعب الأسطورة، استوعب التاريخ والشعر والرسم والنحت والموسيقى. هذا الجنس كما تُعرّفه أدبيات النقد الغربي هو الجنس الوحيد الذي يمتلك إمكانية التجدّد من خلال تلك القابليّة على الاستيعاب. وهنا تقف الرواية شبيهة بالإنسان القادر على التجدّد والتأقلم وهذا ما يجعله يعمّر أكثر من غيره. لهذا لا أرى أبدا أن الرواية تسير نحو حتفها على الأقل في المنظور القريب. ستبقى الرواية ملحمة، لكنها تتجاوز ذلك التعريف القديم : "ملحمة البرجوازية" لتصبح ملحمة العصر الحديث، فالملحمة استطاعت أن تستوعب كل الأجناس السابقة لها واختزنتها وعندما وصلت إلى القمّة بدأت تتحلّل لتنشأ عنها أجناس أخرى منها الرواية. بدأت عملية التحوّل من "الحمار الذهبي" لأبوليوس مرورا بدون كيشوت… إلى أن وصلنا مع فلوبير وزولا عندما بدأ الجنس الروائي يستقيم ويعلن استقلاليته الصريحة. ونحن الآن بصدد بناء هرم الرواية الشبيه بهرم الملحمة وهذا البناء يحتاج إلى زمن يعدّ بالقرون ليصل الجنس إلى أقصاه ويستوعب كل الإمكانات المتاحة له ثمّ يبدأ في مرحلة التحلل لينشأ من رحمه جنس آخر يعيد نفس المغامرة.



            العودة إلى التراث الحكائي المكتوب منه والشفوي بما يحمله من عوالم مدهشة بسحرها ومحلّيتها هو الطريق الوحيد لنحت خصوصيّة للرواية العربية يمكن من خلالها أن تضيف للإبداع الروائي العالمي مثلها مثل أدب إفريقيا السوداء أو أدب أمريكا اللاتينية. هذا تقريبا، رأي واسيني الأعرج. هل ما زلت على هذا الرأي ؟ المحليّة هي الطريق الآمنة للعالميّة ؟

   صحيح، يقال "أنا عندما أكون ابن قريتي أكون عالميّا" ما معنى العالميّة ؟ العالميّة هي أن تضيف شيئا مختلفا إلى ما هو مهيمن وما هو مسلّم به وتقحم تلك الإضافة داخل النسق العام الذي يتجاوز الإطار المحلي. الرواية العربية حسب التأريخ الحديث لها تبدأ مع رواية "زينب" حوالي سنة 1914. ولكن بالنسبة لي هذا التأريخ مغلوط ومزوّر. ويسحبنا هذا الرأي نحو مبحث أكثر شساعة، هل كانت النهضة بالفعل نـهضة ؟؟ لقد كانت قطيعة من الناحية الأدبية، كانت هناك أشكال سردية وتضخّم سردي عربي اتضح خاصة في القرن العاشر حين ظهرت النصوص الكبرى (رسالة الغفران، ألف ليلة وليلة، حي بن يقظان، كتب الرحلات : رحلة ابن جبير، رحلة ابن بطوطة…) وهذه النصوص أسست لأجناس أدبية لو أن النهضة جاءت بشكل مخالف لما أتت به لأمكن لها أن تصل إلى شكل سردي عربي قد يكون الرواية أو شبيها بها. ولكن للأسف، جاءت النهضة وأنزلت ستارا حديديا وهمّشت تلك الجهود السردية العظيمة.
لذا فكل أعمالنا التي نجتهد فيها للارتباط بالتراث والأسطورة والمرويات الشعبية هي رغبة مقلوبة لما كان يجب أن يحدث قبل قرون على الأقل، بمعنى أننا نستدعي هذه الأشكال السردية لكنّنا نستدعيها في زماننا وهذا أساس الخلاف أو الاختلاف بيني وبين جمال الغيطاني. فالغيطاني في رواياته كثيرا ما يستدعي المرويات القديمة كما هي وكما وردت ويدخلها في عصر ليس لها وهذا يعني أنها منذ البداية مرفوضة أمّا من ناحية المقروئية فالقارئ يجد فيها نصوصا تقول نفسها بلغة صعبة…
التراث يجب أن يدخل ضمن تفاعل حقيقي مع الحاضر فعندما ينفصل عن الواقع يصبح مجرد لافتات لا معنى لها، إنّ التعامل مع التراث أو المرويات الشعبية يحتاج إلى تأمل داخلي، داخل هذه النصوص القديمة والتأمل الداخلي يقودنا بالضرورة لإدراك الكيفيات الناجعة لإدراجها ضمن النسق الروائي بحيث تبدو بعهدها القديم كأنها ابنة هذا العصر فلا يشعر القارئ وهو يواجه النص الروائي أنه خارج عصره.
فالتعامل مع التراث أو المرويات الشعبية وحدها لا يكفي فهذه مهمة تحتاج إلى اشتغال كبير من المبدع لأنه يتخلّى عن وظيفته كمبدع -وهذا القول ناتج عن تجربتي الشخصية المزدوجة جامعية وإبداعية- ليضطلع بأدوار المتأمّل والباحث حتى يحاور المادة الأوّلية التي بين يديه. فتلك النصوص القديمة أشبه ما تكون بقطعة الآجر أو الإسمنت أو الحديد ووظيفتك أنت كمبدع أن تطوّعها وتدخلها في معمار حديث.
        ولكن كيف يمكن للمبدع أن يكون محلّيا في زمن العولمة ؟ حتى  الشارع العربي لم يعد عربيّا ؟!!

غير محسومة فالظاهرة جديدة - على الأقل بمفهومها الحالي - فهي في النهاية استمرار لمفهوم الإمبريالية السابق مع متغيرات العصرنة الحالية التي نعيشها.
لكن، خذ مثلا أوروبا، وهي المقياس الوسطي لأنها ليست أمريكا وليست الوطن العربي، فمن خلالها يمكن أن أقيس درجة الحرارة وأتأمل الظاهرة - الحماية الفرنسية، مثلا، ومن خلال أحد وزراء الثقافة "توبون" أصدرت قرارا بأن يقع إخراج كل الكلمات الإنجليزية من القاموس، فبدّل Fax مثلا بـTélé copie ولكن هذه المقاومة كانت مقاومة فاشلة لأنّك لا تقدر أن توقف سيرورة التداول فالقوانين لا تؤسس لغات وطه حسين على قوّته لم يوقف تداول كلمة "سندويتش" وظلّ اقتراحه، "شاطر ومشطور" سجين بعض القواميس ومضرب تفكّه. بينما فرضت قوة التداول كلمة "سندويتش". المسألة خطيرة جدّا، خاصة في الميدان الثقافي، إمّا أن تنتج بدائل بنفس قوّة التداول وإمّا فلا فائدة تُرجى من مجهودك.
          حاورت في روايتك "حارسة الظلال" نصّا إسبانيا شهيرا هو "دون كيشوت" للكاتب ميقال دي سرفا نتيس ومذكراته في الجزائر "Traité d'Alger" وبشكل أقل رواية "كارمن" " Carmen " للكاتب بروسباي مريماي "Prosper Merimée" هل تعتقد أن استراتيجية التناص هي دعوة للقراءة. دعوة لقراءة هذه النصوص الخالدة ؟ هل يمكن فكّ شفرة "حارسة الظلال" مثلا دون الرجوع إلى سرفانتيس ؟


   سؤال أساسي بالنسبة لحارسة الظلال. كل نص هو عبارة عن مجموعة من المستويات من الناحية المقروئيّة :
- مستوى أول لقارئ لا يسأل ويكتفي بتتبّع أحداث الحكاية : حكاية "حسيسن" ذلك الموظف بوزارة الثقافة والمكلّف بالعلاقات الجزائرية الإسبانية وكيف يستقبل ذلك الصحفي الإسباني الذي جاء إلى البلد بحثا على آثار جدّه والأماكن التي نزل بها. ثم كيف يصطدم بالسلطة والإرهابيين فيفقد لسانه وذكره ليبقى يصارع تلك الطواحين البشرية بأصابعه وبتلك الآلة الكاتبة القديمة… هذا القارئ ليس سيّئا، هذا مستوى لقارئ متوسط، وهذا هو المهيمن.
- هناك مستوى آخر وهو القارئ المتأمّل، الباحث، الناقد، هنا الأمر يتغيّر، لأنّك تفترض أن للقارئ حدّا من المعارف يؤهله لكشف تلك الأدوات التي اشتغلت بها. طبعا، ليس مشروطا على هذا القارئ أن يعرف تلك الأدوات مثلما عرفتها أنت المبدع، فأنت كتبت نصّا ضمن شروط موضوعيّة جعلتك تستدعي كتبا ومخطوطات… فأنتجت مادة تتقاطع مع مجموعة من المواد السابقة لها.
في "حارسة الظلال"، أنت أمام نصوص مركزيّة ونصوص هامشيّة. النصوص المركزية تمثلها خاصة رواية "دون كيشوت". وكما تذكر، الشخصية الروائية "فاسكيس دي سرفانتيس دالميريا".. جاءت تبحث عن المراكز التي أقام بها الجد الكاتب "ميقال دي سرفانتيس". من الناحية الموضوعية أو الاحتمالية هذا وارد، فيمكن أن يكون أحد أحفاد سرفانتيس المتأخرين موجودا ويمكنه أن يفعل ما فعلته شخصية فاسكيس في حارسة الظلال، لكني لم أكن أعرف. ومرّة كنت في إسبانيا "بتوليدو" تفاجأت بأحد أحفاد سرفانتيس الحقيقيين يقول لي : " لقد قرأت الرواية في ترجمتها الإسبانية وكان يمكن أن أقوم بنفس ما أقدم عليه بطل روايتك، لكنّني لم أكن أعلم أن جدّي أقام كل هذه الفترة في الجزائر أسيرا (حوالي خمس سنوات) وأنّه بدأ يعدّ لكتابه "دون كيشوت" - ذلك الكتاب العظيم- في الجزائر ".
وهذا بالفعل ما حصل، ويمكن أن ندلل على رأينا بما ورد في الفصل الحادي والأربعين "تلاوة تاريخ الأسير". والمتأمل في العلاقات الممكنة بين النصّين، "حارسة الظلال" و"دون كيشوت" سيلاحظ أن سرفانتيس بقي خمس سنوات أسيرا في أنفاق الجزائر بينما بقي حفيده الافتراضي في "حارسة الظلال" خمسة أيام سجينا وسيكتشف هذا القارئ أنّ شخصية "مايا" في روايتي حملت الكثير من ملامح "زريد" في دون كيشوت. لكن في نفس الوقت هي بعيدة كل البعد عنها. لأنني استدعي التاريخ وتلك النصوص من باب المناهضة، استدعيه لأنقضه بالممكن وتجد هذا في كثيرا من أعمالي : في "نوار اللوز" قدّمت وجها مناقضا لـ"بوزيد الهلالي" في "السيرة الهلالية" وفي "فاجعة الليلة السابعة بعد الألف" عارضت "ألف ليلة وليلة". وكما ذكرت لك في حديثي عن التراث، أن علاقاتنا وإنجازاتنا هي استمرار لكن في نفس الوقت قطائع، فعلى الكتابة أن تجسّد كذلك هذه الحالات، فمثلا "زريد" التي كانت حلم سرفانتيس وأكاد أجزم أنها شخصية حقيقية بالنسبة له : امرأة موريسكية أحبّها من وراء النافذة مثلما هو موجود في الرواية، كانت متمسّحة ثم يكتشف أنها مُسّحت بالقوّة.

       هل نفهم هذا على أنه إفراز للتعصّب الديني ؟

   نعم، لا تنس أن القرن السادس عشر كان فترة حروب دينية مؤسسة على الفكر الديني، وهذه صراعات طارئة لا تهمّني مطلقا، وما يؤثّر فيّ هو ما يتجاوز به الكاتب هذا الطارئ ويبقى عبر العصور وهو كتاب "دون كيشوت".
إذن، سيذهب المختصّ إلى هذه النصوص ويبدأ بنسج العلاقات الممكنة والموجودة بين هذا وذاك، وهي موجودة في "دون كيشوت" نفسه الذي يُدعى في الأصل فاسكيس دلميريا. فينتقل من شخصيّة حقيقية إلى أخرى خيالية إبداعية. فيلبس لباس الشخصية : واضعا السامبريرو على رأسه ذاهبا إلى المكان الذي سجن فيه حقيقة سرفانتيس ثم مغارته، وهو مكان موجود بالعاصمة وتحول الآن إلى مزبلة وأنا أخذت الـMétaphore الصورة وضدّها، فسرفانتيس كان في القرون 17 و18 و19 مدارا لكبار المثقّفين وعشاقه يأتون بعد الاستقلال ليزوروا المكان الجميل الذي يشرف على البحر، ويدور الزمن دورته المؤلمة ويصبح المكان مزبلة يلتقي فيها السّكارى وهذا المشهد يلخّص لك صورة الجزائر التي انهارت، هي استعارة والاستعارة لها أساس تاريخي : مغارة سرفانتيس. وحتى العنونة، سرفانتيس يكتب عناوينه مطوّلة.
  نعم انتبهت إلى ذلك وسنفرد لها سؤالا خاصا.

   آه. إذن، أتجاوز ذلك إلى النص الثاني : كارمن، هذه النصوص في الحقيقة، كبرت عليها، ستسألني لماذا نصوص إسبانية رغم أن ثقافتي فرنسية أكثر مما هي إسبانية ؟ أبني هذا على أساس أسطورة أخرى تتقاطع مع التاريخ وهي أن الجدّة / حنّا كما ظهرت في الرواية، وهي حقيقية، كانت تروي عن أجدادها الأندلسيين، أن أصلنا أندلسي وأن جدّنا الأول قادم من غرناطة وأنه أنقذ من الموت عندما كانت محاكم التفتيش تحرق المكتبات وقد حرقوا له مكتبته، والتي أنقذته هي "عبدة" والعبدة هي الخادمة، وقد أعطته قطعة خشب وقالت له اذهب ولا تلتفت وراءك، حتى وجد نفسه في الضفّة الأخرى. تجد هذا في "حارسة الظلال" وفي "فاجعة الليلة السابعة بعد الألف". كنت آخذ كلام الجدّة، التي ماتت في السبعينات رحمة الله عليها، كنت آخذه بسخرية، كان يعجبني ولكن يبدو لي أنها "تخرّف" وأنها امرأة مسنّة وتريد أن تحكي القصص والخرافات… إلخ.
لكنني بعد ذلك اكتشفت أنّي أنا الذي كنت غبيّا وساذجا وليست هي، لأنها كانت في عصرها وفي إطارها وفي زمنها وفي ثقافتها وفي أساطيرها وهذا ما جعلها متوازنة بينما أنا مضطرب : نصفي حداثي ونصفي في قرية وربعي في المدينة وربعي الآخر في باريس، أنا غير عادي، أما الجدّة فهي في البيت، في زاوية، في مكان طبيعي، كل الفضاء منسجم معها. ومرّة كنت صحبة زوجتي في مكتبة نبحث في الأندلسيات،اكتشفت أنه في الحملات الأولى، حملات الطرد، التي كان الإسبان يرحلون فيها المسلمين إلى الجزائر وتونس وبجاية، وكان القراصنة الإيطاليين يأخذون الناس ويرمونهم في البحر - اكتشفت أنه كانت من بين هذه السفن سفينة كان اسمها "ABDA" (عبدة) وهذه السفينة كانت كما يذكر المؤرّخ تنزل في مناطقنا بالضبط. قلت سبحان الله الجدّة كانت على حق عندما كانت تحكي عن "عبدة" وهي على الأرجح ورثت الكلمة التي سمعتها، ولأنّ في مفهومها، "عبدة" هي الخادمة السوداء، ولأن جدّي كان شخصية مهمّة عندما رُحّل، وكانت عنده مكتبة، فيفترض في فكرها أن تكون له خادمة، وهي التي أنقذته. وهنا نكون قد انتقلنا من الأسطورة إلى التاريخ. والله بقيت أشتم نفسي عاريا لأنّي ضيّعت جدتي ولم أسألها مليّا عن عبدة، كيف كانت ؟ وماذا كانت تفعل؟ وأنت تعرف أن العجائز يقدمن لك المعلومة بقدر ما "تحصرهنّ في الزاوية" ليتحدّثن.
إذن هذا التاريخ الأندلسي، يبدو لي، هو الذي قادني إلى استعمال هذه النماذج الإسبانية، وكارمن من الكتب التي أثّرت فيّ وبقيت في ذهني كتابة وسينما… كارمن تجسّد نموذج المرأة المتمنّعة والكريمة أيضا، سخيّة، عندما تحبّ تكون امرأة كاملة تعطي من رأسها حتى قدميها، لكن عندما لا تريد، والله، لو تقتلها فهي رافضة. متناقضة في تصرّفاتها، تسلم نفسها ساعة مقابل نقود وساعة تسلّم نفسها في حالة حبّ جنوني. وجدت في هذا النموذج قوّة حضور كبيرة، كأنها أختي، كأنها المرأة التي أريدها، أصبحت نموذجي فكانت حاضرة أمامي، بلباسها الأسود والأحمر وزهرة الكاسي التي تضعها في شعرها، عندما كنت أكتب "سيدة المقام". يعني هذا أنها خرجت عن كونها شخصيّة لميريماي Merimée التي يتحدّث عنها على أنها تاريخية تقريبا لتكون شخصيّة إبداعية حملت حقيقتي ولم تعد تحمل حقيقة إسبانية، حقيقتي التي أريد إيصالها إلى القرّاء وهذا التناص يتجاوز المعطى التأثري (hypotexte والـhypertexte…) يتجاوز هذه الأشياء، يذهب نحو عمق الأشياء، يأخذ الكاتب من النصّ روحه ويستعيرها منه ويعطيها من روحه، يعني أنّ النص ينتقل بين الثقافات فكارمن مثلا أُخذت كثيرا في الأدب العالمي، لكن كل كاتب أعطاها خصوصيّته، فكارمن الأمريكية أمريكية والإيطالية إيطالية وكذلك كارمن الجزائرية جزائرية، أراها حتى في أيام العنف، في الوقت الذي سكت فيه رجال بشواربهم قاومت المرأة وقبلت أن تموت بسخاء روحي.
      صدرت حارسة الظلال بالفرنسية حاملة عنوان "Le ravin de la femme sauvage" لماذا أجهزت على هذا العنوان في الطبعة العربية ؟مع العلم أننا وجدناها منشورة في طبعة جزائرية بنفس العنوان"منحدر السيدة المتوحشة.

   هذه مشكلة. هذا النص له رحلة عجيبة صدر سنة 1996 في باريس باللغة الفرنسية، وأصدرته بالفرنسية احتجاجا على العربية، كنت أخذت رواية "سيدة المقام" لدار الآداب وأعجبت بها وكادت تخرجها ثم اكتشفت فيها مشكلة الإسلاميين، في فترة لم تكن فيها حركة الإسلاميين ظاهرة إجرامية، كانت سياسية فقط ثمّ بدأت تتحوّل إلى ظاهرة إجرامية، وأنا أضع اللمسات الأخيرة في الرواية كان القتل قد بدأ، جرائم متكرّرة.. وقع تأخير صدور الرواية وطالت المدّة، فقرّرت نشرها، أخذها ناشر من الجزائر، بقيت عنده ستة أشهر وطلب الانتظار حتى تتّضح الأمور لأنّ فيها أشياء مباشرة.
  وقعت الإشارة إليها في "ذاكرة الماء".
   آه. بالضبط ما حدث في ذاكرة الماء، تلك الرحلة، حدثت حرفيا وكما تعرف، النص مثل الإنسان يسافر وينتقل، ومرة في حوار مع مجلّة ألمانية شهيرة سألوني سؤالا عن هذا الموضوع فتحدّثت عن صعوبات نشر الكتاب، وصادف أن قرأ هذا الحوار خالد المعالي صاحب دار الجمل بألمانيا فبعث لي رسالة عن طريق Le parfument d'écrivain لكنّني كنت بالجزائر وأتنقّل بسريّة تحت وقع التهديدات. فقد هجرت البيت، وتفرّقت العائلة، كنت في مكان وزوجتي في مكان آخر، ولما وصلت رسالة خالد معالي إلى parfument بعثوها إلى الجزائر ثم إلى اتحاد الكتاب الذي بعثها إلى أماكن مختلفة ثم وصلت إلى أحد طالباتي التي أتت بها إليّ بعد قرابة سنة. وكان خالد معالي يقول إنه قرأ الحوار وأعجبته فكرة الرواية ومستعدّ لطبعها. والتقينا في باريس ثم نشر الأعمال الأخرى. كان شجاعا في ذلك الموقف.
بعد ذلك قلت لماذا أتعب نفسي بالركض، لو قُتلت في ذلك الوقت كانت ستكون بي غصّة كبيرة لأني لم أر "سيدة المقام" منشورة، كانت قشة النجاة.
ثم كتبت "منحدر السيدة المتوحشة" ونشرتها في باريس، كان عنوانها الأصلي : منحدر السيدة المتوحشة والفرعي حارسة الظلال. بالنسبة    إلي منحدر السيدة المتوحشة مكان موجود في الجزائر العاصمة يأتي من فوق ويصل إلى تحت كأنه أسطورة حول السيدة المتوحشة من زمن الأتراك بالنسبة للقارئ الفرنسي هذا لا يعني شيئا ففضّلوا العنوان الرمزي "حارسة الظلال" فطبع الطبعة الأولى بالفرنسية والثانية في ظرف ستة أشهر ثم في سلسلة مجلّة Marsin وأخرجوها في سلسلة روايات السنة، ثم في سلسلة الجيب، فقلت هل هذا معقول، أن أظلّ أركض خلف الناشريـن العرب ؟!!! استهوتني المسألة ثم توقفت عنها. نشرت بعدها مباشرة "مرايا الضرير" بالفرنسية " les miroirs de l'aveugle "، أما النص العربي فقد سلّمته للجزائر قبل اليوم العالمي لحريّة الصحافة بأسبوع : الكتاب صفّف في دار مارينو، التي كانت قوية وجديدة وقد أخذت حق نشره في الجزائر بالفرنسية والعربية لكنه طُحن ولم ير النور، أتلف حراس النوايا النسخة العربية، فلم يبق إلا النص بالفرنسية، النص العربي مُحي تماما ولم أحصل لا على "الديسكات" ولا النسخ الأولى… فكان عليّ أن أعيد تخيّل الرواية من جديد. استهواني النشر باللغة الفرنسية رغم أنني أحبّ كثيرا اللغة العربية وأؤمن بأني كاتب اللغة العربية وأحب اللغة التي لا تشعرني بالغربة والقادرة على التعبير فنّيا عما بداخلي. وطبع العمل 4 أو 5 مرات في باريس وطبعته في الجزائر بالفرنسية، أردت الحفاظ على العنوان الأصلي الذي سارت به الرواية أكثر حتى لا يدخل القارئ في حالة ارتباك ويذهب بذهنه أنهما روايتان والحال أنها رواية واحدة. رغم أنّي ذكرت في الطبعة الجزائرية. Le ravin de femme sauvage أنّ هذا الكتاب صدر بكذا ونشر في حلقات مسلسلة في جريدة Le Matin… ورأيت أن هذا العنوان عرفه الناس، وكُتب عنه كثيرا. كانت هذه الرواية محظوظة في التوزيع والنشر والترجمة، ترجمت إلى الألمانية والإسبانية والإنقليزية والسويدية… بينما روايات أخرى لم تأخذ الحظ الذي أخذته، فقلت ما دامت هذه الرواية موجودة في طبعتها الألمانية "حارسة الظلال" والطبعة الإيطالية والفرنسية فالأفضل أن أخرجها بالعربية كذلك بعد أربع أو خمس سنوات (1999).
         نقرأ على غلاف الرواية في طبعتها الجزائرية عن "الفضاء الحرّ" أنّها استقبلت بحفاوة نقدية كبيرة في نسختها الفرنسية، لكنها لم تلق نفس الاهتمام العربي في طبعاتها العربية. كيف تفسر هذا الموقف من النقاد العرب الذين تهافتوا على معالجة أعمالك الأخرى ؟

   كتب عنها في "القدس" وفي "الحياة" وفي مجلة مغربية وكتب عنها كثيرا في الجزائر. لكن أمام الاهتمام الأوروبي هذا الاهتمام لا يذكر مطلقا. يكفي أن أقول لك إنه في أقل من ستة أشهر ترجمت إلى لغات عديدة وهو حظ كبير لأنه بفضل هذا النص ترجمت الأعمال الأخرى، إذ هو النص الأول الذي يتجاوز الترجمة الفرنسيّة. إلى اليوم أتلقى مقالات عنها، وقبل مجيئي إليك تلقيت دراسة من الألماني Friz Peter Kirsh أدهشني وهو عالم ومثقف كبير وجامعي مهمّ. وقد تفاجأت أنه بكل تواضع يراسلني من خلال صديقة مختصّة في الأدب الفرونكوفوني لأنه يشتغل على محمد ديب منذ زمن، وأنت تعلم أن محمد ديب قمّة أدبية.
       وقد كتب عن حارسة الظلال قائلا إنّها "قيمة أدبيّة لا تخذل قارئها من أول حرف إلى آخر كلمة".

   نعم كتب كلمة جميلة أخذنا منها تلك الفقرة الصغيرة التي قرأتها على ظهر الرواية في طبعتها الجزائرية. قلتُ طلب الألماني من الصديقة أن تمدّه بالعنوان الإلكتروني حتى يراسلني، وقبل أن آتيك بيوم أرسل لي مقالة طويلة جدا في 20 صفحة تقريبا وأرسلتها إليك عبر البريد الالكتروني.
    نعم قرأتها وهي دراسة معمّقة فعلا تناول فيها جوانب مهمّة في الرواية.

فعلا،أما النقد العربي !! من أعجبه النص مرحبا به ومن لم يعجبه "الله يهنيه" والله علاقتي طيبة بكثير من الصحفيين العرب، لي أصدقاء عديدون في الصحافة العربية، وإلى حد السنة الماضية كان لي جزء من صفحة أعدها في جريدة عربية (الحياة). وفي نهاية المطاف العلاقة بين النقد والنص العربي مشابهة بعلاقة الرجل والمرأة : يحبها وتحبه فتذهب معه، علاقة حيادية ممكن، علاقة قوية ممكن، أو علاقة نفور، فلا أحد يحبّ الآخر، والتلقّي يبقى مسألة ذوقيّة.
    

             أعود إلى ظاهرة العناوين المطوّلة والتي أشرت إليها في بداية الحوار وطلبتُ تأجيلها، قلت إن رواية دون كيشوت تستدعي هذه الطريقة ولكني أرى أن هذه التقنية هي تقنية عربية أصيلة تلك التي يقوم من خلالها الكاتب بتلخيص ما سيحدث في الفصل. وهذا نجده في أمّات الكتب العربية القديمة،عند المسعودي والقلقشندي وغيرهما. هل هذا جانب من جوانب تأصيل الرواية العربية عندك ؟

   يبدو لي أن العلاقة بالقصّ العربي هي علاقة ربما كلّ الناس يحسّونها لكن طريقة الاستلهام هي التي تختلف. أنا أعطيتك مثالا لسرفانتيس، لكن أنت وضعت يدك على الحقيقة تماما. لأن سرفانتيس نفسه أخذها من الثقافة العربية وهو يعترف بذلك حتى وهو يكتب دون كيشوت.


  واستعملها أمبرتوايكو في روايته الشهيرة "اسم الوردة".

   تماما. معنى ذلك أن هذا تقليد موجود، لهذا أقول لك إن الخسارة الكبرى التي خسرها العرب في النظام السردي الذي أسسوه عبر قرون ثم أتت النهضة ليؤرّخوا برواية "زينب"، أنا هذا لا أفهمه بصراحة، كيف تقبل عملية البتر وأنت في غنى عنها، أنت لديك ما اشتغل عليه علماء وأجيال ثم تضعه في المزبلة وتبدأ من جديد في طور التكوين، لماذا لم تترك الاستمرارية ؟ لما التفتّ ورائي وجدت السرد نظام كلّي بما في ذلك قضيّة العنونة، فأنت عن طريق هذه العنونة تدخل القارئ في مناخ عربي لأنها كما قلت عادة سرديّة عربيّة : تلخيص ما سيرد، يمكن إلحاقها بالعتبات، لأنّ هذه العتبة إيضاحية تعطي ما هو أساسي في العالم الذي سيأتي وهي ليست غريبة بل هي محاولات لإزالة الغرابة عن النص، يدخلك في عالم ثم تحاول أن تكتشف المجموع من خلال تلك الإشارات مثل ذلك الذي سار في الغابة إن لم يضع خلفه حجرات لن يعرف طريقه في العودة، مثل الحجرات اللمّاعة حتى ترى طريقك وأنت سائر في عالم النص. والعرب قديما يضعون هذه العلامات مثل النّار وهذه النصوص علامات لكننا أهملناها على أهميّتها الكبيرة وقد اعتمدتها في "حارسة الظلال" لأني مازلت أراها صالحة وموجّهة.
          لكنّك حمّلتها معاني جديدة فتناغمت مع الرواية، وقد اضطلعت بوظائف سردية كثيرة،ومن تلك الوظائف وظيفة الاستباق ووظيفة التلخيص والإعلان وظيفة التشويق لأنها لا تفضح ولا "تحرق" الفصل، فهي على العكس تورّط القارئ أكثر !
  فعلا، هي تستدعيك إلى مغامرة أنت تعرف بعض علاماتها ولكنّك لا تعرف لا كيف بنيت تلك العلامات ولا كيف تنتهي، هي تضعك في الطريق الآمن ولكنها أحيانا تكون علامات مضللة تلعب معك لعبة القط والفأر، تخبرك أنه سيحدث كذا وكذا ولكنه لا يحدث إلا في الفصل الموالي.
         "حارسة الظلال" قدّمتها لنا في الرواية على أنها أسطورة أو خرافة جزائرية، كيف تقدّم لنا هذه القصة ؟ ما هي تفاصيلها ؟!

   أولا هي خرافة، هناك مكان اسمه منحدر السيدة المتوحشة وفي هذا المكان هناك حارسة الظلال، يعيش إنسان يحرس الظلّ، تخيّل إنسانا يحرس الظل وهو متحرّك. هذا متخيّل لكن في الواقع الموضوعي كانت هناك امرأة يقول بعضهم في العهد التركي تقريبا في نهاية القرن 16 وبداية القرن 17 واستمرّت الحكاية تروى. في منحدر السيدة المتوحشة كان هناك مكان مثل الجبل لا يمكن الصعود إليه في العاصمة، في ذلك المكان يُقال أن امرأة كانت توجد في رأسه، كانت تحبّ رجلا حرموها منه لأنّ عائلتها الكبيرة لا تريدها أن تتزوج من طبقة عادية، لكن الذي حدث هو أن صديقها طلب أن تهرب معه لكنها رفضت، ثم هربت من بيتها بعد مدّة. ولأنّ الرجل لم يعد موجودا، (روايات تقول انتحر…) ذهبت المرأة إلى أعلى منطقة في الجزائر العاصمة وبقيت هناك… والرواية التي كانت تدور حولها هي أن هناك سيدة متوحشة يخافونها ومع مرور الزمن تجرّأت امرأة كانت تعاني من  عقم وذهبت إليها فمسحت على وجهها وعلى بطنها فصارت حاملا.
االمسيح الجزائري؟

   نعم. بالضبط، تداخل كبير بين الثقافات والديانات، ومنذ ذلك الزمان تغيّرت العلاقة، وسمّي المكان بمنحدر السيدة المتوحشة، وكلمة "السيدة" تعطي للمرأة مرتبة عليا. وصار الناس يزورونها حتى توفيت. ويقول بعض الرواة إنها قصة حقيقيّة. وهذه المرأة، ماذا كانت تفعل ؟ كانت تتّبع حركة الظلّ.. مثل من يلعب "الورق" فتتبع حركة الظلال وتقول لك ما سيحدث في الغيب هي بين الحكيمة والعرّافة.. استلهمتُ كل هذا...
    لكنها تنتظر.. مثلما تنتظر الجزائر منقذها دائما.
   نعم هي تنتظر حامل الشمس، وهذه أسطورة يونانية.
  خويا حمّو ؟!
   نعم، هي أغنية شعبيّة عندنا نغنّيها عندما يهطل المطر :
يا نو صبّي صبّي
ما تصبّيش علي
حتى يجي خويا حمّو
يغطّيني بالزربيّه
وهي أغنية جميلة جدّا.. فهي تنتظر خويا حمّو هذا الذي يأتي حاملا الشمس ويغيّر العلاقة بالظلّ ويمكن أن يمحو الظلّ ويدخلها في عالم آخر… إنها الحلم، الذاكرة، ذاكرة مثل الظلّ، غير مرئية متحركة، لا نراها ولكن يجب أن نفهمها ونفهم حركتها من الناحية الرمزيّة.
والجدة / حنّا في الرواية لا ترى، لكن مع ذلك إحساسها بوجود هذه الأشياء يجعلها ترمّم الأمكنة في ذهنها وهذه قدرة الإنسان الشعبي، فأنت الآن عندما تذكر قريتك التي ولدت بها ترمّمها بذاكرتك وتعيدها كما كانت بينما هي لم تعد كذلك، نفس الشيء في علاقتنا ببعضنا بشرا، عندما نحبّ شخصا نرمّم له كل الأخطاء، وعندما لا نحبّه نجعل فيه كل الفجوات الممكنة وإذا كانت له إيجابيات ندمّرها.

حديث المكان المفقود

  يقودنا حديثك عن الأمكنة إلى سؤال حول الفضاءات التي تتحرك فيها رواياتك وتحديدا حارسة الظلال، لاحظنا أن الأمكنة تكاد تكون هاجسك في الكتابة فبين مكان العزلة ومكان المغامرة ومكان الأسر والمكان القامع والمكان الخائن تجري الأحداث وتتحرّك الشخصيات المهووسة بأوضاع المكان المهدّد بالفقدان. هل هذا الحضور المكثّف للحيّز هو حقل من حقول البحث عن بنية الشكل الروائي أم يشي بما عاشه واسيني الأعرج من عزلة ونفي وحرمان من المكان ؟!

   هو كل هذا، أنا بطبيعتي أكتب عن الأشياء التي عشتها والتي كانت قريبة منّي ومن محيطي، طبعا أنا لا أردّدها حرفيّا في عملي، لكن هناك ذلك الدافع القوي الذي يتقاطع مع الدافع الموضوعي، الإحساس الذي تكوّن عندي في السنوات الأخيرة هو بالفعل فقدان المكان، يعني انتقل المكان من شيء مادي محسوس إلى مكان ذهني. كانت لي مكتبة كبيرة في بيتي عندما كنت أكتب "فاجعة الليلة السابعة بعد الألف"، تلك المكتبة كوّنتها لما كنت في دمشق ونقلتها معي إلى الجزائر، الناس نقلوا الذهب وأنا نقلت الكتب "خايب كما كانت تقول أمي" وكانت ارثي أو ثروتي الوحيدة، في الحقيقة، عندما بدأت أكتب ذلك النص الكبير الذي يتقاطع مع سير قديمة وكتب ونفائس وتفاسير قرآنية مثل بن عربي والطبري.. الجلالين… كان كل شيء تحت يدي، لا أحبّ الاشتغال في المكتبات العامّة، المكان عندي يكمن داخل الفوضى، أن أُأسّس نظامي الخاص، وعندما يزورني شخص ويرى كتبي مبعثرة يرى في ذلك فوضى، وأحيانا كثيرة أقول لأخواتي عندما ينظّمن المكتبة : لماذا فعلتنّ ذلك ؟!! أنت عندما تنظم المكتبة تخرّبها لأن العلاقة بالنظام علاقة ذاتية.. أنا أريد كتابا فوق كتاب، هذه جماليتي، عندما تغيّرها غيّرت علاقتي بالمكان، صارت علاقتك أنت بالمكان مفروضة عليّ. ما كنت أخشاه هو أن أفقد هذا المكان وهو ما حدث فعلا. وبقي الجزء الثاني، الذي كان من المفروض أن يكتب في ذلك الوقت، سنوات كثيرة ولم يصدر إلا هذا العام.
  تقصد المخطوطة الشرقية ؟

   تماما، "المخطوطة الشرقية" وهي الجزء الثاني من "رمل الماية" أو "فاجعة الليلة السابعة بعد الألف". علاقتي بالمكان للأسف افتقدت، صرتُ أنقل المكان إلى ذهني. فالعاصمة مثلا، والتي أعرفها، مجموعة مواقع وأمكنة… عندما خرجت منها صارت مكانا ضيّقا، صار بيت الصديق أو الصديقة الذي أوجد فيه وعليّ أن أبني عالمي الخاص في داخل ذلك المكان الضيّق لأنّي أشعر أنه عالم له غناه وقوّته وحضوره مثل مكان تمرّ عليه دبّابة تمحوه تماما ويبقى حطاما وخرابا، وعندما تزوره تقول : هنا كانت المكتبة، هنا كانت الجامعة، بينما هي بطحاء لا شيء فيها. عشت حالة بياض، وبدأت تكوين الأمكنة من خلال ما علق بذهني، فالعودة إلى مغارة سرفانتيس والجزائر العاصمة… كل هذا رغبة مني في ترميم الخراب، والقارئ أيضا، يبني علاقة ذهنية بالمكان فيحوّله من مكان فيزيطوبوغرافي إلى مكان ذهني. ويبقى طبعا على الناقد والباحث أن يبحث فيما يراه "نافعا للأمة" !

  "المدن لا ذنب لها" هذا ما قالته الرواية : هل هذا الموقف معارضة لما شهدته المدينة في الرواية العربية من إدانة
؟

   لا… بالرّغم مما يقال عن المدن، أنا عشت في القرية 10 سنوات فقط ثمّ ذهبت إلى مدينة تلمسان حيث أقمت 10 سنوات ثم في وهران 4 سنوات ثم في دمشق 10 سنوات وبعدها عدت إلى الجزائر ثم سافرت إلى باريس لأقيم فيها منذ 1994.
في القرية أنت مُمحى، ذائب داخل النسق الجماعي رغم أنها تمنحك الفرصة للتناغم مع الطبيعة فأنت مثل الشجرة، اللوزة، النبتة، الوردة، قطعة الأرض، الصخرة، أشياء ليس لها تعريف. لها فقط أسماءُ، لكلّ واحدة مكانها في نسق عام يجمع بينها، هو الطبيعة، وأنت هناك ابن القرية فقط، فتمنحك فرصة الإحساس بهذا النسق العام. بينما المدينة تمنحك فرصة أن تعيش ذاتك، والإحساس بالحريّة، في الذهاب إلى المسرح أو المكتبة أو الدرس… أن تكتشف معلما داخلها… إلخ. المدن جميلة وتمنحك الحبّ والقدرة على الوجود والصمود، وفي داخلها لك وجود أشدّ من ذلك الذي في القرية. ولكن علاقة العربي عموما بالمدينة علاقة مرضيّة، وبعض المدن العربية تتحلّل ويأكلها الخراب خذ مثلا الجزائر العاصمة، كانت مدينة جميلة بها أربعة مسارح وأكثر من عشرين قاعة سينما، وأكثر من خمسة عشر مكتبة بلدية غير المكتبة الوطنية الكبرى، وبعد ثلاثين سنة من الاستقلال انحسرت قاعات السينما إلى ثلاث فضاءات يمكن أن يدخلها المرء دون أن يخشى على حياته وكذلك الأمر مع المكتبات التي تحولت إلى مكتبات فقيرة وتافهة بينما المكتبة الوطنية لا تغني ولا تشبع من جوع : بناية ضخمة ونشاط خاوٍ، هذه الأشياء تخيفني، تشعرني دائما بأننا نسير إلى الخلف ولهذا قلت لك علاقتنا بالمدن علاقة مرضية لأنها عندما بنيت كانت لغيرنا، فمن دخل المدينة بعقل قروي يبقى بعقله القروي ولا يستطيع تحقيق المستوى المديني. نحن منذ ثلاثين سنة نعمل على تهديم المدن، صارت مدننا تشبهنا، كئيبة مثلنا بينما الذي يدخل أمستردام مثلا يشعر أن هناك عقل يحبّ الموسيقى والفن هو الذي صمّمها وبناها ونفخ فيها من روحه، مدينة الجزائر اليوم تشبه سكّانها تماما، متوحشة، غير حضريّة، صارت قرية كبيرة… قرية فظّة، وهذا يمكن تعميمه على أغلب المدن العربية.

          الرواية في عصر حرّاس النوايا

  تذكّر روايتك "منحدر السيدة المتوحشة" أو "حارسة الظلال" بتاريخ القراصنة في الجزائر، هل ترى شبها بينهم وبين "حراس النوايا" في راهن الجزائر ؟

   نعم، هناك شبه كبير بين حراس النوايا والقراصنة، لأن "نظام" القراصنة كان يقتل على الشبهة. كانت الانكشارية، كما تنقل بعض المرويات، عندما تتنقل بين دروب العاصمة تقتل كل متحرك أمامها حتى لو كان قطا. وعندما أرى ما يحدث في الجزائر اليوم أرى شبها كبيرا بينه وبين ما حدث في زمن القراصنة، فالجاني بنفس الملامح ونفس العدوانية والضحيّة، إنسان عادي في أغلب الأحيان، دعك من المثقّف فذلك كائن يحمل رأسه بين يديه. نعم قتلة اليوم قراصنة وانكشارية بدون ضوابط ولا نظام ولو وصلوا إلى الحكم لكانت كارثة فهم على الرغم من عدم وصولهم إلى السلطة قد خرّبوا البلد، لك أن تتصور ماذا سيحدث لو نصّبوا ساسة !!
           هل تعتبر الرواية الجزائرية استفادت من التحولات الخطيرة التي شهدتها الجزائر ؟ هل وجدت في تلك الأحداث الحقل الخصب الذي بحثت عنه بعد الجدب الذي لحق بحقل الثورة ؟
   بالفعل، حقل الثورة أصبح ترديده تكراري، ذلك الجيل كان في حاجة إلى جيل آخر، نحن كبرنا في وضع غير وضع الثورة، والقراء من هذا الجيل لم يعيشوا تلك الثورة. الكتابة الكبرى هي كتابة اليوم تلك الكتابة التي تضع كاتبها في مواجهة الموت في كل لحظة. ومتعتي الشخصيّة عندما ألتقي بقارئ يحدّثني عن "ذاكرة الماء" أو "حارسة الظلال" ويقول أن ما نقلته في روايتك أعيشه أو عشته بالفعل، وهذا الصدق مع المتلقّي، هذا القارئ وجد نفسه ووجهه في تلك النصوص فكيف أحدّثه اليوم عن الثورة ؟!!

أنا وأستورياس


            لاحظنا في رواياتك بعض آثار الروائي القواتيمالي ميقال انخل أستورياس Asturias صاحب جائزة نوبل للآداب سنة 1967. هل هي حياته الشبيهة بحياتك (حياة المنفى والاستقرار بعد ذلك في فرنسا) هي التي دفعتك إلى عوالمه الروائية، أم أن الشبه دائر بين صورة قواتيمالا في عهد الدكتاتور استرادا كابريرا وصورة الجزائر في التسعينات ؟

   نعم، من ناحية الوعي يمكن أن أقول لك لا علاقة لما كتبته بروايات أستورياس، لو قلت نصوص سرفانتيس أو ميريماي وألف ليلة وليلة لقلت لك نعم، لأنّ هذه النصوص كانت حاضرة أمامي عندما كنت أكتب، ولكنّي لا أنكر أنّي قرأت أدب أمريكا اللاتينية وأعجبت به واعتبرته نموذجا أقرب إلينا من حيث المميزات السردية (الأسطورة، الخرافة)، نعم قرأت لأستورياس ولجورج أمادو ولقبريال قارسيا ماركيز وأسماء أخرى، ولكل هذا الأدب ترك فيّ عمقا كبيرا وأثرا لا أنكره..
ما دمت تحدّثت عن الدكتاتور، لا بدّ أن نميّز بين الدكتاتور في أمريكا اللاتينية والدكتاتور عندنا، فعندهم يحمل دلالة الأب وما يرتكبه من جرائم يفهم على أنّه عقاب لأبنائه لأنّه بالفعل يحمل عطفا كبيرا لشعبه رغم ما قد يرتكبه ضدهم من جرائم. أما علاقة الدكتاتور العربي بشعبه فهي علاقة كره صريح، فلا يمتلك ذلك الحنان والودّ.
أنا بالفعل مشبع بهذه الثقافة pour moi c'est un model، أعود إلى أستورياس، بالفعل، لقد قرأت له منذ مدة السيد الرئيس "Monsieur le Président" وناس من ذرة "Hommes de maïs" والبابا الأخضر "Le pape vert" ونصوصا أخرى فأكيد أن هذه النصوص بقيت في لا وعيي.


           لقد وجدنا مؤشرات كثيرة تدل على هذا التأثّر، فبعض عناوين فصولك الروائية حملت عناوين رواياته أو تقاطعت معها مثل "ناس من تبن" في "حارسة الظلال" و"عيون الموتى" في "أحلام مريم الوديعة" الذي يذكرنا بروايته "عيون الميّتين" أو "المدفونين" Les yeux des enterrés، وأشياء أخرى تدخل ضمن الأساليب الروائية والتقنيات السردية سنفرد لها بحثا خاصا قريبا.

   قلت لك من ناحية اللاّشعور أكيد هناك تأثر فهذه النصوص التي ذكرت قرأتها ومستحيل أن أمر عليها مرور العابرين هناك أشياء أعتقد أنّي مكتشفها ولكن في الحقيقة يمكن أن يكون هناك أناس قبلي قد اكتشفوها. وهذه هي التقاطعات مع الثقافات الإنسانية، ولكن الجميل أن هذه العوالم تترك محيطها الأصلي الذي ظهرت فيه لتتلبّس بمحيطك أنت وتتناغم مع فضاءاتك أنت.
والباحث المختصّ هو الذي يفصل بين العوالم الذاتية والعوالم الوافدة، فيفصل بين تلك النصوص ويفكّ شفرة علاقاتها فتظهر النصوص السابقة من النصوص اللاحقة. عندها يحصل على التطابقات والتحوّلات ويحسم أمر ذلك التأثّر ومداه. كل الذي وجدتَه هو فعل لا شعوري، أما النصوص التي اشتغلت عليها بشكل واضح يمكن استحضارها : فألف ليلة وليلة كانت حاضرة أمامي وأنا أكتب بعض رواياتي وخاصة "فاجعة الليلة السابعة بعد الألف" مثلما كان نص "دون كيشوت" حاضرا أمامي عندما كنت أكتب "حارسة الظلال" و"أحلام مريم الوديعة"، كان حاضرا بنسختيه الفرنسية والإسبانية أمّا العربية فقد أهملتها لأنّها ترجمة رديئة ولابدّ من إعادتها. نص "كارمن" لميريماي كذلك كان حاضرا أمامي وأنا أكتب حارسة الظلال وسيدة المقام، كارمن كانت حاضرة شخصيّة ونصّا. وكذلك تاريخ الطبري… وهذه الأعمال تجد ظلالها بائنة في أعمالي.
منذ الثمانينات توجهت نحو التراث ومساءلة الثقافة الشعبية ومساءلة الأساطير، لماذا منـذ الثمانينات ؟ لأنّي في تلك الفترة كنت أشتغل على أدب أمريكا اللاتينية الذي بدأ يدخل السوق العربية ويتحول إلى ظاهرة.
       دون كيشوت، هاملت، زوربا، شخصيات ورقيّة صاغها الإنسان المبدع لكنّها تحوّلت في الذاكرة الثقافية إلى شخصيات حيّة مثلها مثل الشخصيات التاريخية. لماذا لم تخلق الرواية العربية مثل هذه الشخصيات الملحميّة ؟

   هذا إذا اعتبرنا أن الرواية بدأت مع "زينب" ولكن شخصيا أرى أن حي بن يقظان شخصيّة استثنائية مثله مثل أبو الفتح الإسكندري في المقامات، ابن القارح في رسالة الغفران، لكن للأسف، القطيعة التي حدثت للسرد العربي أحدثت شرخا ولم تسمح نهائيا بتواصل هذه الأنماط من الشخصيات.
من ناحية أخرى، بعض شخصيات الطيّب صالح وشخصيات محفوظ كان يمكن لها أن تكون مثل تلك الشخصيات التي تحدّثت عنها لكن ثقافتنا أو نقدنا لم يعمل على إبراز هذه النصوص لتصبح نموذجية وتصبح بعد ذلك شخصياتها شخصيات نموذجية. أمّا في الآداب الغربية فقد حدث ذلك مع دون كيشوت ومدام بوفاري وكارمن وزوربا… الأدب العربي لم يخلق، فعليا، إلا شخصيّة نموذجية يتيمة هي شخصيّة "شهرزاد"، فعندما نتحدّث اليوم عن شهرزاد فكأننا نتحدّث عن شخصية حقيقية في حين هي شخصية ورقية أما الأدب الحديث والمعاصر فلم يخلق شخصيّة واحدة بتلك الملامح الملحميّة، "أمل الحياة" بالنسبة لهذه الشخصيات قصير جدّا.
        تعتبر رواية سرفانتيس "دون كيشوت" أول رواية حديثة حسب مارث روبر مثلا، هل أردت بحارسة الظلال محاورة مفهوم الحداثة ؟

   لا. مارث روبر في "أصول الرواية ورواية الأصول" أو ميلان كونديرا في "فن الرواية" ومارسال بروست يعتبرونها من النصوص المؤسسة لنمط جديد.


  تقصد معارضة أدب الفروسية، الذي قيل إنّ رواية دون كيشوت أجهزت عليه ؟

   تماما. هذا من الناحية التاريخيّة، رواية "دون كيشوت" كانت رواية فاتحة، حوّلت القصّ من نمط إلى نمط جديد، لكن ما كتبته شيء آخر أردت بكل بساطة إثارة انتباه ذاكرة جماعية بدأت تنهار. ورغم اهتمام النقاد بدون كيشوت فإن الخمس سنوات التي قضّاها في الجزائر أسيرا لم تلق اهتماما يناسبها. فأردت أن أقول للعالم أن سرفانتيس هذا الرجل العظيم والعلامة الإنسانية، لنا فيه حق.
  هذا ما قاله "سي وهيب" وزير الثقافة في الرواية.

   وقالها بعد ذلك الرئيس بوتفليقة، ساعتها قلت الحمد لله لقد وصل الخطاب. هذا جيّد، المهمّ هو الانتباه إلى هذا التراث الموجود.
       

         كانت شخصيّة حسيسن في صراع دون كيشوتي مع السلطة من ناحية ومع الإرهابيين من ناحية أخرى. هل هي صورة المثقف في الجزائر المطحون بين نظام فاسد ومعارضة أكثر فسادا، إن وجدت؟!!

   هناك أنماط من المثقفين. هناك المثقف النموذجي، وهناك المثقف النظامي ولست ضدّه، إذا كانت تلك خياراته، المثقف بطبعه مثقّف تبعي في مجتمعاتنا. وحسيسن نموذج لهذا المثقف فهو من ناحية في النظام ومن ناحية أخرى يريد تحقيق ذاته مع فاسكيس الإسباني ودفع ثمن ذلك، ولكن منذ تلك اللحظة التي دفع فيها الثمن حصلت القطيعة ودخل مرحلة التحليل الذاتي ومحاسبة الذات، كان بين المطرقة والسندان ولكنّه نجح في الانفلات من ذلك الوضع.
         سمّي أدب التسعينات بالجزائر بـ" أدب المحنة". هل توافق هذه التسمية ؟

   لا يمكنني إلاّ أن أوافق لأنّي أنا من أطلق هذا الاسم وأطلقته نتيجة أوضاع موضوعيّة. وقبل أن تكون محنة بلد هي محنة أفراد، محنة مصائر، وأجمل ما فيها أنّها أنتجت نصوصا روائية تقول تلك الآلام الذاتية وتقول ذلك الألم الجمعي.
ومحنة البلد سبقت الإسلاميين فقد بدأ تدميره منذ الاستقلال ووجدت في هذه التسمية : أدب المحنة، نظرة تتجاوز حالة الأزمة لأنه بذهاب الأزمة تعود المجتمعات إلى طبيعتها، أمّا نحن فأمام محنة انجرّت على مجموعة من الأزمات وتركت جروحا عميقة وغائرة في المجتمع الجزائري من الصعب إن لم نقل من المستحيل أن ينساها أو يتخطّاها بسهولة. إذن أدب المحنة هو عنوان الأدب الجزائري منذ التسعينات.

قصتي مع العناوين

  على ذكر العناوين، لماذا لا يكتفي واسيني الأعرج بعنوان واحد لروايته فيردف العنوان الرئيسي بعنوان فرعي. ماذا يمثّل لك العنوان الروائي ؟ هل هو عتبة موجّهة لعملية القراءة ؟!

   هذه المسألة تدخل في فواتح النصوص، أنا، دائما، عندي إحساس بأن العنوان قاصر، هو عمل بتري لأنه ذو طابع اختزالي فتختزل 300 أو 400 صفحة في كلمة أو كلمتين، هل هذه الكلمات قادرة على اختزال مداليل النص وعوالمه فعلا ؟!
أشعر، أحيانا، عندما أعمل على فكّ أواصر العنوان بأن هناك نقائص وهناك أشياء لم تظهر بالشكل الذي كنت أنويه وأختزنه، أعطيك مثالا : ترجمت روايتي "سيدة المقام" مؤخرا إلى الفرنسية وحيّرنا، أنا والمترجم الذي اشتغلت معه، العنوان فقد ترجمها هذا الأخير ترجمة حرفية لكني رأيت فيه عنوانا سيّئا، عنوانا رسميا، تقليديا، فبحثت عن عنوان آخر ووجدت " La maîtresse des lieux " ثم وجدت عنوانا آخر تماما وشعرت أنّ النص يقول ذلك، فأطلقته على الرواية وهو " Le sang de la vierge " "دم العذراء"، وأخذت بهذا العنوان حتى تمنّيت أن أغيّر العنوان العربي "سيدة المقام" لأنّه فعلا دالٌّ. فالشخصية الرئيسية اسمها "مريم" وهي فعلا افتضّت بكارتها من طرف ذلك العنجهي فقط لأنه انتزع وثيقة زواج منها. لهذا أدّى العنوان وظيفته بامتياز، إنه يتناغم مع النصّ تناغما عجيبا. وقد أُعجب بهذا العنوان كلّ من سمعه حتى أنّ بعضهم طلب منّي أن أكتب رواية أخرى وأطلق عليها هذا الاسم "دم العذراء".
إذن، أنا عندما أذهب إلى العناوين الفرعيّة أجد فيها سندا ومتكأ للعنوان الأصلي، أي أنه ما خفي في العنوان الرئيسي وعجز عن التعبير عنه يعطيه العنوان الفرعي مدى أوسع في مجال الإيضاح ومجال الفهم. وأنت تعرف أنّ النصّية الموازية " Le paratexte " لها وظيفة مهمّة، فهي في علاقة بالنص الروائي لأنه هو الذي يدخلك، باعتبارك قارئا، إلى عوالم من الأسئلة وعوالم من الأضواء وعوالم من الإبهام، لهذا تجد عندي هذه الثنائية في العناوين رغم أنّي في عمقي لا أحبّذها، وحاولت في النصوص الأخيرة تقليص هذه الظاهرة والحد منها لأنني اكتشفت أنها بقدر ما هي مفيدة فهي مربكة ومثقلة للنصّ لأنّ العنوان جعل أولا ليحفظ، فبقدر ما يكون كلمة أو كلمتين يكون ناجحا ويبقى في الذاكرة.
وهذه المسألة تنسحب على كل العناوين بما فيها عناوين البرامج التلفزية، الأعمال الدرامية : سينما ومسرح… وكنت أدير حصّة تلفزية في التلفزيون الجزائري أطلقت عليها عنوانا جريئا واستفزازيا، سمّيتها "أهل الكتاب" وأنت تعلم أن أهل الكتاب عند المسلمين يقصد بهم اليهود والنصارى، ورغم أنه كان أمامي جملة من العناوين الأخرى إلاّ أنني تمسّكت بهذا العنوان على خطورته لأنّي وجدت فيه ضالّتي، ففيه معنى الانتماء إلى عائلة، أو حقل.. كما ينفتح العنوان على التراث القديم والثقافة العربية الإسلامية ويؤدّي وظيفة "الحب" التي رُمتُها فأنت عندما تقول "أهل" : أهل الكتاب، أهل الغواية، أهل الهوى، أهل الرقص، تلمع في ذهنك وذهن مخاطبك دلالات الانتماء والحبّ.

مريم الوديعة سري الكبير

  الحب، الآن، يمكننا أن نسألك عن سرّ تلك الشخصية النسائية "مريم" والتي أفردت لها رواية كاملة حملت عنوان "أحلام مريم الوديعة" ولكنّها تتسلل إلى جلّ نصوصك الأخرى، فتعترضنا ساعة في لبوس شخصية روائية وساعة في صورة شخصية أسطورية أو خرافية، من مريم الوديعة ؟

   مريم الوديعة هي عجينة من عدّة أشياء، عجنت مجموعة من النماذج التي عرفتها في حياتي فهي شخصيّة نموذجية ركّبتها من مجموعة نساء. هي تركيب Montage، شخصيّة ورقية، شخصيّة مبنيّة لكنها ذات أبعاد رمزيّة، فأنا أحبّ كثيرا اسم مريم منذ كنت صغيرا ولا أعلم السبب، ربما لأني أحببت إحدى قريباتي التي كان اسمها مريم، عندما كنت صغيرا، أذكر أني أحببتها في صمت كانت تكبرني، كـانت مشاعر طفل.
  من يقرأ رواياتك ويتابع هذا الحضور المتكرّر لاسم مريم يعتقد أنّك تعتنق المسيحيّة ؟

   هذا يجرّنا إلى قراءة أخرى، رمزيّة مريم، قصة مريم أمّ المسيح التي ظلمت، لقد وظّفتها توظيفا إنسانيا، و"مريم" ظلمها الإنسان ولم يظلمها الله لأن الله يعلم، مريم، عندي حاملة للخطيئة البدئية، الخطيئة الأولى، هي صورة المرأة في ذاتها، منذ الولادة تنزل الأنثى وفي يدها خطيئتها مثلما ينزل الفتى/الذكر وفي كفه رزقه، وتقضي هذه المرأة عمرها كلّه وهي تحاول أن تثبت أنها بريئة.
قد تسألني لماذا هذا التعاطف الكبير مع المرأة، أجيبك، لقد ولدت وعشت في بيت كله نساء، كان لي أخ وحيد، لكنّني كبرت مع الأم والجدة وثلاثة أخوات وبنات خالتي الثلاث… بقيت مع أمّي بعد أن استشهد والدي في الثورة التحريريّة. لقد رأيت حجم المقاومة التي بذلتها أمّي ومعاناة أخواتي، فانتهيت إلى أنّ المرأة المسكينة إنسانة حقيقية تجهد نفسها دائما لكي تقنع الرجل الغبيّ ببراءتها.
إذن قد يكون السبب ذاتيا، وقد يكون رمزيا كذلك والسبب الآخر هو البحث عن نموذج معبّر وهو الذي سمّيته الشخصية التركيبية.
  ما دمنا وصلنا إلى الحديث عن النموذج، تذكر جيّدا الرسّام الإسباني سلفادور دالي ونموذجه غالا GALA. ذكرته مرات في رواياتك واستعملت بعض لوحاته مادة سردية أو تزويقية. ماذا بين دالي وواسيني الأعرج ؟‍!
   مازلنا لم نخرج من إسبانيا، حقّا لم انتبه إلى هذا ! فعلا لماذا دالي بالذات ؟! دالي كما تعرف هو اللاوعي، جسّد اللاشعور بالألوان، لقد ذهبت إلى نفس الفضاءات التي كان يعيش ويرسم فيها في كاتا لونيا واكتشفت أنه شخصيّة نادرة نجحت في إخراج اللاشعور وتلوينه، رغم أن فرويد يقول أنّ الأحلام بالأبيض والأسود. دالي أثبت أن حُلم الفنان لا يمكن أن يكون إلا بالألوان.

  حتى لو كان سرياليا ؟‍!

   حتى لو كان سرياليا، لأنّ المسألة مسألة حريّة والحرية لا تعيش في فضاء لوني ضيّق، أبيض وأسود، وهذا يحملنا إلى موضوع آخر : حرية الفنان، أنا شخصيّا لا أرى الفنّان إلا متحرّرا من كل الضوابط والموانع، ومسؤولا عن اختياراته حتى لو كان القتل ينتظره. كنت كلّما انتهيت من كتابة رواية أنتظر أن يقتلني حراس النوايا، فمنذ الثمانينات لا أرى إلاّ الموت، كل الكتابات التي كتبتها، كتبتها زمن المحنة، كنت أعيش حالة غريبة وصعبة، كان لدي الكثير ولكن الزمن كان يحاصرني، كيف أقول أكثر ما يمكن في أقل وقت ممكن ؟!! كنت كلما أنهيت رواية أقول للإرهابيّين : ها أنا قد أتممت روايتي فماذا أنتم فاعلون ؟‍!!
أكتب حياتي قطرة قطرة

  ماذا بين رواياتك وسيرتك الذاتية ؟

   أنا أكتب حياتي قطرة قطرة، ولكن حياتي التي عشتها وحياتي التي يمكن أن أعيشها أو الحياة التي خسرتها. عندما أكتب شخصيّة قريبة منّي أو تشبهني كأن تكون أستاذ جامعي أو فنّان، هذه الشخصيّة فيها منّي، لكنّها ليست أنا في تفاصيلها، قد تكون أنا في روحها، ففي مريم هناك بعضي.

  فلوبير قال مدام بوفاري هي أنا ؟

   بالضبط، فلوبير كان ساعتها "يُقفّي" على كلام لويس الرابع عشر الـذي قـال فرنسـا هي أنا La France c'est moi، هو ليس فرنسا لكن في داخله كان يشعر أنه فرنسا وكذلك الأمر مع فلوبير.
"ذاكرة الماء" هي الأقرب إلى السيرة الذاتية، فيها الكثير مما حصل لي ولابنتي ولما حدث لزوجتي التي رحلت مع ابني. ولكن ليس ذلك ما حصل بالفعل وبكل دقّة. الرسائل الموجودة صحيحة وبعضها غير صحيح، إنها ألعاب فنيّة فواحدة من الرسائل هي رسالة أحلام مستغانمي وليست رسالة زينب. أحلام هي الوحيدة التي خاطرت وزارتني في بيتي سنة 1993 وهذا لا أنساه رغم اختلافي معها حول الكتابة ووظيفة الأدب… وفي تلك الظروف أعلنوني وزيرا للثقافة.
  لكنّك رفضت المنصب.
   رفضته، رغم أن الخبر نزل في إحدى الصحف "فلان يعيّن وزيرا للثقافة". رفضت الوزارة لأنّني لست أهلا لها، وليس السبب هو عزوفي عنها، لأنها ستحدّ من حرّيتي وتكويني النفسي بعيد عن صورة الإنسان الآمر كان يمكن أن أخرّ بها لو قبلت. أنا لا أصلح لأكون بيروقراطيا، لذلك لم يشدّني منصب وزير الثقافة ولا منصب مدير جامعة الجزائر المركزية،أريد أن أحافظ على صفتي كأستاذ جامعي حرّ وكاتب تماشيا مع مقولة حنّا (جدتي) : "أحسن إنسان يا وليدي : عاش ما كسب مات ما خلاّ".
وهذا كلام تاريخي وليس القصد منه أن يعيش الإنسان في فقر بقدر ما هو دعوة إلى البساطة. لي زوجة وولدان وأحباب وأصدقاء وهذا يكفي، أنا مستعدّ للعيش بقطعة خبز وحبات زيتون دون أن يكون لي مشكل، هذا ما أريد أن أرسّخه في أبنائي : سرعة التأقلم مع كل الظروف وكل الفضاءات.

     يدعوني  كلامك للعودة إلى موضوع الوزارة .كيف كان ردّك عندما اقترحت عليك ؟

- في اليوم الذي اقترحت علي سافرت إلى تونس للمشاركة في ملتقى للرواية العربية أظنها ندوة قابس الدولية. و أنهى ذلك الهروب المشكل ،أصدقك القول :لا رغبة لي في ممارسة السياسة المحضة. أما  أصدقاء الطريق أراهم اليوم يركضون كي يقتنصوا حقائب وزارية أو أقل منها شأنا. غيّروا اتجاهاتهم كلّيا.

      لكن الهوية غير ثابتة يا صديقي فلماذا تريدهم يثبتون في زمن التحوّلات؟

-  فعلا، الهوية غير ثابتة و هذا كلام علمي و لكن للهوية إيقاع أيضا ،لا يمكن أن تتغير بين يوم و ليلة. الهوية تراكم يدوم أحيانا سنوات و قرون أنا مثلا منتوج تراكم موريسكي عربي إسلامي و هذا حدث بعد قرون .أحيانا أقول ربما هم الأسوياء و أنا المريض بالثبات على المبدأ،ربما فهموا اللعبة جيّدا.

   ربّما لم تكن مواقفهم الأولى غير لغة؟
-    ربما
هل يتحوّل الوطن إلى عدوّ؟
- في غالب الأحيان عدوّك،لأن المنفى بالضرورة تنتظر منه مثل هذه العداوات غير انك تجد اهتماما بك ككاتب يساوي أضعاف مضاعفة ما هو حاصل في وطنك.

 تقول إنك كنت ومازلت  مريضا بحب الوطن...؟
- فعلا ،حب الوطن مرض ،عندي أصدقاء هاجروا و انفصلوا تماما عن ماضيهم المرة و بدؤوا حياة جديدة  أما أنا فبقيت رهينة ماضي و وطني،أليس هذا مرضا؟ بقيت معلّقا في طائرة ،حياة رحلة بين فرنسا و الجزائر. أنت تعرف ألا نبي في أهله و لكنّي مصرّ على أن أدرّس في الجزائر إلى جانب التدريس في السربون مع أن راتبي في الجزائر يساوي تقريبا ثمن تذكرة الطائرة التي أسافر بها إلى الجزائر و لم أطلب يوما من الأيام أن توفّر لي الجامعة الجزائرية تذكرة الطائرة لمناقشة رسالة جامعية أو غيره.
ما يؤسفني أن هذا البلد يمرّ بحال من الركود العجيب فالحوارات الثقافية لم تتقدّم قيد أنملة و إن كانت هناك متغيّرات فنحو الأسوأ.
 ما الذي تعيبه على المثقفين الجزائرين اليوم؟

-  صدمني تحوّل أشخاص عرفتهم أصحاب مبادئ إلى كائنات انتهازية تحلم بالمناصب السياسية . انتهيت منذ مدة إلى رأي مفاده أنّك إذا أردت أن تكون كاتبا حقيقيا فعليك أن تدفع ثمنا باهظا.
هل تتصوّر أن هؤلاء الذين أتكلم عنهم هم أنفسهم الذين نصحوني بعدم قبولي الوزارة عندما اقترحت علي وهاهم اليوم يركضون وراءها.
اللغة إيقاع و وجود و حياة
  خيرت الركض وراء اللغة وتسكنها التي تقول فيها:" اللغة سكن لا نتحرّر إلا فيه ،يمكننا أن نجيد آلاف اللغات و لكن هناك لغة واحدة تملك القدرة على هزّ جنوننا وأحلامنا من الداخل"
كيف هي علاقة واسيني الأعرج باللغة العربية ،فأنت المقيم في بلد بودلير لم تكتب سوى رواية يتيمة بلغته وخيّرت الكتابة بلغة المتنبّي؟

- اللغة إيقاع و وجود و حياة و هي قدر أيضا لأنك لم تختر لغتك.كان يمكنني أن أكون فرونكوفونيا نتيجة لطبيعة تكويني اللغوي ،فقد بدأت تعلم الفرنسية قبل العربية و ما تعلمت من العربية إلا ما تعلمته في الكتاتيب و ساعدتني جدتي أيضا لأني كنت اقرأ لها التاريخ الموريسكي باللغة العربية . كل دراستي الابتدائية كانت بالفرنسية أما الثانوية فلم ندرس سوى مادة العربية باللغة العربية . لذلك
أقول لك كان يمكن أن آخذ طريق رشيد ميموني  و الطاهر جاووت.

  هناك من يروّج للغة العربية بصفتها لغة ميّتة و لغة مقدّسة لا يمكن أن تقوم عوالم روائية غنية من خلالها .ما رأيك في هذا الرأي الصادر عن احد الروائيين الجزائريين الفرنكفونيين؟

- هذا كلام فارغ  ، معاداتي دائما للرداءة لا للغة ،فليكتب الكاتب باللغة التي يريد ايطالية كانت أو فرنسية أو بنغالية ،المهم أن تكون الكتابة جيّدة. و لا أخفيك سرّا أني أنا من ذهب إلى اللغة العربية و لم تأت إلي أغرمت بها ،كما قلت لك، من خلال جدّتي .ذهبت إلى اللغة العربية دون معاداة للفرنسية اخترتها لغة إبداع و لم تكن عائقا أبدا لا في حرية التعبير و لا في مرونتها الفنية.أن نصف لغة بأنها قاصرة و عدم قدرتها على التعبير هذا خطأ كبير،فكل الشعوب تحب و تمارس الحب و الجنس بلغتها الخاصة و كل الشعوب لهم لغاتها و معاجمها المهنية الجنسية و لها لغة التخاطب اليومي ، ليس هناك لغة غير قادرة على التعبير ،حتى الشعوب البدائية خلقت رموزها فما بالك بلغة متكاملة  مثل العربية ،الصعوبة في طبيعة العربية فهي تختلف عن اللغة اللاتينية لان العربية ذات طبيعة مفتوحة "مينوفونيك" أشبه ما تكون بصحراء تستعصي على الامتلاك الكلّي ، و هذا يظهر في الترجمات . في العربية المعنى أحيانا سماعي, هذه هي طبيعة اللغة العربية .ما قاله النفزاوي بها أعجز عن قوله أنا فكيف نتهمها بأنها قاصرة في وصف الجنس مثلا .
   هذا ما يردده أحد الكتاب الجزائريين عندما يسأل لماذا لا تكتب بالعربية!

-نعم ،و أرد عليه شخصيا بأن العجز فيه هو و ليس في اللغة ،الكاتب الحقيقي هو القادر على أن يستنطق اللغة و يقوّلها ما يشاء . أنا سعيد بلغتي العربية لأني أجدني أمام ذاتي و أمام تراثي و أمام جدّتي و أصولي. بيتي اللغوي هو العربية و بيتي هذا يتجاور مع بيوت أخرى.  كتبت مقالات كثيرة و مداخلات لا أعدّها و ادرس بالفرنسية في السيربون،أما الكتابة فشأن آخر ،انأ أعطي من دمي أثناء الكتابة الروائية ،اللغة الفرنسية ،بالنسبة إلي لغة استعارية و لها طبيعة عقلانية لا تلتصق بي. هناك سقف يحدد علاقتي بها أما العربية فهي تاريخي الشخصي و تاريخي الجماعي و فكري برمته.

  الفرنسية أيضا تعاني من انحسار نتيجة تراجع المد الفرنكوفوني و طغيان الانكليزية بصفتها لغة عالمية !

- لا أعتقد ذلك الأجانب يغذّون اللغة الفرنسية باستمرار ،سواء كانوا مغاربة من شمال أفريقيا أو من إفريقيا السوداء أو من بلجيكيين و كنديين و هم من يجني الجوائز الأدبية في فرنسا اليوم.
اللغة عليها أن تنفتح على أقوام أخرى إذا أرادت أن تعيش لأنهم سيحملون إليها ثقافتهم و عندما يستعملونها سيجددونها بطريقة أوتوماتيكية.

 هل فعل هذا ميلان كونديرا عندما ترك التشيكية؟!

 أفهم قصدك جيدا ,هذه حالة أخرى، ما كتبه كونديرا بلغته الأصلية أهم مما كتبه بالفرنسية ،هذا رأيي، ربما هو سقف اللغة وسقف العلاقة الذي تحدّثت عنه.


الرواية نص النصوص


  هبّت على سردك نسمات الشعر فحوّلت رواياتك إلى روايات شعريّة. هل أسقطت الرواية فعلا رأس الأجناس الأدبية - الشعر - ؟ وهل تمارس الرواية فعلا سياسة القرصنة الأجناسية ؟!
   قوّة الرواية هي أنها نص النصوص لا لص اللصوص وإن كان بها شيء من اللصوصية، النص حرّ ولم يكن يوما مغلقا، الرواية تستحوذ على اللغة الشعرية لكنّها تنزع عنها شعريتها الزائدة فتحوّلها إلى شعرية سرديّة، وتبقى مع ذلك محافظة على قوّتها الرمزية والإيحائية وهذا مفهوم الرواية وقوة الكاتب، فالروائي الجيّد هو الذي تشعر وأنت تقرأ نصّه بأنّك في عالم شعري لكن ضمن نسق سردي.
  الخطاب الميتاسردي، أو التفات الرواية إلى ذاتها تحاورها وتعنّفها بعض الأحيان. هل هذا علامة صحيّة ؟ ماذا بقي للرواية بعد أن تندب وجهها بأظافرها أمام المرآة ؟!!

   الرواية عالم مستقل بذاته، لا تحتاج إلى خطاب يقولها، هي تقول نفسها بنفسها، فإذا جاء الخطاب ليقول الرواية إمّا أن يكون مبرّرا أو لا داعي لمثل هذا الخطاب الميتاروائي. وأحيانا نفسّر ضعف الرواية العربية بكونها رواية شارحة لذاتها ففي كثير من الأحيان تتخلّى عن وظيفتها لتدخل مهمّة الشرح وهذا يثقل كاهلها ويرهّلها.
  في "فاجعة الليلة السابعة بعد الألف" رمل الماية والمخطوطة الشرقية، اختبرت عوالم "ألف ليلة وليلة" فأنطقت دنيا زاد وجعلتها تخرج من صمتها لتفضح ما حجبته شهرزاد. ألا تعتقد معي أنّ بعض الكتاب أصبحوا يتكئون على هذه "الليالي الألف" دون مشاريع واضحة ومدروسة كما فعلت. وكأني بتلك الليالي أصبحت "حمارا قصيرا" يسهل ركوبه. وهذا ليس صحيحا، ثم إنّ التراث السردي ليس محصورا في ألف ليلة وليلة التي نبّهنا لها كتاب أمريكا الجنوبية !

   علاقتي بألف ليلة علاقة ذاتية ولي كل مبرّراتي، وزادت علاقتي بها في السنوات الأخيرة عندما اكتشفت ذلك المخطوط الذي كان في الجزائر ونهب لنجده في الولايات المتحدة.
لقد انطلقت في علاقتي بها من السؤال التالي : هل تمثّل شهرزاد النموذج المثالي ؟!
وهنا اختلط العمل الجامعي بالعمل الإبداعي، أو السؤال النقدي المفكّر فيه بالعمل الفنّي الحرّ. فاكتشفت في النهاية أن شهرزاد لم تقل إلا ما كان السلطان يريد سماعه. وقد كانت بالعكس الوجه الأنثوي للدكتاتور، فشهريار كان يقتل النساء بعد أن خانته زوجته، كان يتزوّج الواحدة ليقتلها فجرا إلى أن جاءت شهرزاد فتوقفت هذه الحياة أو هذا النمط، ولكن بقي السرد يدور في نمط الدكتاتور فلم تخل قصّة في "ألف ليلة وليلة" من الخيانة الزوجية. وهكذا كرّرت شهرزاد ما يريد السلطان سماعه، وأنت عندما تقرأ النص إلى النهاية ستجد أن شهرزاد أنجبت ثلاثة أولاد ذكورا وهذا يعني أن هذا الدكتاتور سيستمرّ ثلاثة قرون أخرى عبر نماذج الذكورية التي تشبهه. فماذا فعلت شهرزاد ؟!!!
لقد أعطت للحكاية نوعا من الاستمرارية لدخولها في لعبة السلطان، فردّدت خطابه. شهرزاد إذن مرآة شهريار على عكس دنيا زاد التي لم تكن مقتنعة بما ترويه أختها وفي كل مرّة كانت تطرح السؤال وماذا بعد ؟ وكأنها تحتج.
   بالفعل، وكأنها تبحث عن حكايات أخرى، وتاريخ مخفي، أخفته شهرزاد، ولهذا عندما كتبت روايتي "فاجعة الليلة السابعة بعد الألف" قلبت الموازين فجعلت دنيا زاد هي التي تحكي، ولكنها كانت تحكي لتحرج السلطان فتُسمعه مالا يريد سماعه لذلك تنتهي ألف ليلة وليلة بأن يغفر شهريار لشهرزاد وينجب منها ثلاثة أولاد بينما في الرواية يعمل على قتلها.
كنت أشعر دائما أنّ السرد الغربي سرد ديكارتي، سرد عقلاني، وأشعر بهذا خاصة مع اللغة الفرنسية فالجملة تبتدأ بكلمة وتنتهي بنقطة والنص يمكن تقسيمه إلى جمل وفقرات وفصول… الجملة العربية تبدأ بكلمة ولكنها قد لا تنتهي لأنه حتى النقاط والعلامات جاءت لاحقة للغة العربية فهي ليست أصيلة. ولذا فعلاقات المقروئية للكتاب تختلف، فالوقفة في الكتاب غير صحيحة، يجب أن تستمرّ في القراءة على عكس الكتاب الغربي، الحكاية تسيل وهذه الطريقة السردية هي طريقة عربية خالصة فتبدأ بقصة عادية ثم تقتحمها قصة أخرى ثم قصة أخرى فأخرى…

  كالدمى الروسيّة.
   تماما. هي كذلك، تقنية التعليب، يجب أن تكون عندك قدرة خلاقة لكي تقبض خيوط اللعبة، وهذا القصّ هو قصّ شفوي ليس له نظام. نحن تعودنا على هذا الخطاب أمّا في الغرب فبقي هذا الأسلوب نخبويّا عند كلّ من مارسيل بروست وجويس.
أرى في السرد القديم مشروع كتابة. أنا لا أشتغل عليه بشكل مستمر كل ما فعلته أربع أو خمس نصوص لأنّي أحبّ هذا السرد. مثلما أحبّ عوالم إنسانية أخرى، عوالم التراث البشري، فتجد في نصوصي دون كيشوت كما تجد ألف ليلة وليلة والسيرة الهلالية والموضوع الشعبي، وحبّذا لو اهتمّ شبابنا المبدع بالسرد القديم لأنّي مؤمن بأن التراكم يمكن أن يولّد أشياء رائعة.
  كتبت القصة القصيرة ثم اختطفتك الرواية إلى دنيا الأبواب والفصول. هل باتت القصة القصيرة عاجزة عن حمل هموم الكتابة؟

   أنا الذي صرت عاجزا على اختزال العوالم في قصة قصيرة، أرى أنّ كل جنس أدبي قادر على استيعاب عصره، لا أدري، وجدت نفسي في لحظة من اللحظات أنزلق نحو الرواية. وعندما كنت أكتب القصة القصيرة لم تكن بالفعل قصصا قصيرة، إنما كانت روايات مختزلة. كنت منحدرا من مجتمع ريفي تسيطر عليه عوالم الأسطورة والخرافة لذلك لم تكن فضاءات الكتابة الضيّقة قادرة على استيعاب ذلك الامتلاء الذي أشعر به وأروم إفراغه. كانت الرواية هي الجنس الذي تناسب مع تكويني، ومنذ الرواية الأولى (الثمانينات) لم أعد إلى القصة القصيرة، ومرّة في ليبيا انتابني الحنين إلى ذلك الجنس العظيم وشرعت في كتابة قصة قصيرة سميتها "مالطا" وهو اسم لامرأة ولكنّي لم أنهها لأنّي وجدت نفسي أكتب رواية، لذا فالمسألة مسألة إخفاق ذاتي لا إخفاق جنس.

كتبت عن المنفى قبل أن أعيشه

  كلما قرأت رواية جديدة لك استحضرت عنوان مجموعتك القصصية الأولى "ألم الكتابة عن أحزان المنفى" ألا تشعر أن هذا العنوان مثل القدر الذي نضعه لأنفسنا ساعة غفلة ؟!
   صحيح. عندما نكون شبابا، كثيرا ما نلتبس بحياة الآخرين الكبار الذين عرفناهم والذين قرأنا عنهم- شخصيا كنت مولعا بقراءة ناظم حكمت والشاعر الفنان الجزائري البشير حاج علي - ونحاول تقليدهم وجعل حياتنا شبيهة بحياتهم ولكن يمرّ الزمان ونجد أنفسنا في نفس الدائرة.
في تلك المجموعة القصصية : "ألم الكتابة عن أحزان المنفى"، كان أصدقاء يقولون لي لماذا تتحدّث عن المنفى وأنت في الجزائر، وكنت أقول لهم، لا، هذا منفى المجتمع القاسي، و… و… ولكنّي في داخلي كنت بالفعل أعيش في منفى ناظم حكمت… وانتهت اللعبة القدرية بوجودي في منفى حقيقي.
  "شرفات بحر الشمال"، رواية فيها الكثير من عوالم الرسم، وقفت طويلا في أروقة الفن الهولندي ولوحات فان غوخ تحديدا. هل اختيارك لهذا الرسام المدهش في أعماله وحياته تفسّره رغبتك الدائمة في البحث عن فنون الإدهاش كما تقول دائما ؟!

   تماما، أحيّيك على هذه القراءة التي أسعدتني كثيرا وشكرا على دقّة هذه الملاحظة، نعم لقد كتبت ذلك العمل وأنا في هولندا وبقيت في ذهني كلمة لصديقة كاتبة هولندية عندما قلت لها : "لكم مدينة جميلة ومريحة…" فأجابتني : "هي مدينة بريئة فقط" وبالفعل اكتشفت أنّ تلك المدينة بريئة فهي على تعقّدها جميلة ببساطتها. فتشعرك بأن بها شيء مدهش وسحري، أضف إلى ذلك أنّها المدينة التي خرج منها عباقرة الفنّ والرسم وقد كتبت تلك الرواية وأنا في غاية الضيق والقلق. وقد تزامن ذلك مع قرار "الوئام الوطني" الذي أعلنه رئيس الجمهورية. وهذا الوئام الوطني، بكل بساطة، يسمح للقتلة أن يعودوا إلى بيوتهم وإلى المجتمع والبلد الذي خرّبوه، وهذا قد يكون له ما يبرّره سياسيا ولكن كيف يمكن أن تستقبل من قتل أهلك وذبّح عائلتك بالتمر والحبيب ؟!!!
يخرج بطل الرواية من البلد في نفس اليوم الذي يعلن فيه ذلك القرار : الوئام الوطني، لأنّه غير قادر على التحمّل، ولا يستطيع أن يغفر لهؤلاء القتلة ذبح رفاقه وتدميره هو شخصيّا. كان يشعر أنّه دمّر من الداخل، وأصبح مريضا، كان عاجزا عن القتل ولكن ما يحدث لـ"عمي غلام الله" صاحب قرآنه الخاص يهزّه هزّا فيهاجر لينسى. نحن وطننا اللغة وفيها نعيش وبها وعندما نهاجر نحملها معنا، ونحمل معها كلّ التفاصيل الصغيرة.
  كل ما أخشاه أن يُقرأ اشتغالك على لغة القرآن ومحاكاة أسلوبه مثلما قُرأت "الآيات الشيطانية" لسلمان رشدي، وقرآن "غلام الله" قد يكون دافعا لمثل تلك القراءة.

   "غلام الله" لم يشوّه القرآن أبدا، بالعكس هو رجل أحبّ القرآن لدرجة أنّه التبس به مثلما تحدّثنا عن أدب أمريكا اللاتينية. فصار لا يعلم متى يقول القرآن ومتى يقول النثر العادي، وبالفعل في لبنان وقع قراءة الرواية من تلك الزاوية الضيّقة والمضلّلة التي ذكرت، فكانت قراءة سيّئة.
  هل يمكن للرواية أن تعيش بعيدا عن السياسة والإيديولوجيا ؟

   يمكنها، وعليها أن تعمل على أن تكوّن هذا الكيان المستقلّ، وهذا لا يعني أن الروائي يجب أن يعيش مفصولا عن محيطه، بالعكس محيطه هو الذي يعطيه مبرّرا لوجوده ولكن الكتابة صناعة، وقوّة هذا النص هو أنه يحوّل تلك المادة الباردة (الايديولوجيا) إلى مادة تعيش بيننا، وأنا شخصيا أرفض أن تتحوّل الرواية إلى منابر وفضاءات للخطاب الإيديولوجي والسياسي والديني فلتتحوّل إلى فضاءات للخطاب الأدبي، لأنه يستدعي الخطاب السياسي والإيديولوجي ولكن ضمن نسق من المتخيّل.
  هل حقّا انقطع واسيني الأعرج عن الكتابة النقدية وتفرّغ للعمل الإبداعي ؟

   فعلا، علاقتي اليوم بالكتابة النقدية ككتابة تكاد تكون منعدمة. أنا اليوم، لا أكتب في النقد رغم أنه لي مشاريع ومداخلات دولية كثيرة حول موضوعات تتعلّق بالخطاب الروائي ولكني لم أجمّعها وليست عندي لا النيّة ولا الوقت لتجميعها.
النقد عندي هو القدرة على المعرفة الفلسفيّة والحضاريّة والفنيّة والانتروبولوجية وتتداخل هذه المعارف وتندمج لتخدم الناقد الأدبي في تعامله مع النص الإبداعي، وإلى حد الآن أشعر أني لا أمتلك هذه الكفاءة فوجّهت كل جهودي نحو الرواية ولكن يمكنك أن تتحسّس تلك التأملات النقدية في مشروعي الروائي التخييلي.

    هل مازالت "فاجعة الليلة السابعة بعد الألف" تنتظر جزءا آخر بعد "رمل الماية" و"المخطوطة الشرقية" ؟

   أنا الآن أشتغل على مخطوط "ألف ليلة وليلة" وهو أقدم مخطوط كان موجودا في المكتبة الوطنية بالجزائر، وجده مؤسسها ومؤسس مكتبة باريس الفرنسي فانيون وقد تحدّث عنه في الجرد الذي أنجزه على المخطوطات وقال أنه أتى به من عند عائلة من أصل يهودي إلى المكتبة الوطنية وضاع هذا المخطوط سنة 1964 واكتشفت بالصدفة أنّه موجود في شيكاغو.. وكل الرواية تدور حول ضياع هذا النص وهو نصّ حقيقي، لكن البياضات التي لا يقولها التاريخ تقولها الرواية وهذا هو الجزء الثالث واشتغل عليه منذ أربع سنوات. وعندي
كتاب الأمير خلصني من كتابة المحنة
-  نصل إلى ملحمتك "كتاب الأمير" كيف بدأت التفكير في كتابة رواية عن الأمير عبد القادر الجزائري ؟ ماهي المراحل الجنينية لتكوّن هذا المشروع؟ و لماذا اخترت هذه الشخصية التاريخية بالذات؟

-  هذا موضوع يشغلني منذ فترة طويلة ، و ما دفعني إلى كتابة هذه الرواية أمران:
الأول :حيرتي أمام مفارقة كبرى في التعامل مع الأمير في الجزائر،فعلى صعيد الخطاب السياسي ينظر إلى الرجل باعتباره مؤسس الدولة الجزائية وبطلا من أبطالها الكبار بل هو أهمهم على الإطلاق وفي المقابل لم ينجز حوله فنّيا لا مسلسل و لا فيلم سينمائي يجسد هذه الشخصية العظيمة ،هناك إذن مفارقة عجيبة بين الخطاب السياسي  و واقع التعامل مع هذه الشخصية التي تكاد تهمّش . و اكتشفت أيضا أنه ليس هناك رواية حول الرجل  فلا الحكومة و  لا القطاع العام قدّما شيئا للرجل و لا قدّم الفرد له شيئا و أقصد بالفرد الفنّان المستقل . من هنا انطلقت حكايتي مع الأمير و بدأت بالبحث و التنقيب عن أخباره و أحواله .

أما الدافع الثاني فهو عامل ذاتي: أردت البحث عن تجربة إبداعية جديدة خارج ما اصطلح عليه بأدب المحنة الجزائرية. أعتقد أن الكاتب هو القادر على رصد الحساسيات العميقة و غير الظاهرة في المجتمع و الإصغاء إلى نبضه ،و كان بالجزائر وضع غير عادي في التسعينات هو وضع الإرهاب ،كما تعلم،لكن بعد مدّة انتهى أو خف ذلك النبض و ظهر نبض جديد متعلّق بمشكلة الهوية و الأنا و الآخر ..
 لكن مشكل الهوية مشكل أزلي في الجزائر

 - بالفعل هو مشكل قديم لكنه  هذا السؤال عاد إلى المركز  بشكل جديد لأنه تعلمن  فالسؤال أصبح إنسانيا اليوم  هذا إلى جانب رغبتي الجامحة كما قلت لك  ،و هي الأساس ،في الخروج بنصوصي من مناخات الإرهاب .

   كذلك الكتابة عن الإرهاب وقع استسهالها فنكاد لا نقرأ في السنوات الأخيرة و إلى اليوم إلا  كتابات من هذا النوع دون أن يكون بعض الكتاب معنيين بذلك أي أنهم لم يعايشوا الإرهاب فعلا ؟
- هذا ما حصل و كان علي مغادرة هذه التيمة و هذا المناخ السوداوي إلى مناخ جديد أتقدّم من خلاله في مشروعي الروائي ..
     لماذا اخترت التاريخ لتجربتك الروائية الجديدة ؟

- الكتابة في مناخات التاريخ تمنحك الفرصة للخروج و للتجديد لأنك ستجد نفسك في عالم آخر.

  لكن العودة للتاريخ قد تمثّل مأزقا كبيرا لأنك ستتعامل مع  وثائق وحقائق و أنت تكتب المتخيل .كيف ستحوّل الواقعي إلى روائي ومتخيّل دون أن تمسّ بمصداقيته؟

- هذا مؤكّد ، و كنت أعي خطورة ذلك ، و لكن هاجس الخروج من كتابة المحنة كان هاجسي الأول  ودافعي لخوض التجربة
     ألا ترى معي أن الواقعي أيضا امتداد للتاريخي وأن ما كنت تقاربه بصفته واقعا أي الإرهاب هو امتداد للتاريخ ؟

- فعلا و أنا على يقين أن المآل الذي وصلت إليه الجزائر ليس سببه الراهن ،إنما هناك أشياء لم يقع النظر فيها بشكل جيّد في تاريخ الجزائر هناك أخطاء تراكمت و لم تقع مراجعتها .
الأمير جعلني أقضي أربع سنوات من البحث و القراءة و الحب بكل ما تحمله كلمة حب  من تعب  و جفاء و عودة و شوق .... إلى أن تحصلت يوما على وثيقة متمثّلة في رسالة تأديبية وجّهت له من نابليون الثالث  يقول فيه أنه كان قد اشترط لإطلاق سراحه أن لا يحمل سلاحا فكيف يحمل ابنه محي الدين السلاح،فكأنما يقول له  قد أخللت بالوعد،فيردّ عليه الأمير برسالة و هي الوثيقة،تقول: أنا أتبرأ منه هذا ليس ولدي .
صدمتني العبارة غادرت جهاز الكومبيوتر و انتابتني خيبة كبيرة ، كل الذين عايشوني ذلك الوقت لاحظوا ذلك ،و اعترفت لهم أني كنت أسير في الطريق الخطأ.

    ماذا فعلت ساعتها ؟  هل أقلعت عن الكتابة ؟

- من حسن الحظ  أنه كان لي رواية صغيرة بعنوان "أكاريا" و هي الحشرة التي تأكل الورق ...
   تقصد الأرضة؟

- تماما الأرضة, عدت إليها لأتقدم فيها . بعد ذلك كان عندي صديق فرنسي كان يعلم انشغالي بموضوع الأمير ،حيث إنني كنت أجوب المكتبات  و جمّعت حوالي ثلاثمائة وثيقة حوله ،  فأهداني  ذلك الصديق كتابا لقس الجزائر في عهد الأمير عبد القادر : منسونيور ديبوش  و كان عنوان الكتاب : عبد القادر في قصر أمبواز" و هو عبارة عن رسالة وجها ديبوش إلى نابليون الثالث و فيها يعطي القس صورة  عن الأمير مذهلة. فاستغربت من ذلك الحب و التقدير الذي كان يكنه ديبوش القس المسيحي للأمير المسلم و كيف كان يدافع عن الأمير دفاعا غريبا عندها تركت الأمير و أخذت ابحث في شخصية : منسونيور ديبوش فوجدت شخصية مختلفة تماما للأمير عبد القادر
 .
و هذا فضل الرواية التاريخية ،إنها مثل العلب الروسية واحدة تدخلك إلى أخرى فأخرى ...دخلت هذه اللعبة حين أعادني منسونيور ديبوش إلى الأمير و اكتشفت حوارا للحضارات بالفعل في ذلك الزمن أي في القرن التاسع عشر. اكتشفت عقلين أدارا حوارا استثنائيا ليس فيه مكانة لثنائية :ضعيف/قوي رغم حساسية المواضيع التي كانت تناقش بين الرجلين و التي كانت تدور حول الفكر الإسلامي و الفكر المسيحي ....

- هل يمكن أن نعتبر هذه الرواية  منعرجا في تجربة واسيني الأعرج الروائية؟ و هل تفكّر في إعادة الكرة مع رواية جديدة تقارب فيها روائيا سيرة علم من أعلام الشرق أو الغرب؟

- عمل مثل هذا مغر كثيرا ،لكنه يتطلب مجهودا و وقتا كبيرين، فكتاب الأمير تطلب مني أربع سنوات من البحث و التنقيب . فكّرت منذ مدة في سيرة شخصية عربية  أندلسية و هو الشاعر ابن زمرّد ، و هو شخصية استثنائية و روائية تراجيدية أيضا . كنت أرغب في الاشتغال عليها لكني اكتشفت أن الأمر سيتطلب مني الكثير من الوقت ، ربما أعود إليها في وقت آخر ، لكني باق في الرواية التاريخية فأنا أشتغل في الجزء الثاني من كتاب الأمير و متعاقد مع دار الآداب لكي أسلمها الجزء الثاني و ربما الثالث .  
 - سمعت أنك صرّحت في ملتقى الرواية العربية في القاهرة بأنك تفكّر في العدول عن هذا المشروع؟هل هذا صحيح ؟ و هل شعرت بثقل الموضوع؟

- معك حقّ،هو مشروع صعب و صعب جدّا ، يحتاج إلى وقت كبير، و الحق أقول لك أني كنت اعتقد أن الرواية التاريخية ليس لها قرّاء و فوجئت بما حقّقه كتاب الأمير من نجاح جماهيري فقد كان الكتاب الأكثر مبيعا في معارض دولية للكتاب كانت دار الكتاب قد شاركت فيها .
 رغم ثمنه الباهظ؟

- فعلا، فالكتاب ضخم و من ثم كان ثمنه مرتفعا بعض الشيء لكن ذلك لم يشكّل خطرا على رواجه و نجاحه ، و استغربت شخصيا من هذا النجاح !ربمّا أفسّره اليوم بالدعاية التي رافقت نشره .
  تقصد صدور بعض فصوله في "كتاب في جريدة" ؟

- أجل ، لان كتاب في جريدة وزّع تقريبا في خمس و عشرين جريدة عربية أي حوالي مليوني نسخة وزّعت مجانا مع الجريدة.
   هل نضع  في خانة هذا اعتراف المتواضع؟

- لا و الله ،أحاول أن افهم الأمر بموضوعية، ربّما عقلية الجامعي مازالت مسيطرة علي في تحليل هذه الموضوعات ،لأنه إذا كان عندك نتيجة فلا بد أن تبحث لها عن أسبابها المقنعة و المعقولة . أعتقد أن ذلك كان عاملا من عوامل نجاح الرواية و رواجها الكبير لأن الجريدة قدّمت ثلث الرواية و من اطلع على ذلك القسم سيبحث عن البقية التي لن يجدها طبعا إلا في نسختها النهائية.
و النقطة الثانية أن الرواية تدور حول شخصية جزائرية و عربية كبيرة تحتل مكانة مرموقة داخل نسيج المخيال الشعبي الجزائري و العربي

   ربما كان فضول القارئ أيضا سببا من أسباب هذا النجاح التجاري . فقد يتساءل هذا القارئ :ماذا سيضيف واسيني الأعرج لهذه الشخصية التاريخية التي تبدو للوهلة الأولى واضحة و مكتملة في ذهنية القارئ . خاصة بعدما سمع بقصة حوار الحضارات الذي تعالجه من خلالها في زمن أصبح هذا الموضوع هاجس الجميع.


-  الحق أقول لك أن غايتي في البداية لم تكن التطرّق لحوار الحضارات أو الأنا و الآخر ،كان همي الأول كتابة رواية عن شخصية تاريخية و تراجيدية إنسانية .
    إذن، كنت تعتقد أن الرواية التاريخية لا يمكن أن تنجح في العالم العربي؟

- كنت أظن أن مجهود هذا الصنف من الروايات يغطّي مردوده و عائداته لا بالمعنى المادي فقط بل بالمعنى "القرائي" أيضا ، و هذا أمر ليس بصحيح و الدليل هو نجاحه الجماهيري و التجاري فقد ترجم الكتاب بسرعة إلى الفرنسية و إلى الانكليزية . علينا ،إذن، أن نصحّح نظرتنا إلى الرواية التاريخية لأنها ليست شحيحة و لا هي بالبخيلة إنها معطاءة متى كتبت بشكل جيّد.

  كيف استقبلها الإعلام الثقافي العربي؟

- حظيت الرواية باستقبال جيد من الإعلام العربي غير أن الإعلام الجزائري لم يهتم بها كثيرا ، و يمكنني تفسير الأمر بأننا منذ سنوات نعيش في الجزائر ما يسمى "الموت الثقافي" ، طبعا، كان هناك اهتمام في مدينة معسكر مسقط رأس الأمير عبد القادر و في مدينة سكيكدة  و كان هناك اهتمام كبير بالرواية في فرنسا و خاصة في بوردو
 . - ربّما لأن هذه الشخصية مرحّب بها في الغرب . هل مثّل الالتفات إليها شبهة لقلم واسيني الأعرج ؟ بمعنى  تساءل بعضهم لماذا الأمير عبد القادر في هذا الوقت بالذات ؟ هل نحن في حاجة إلى رجل التسامح أم  إلى رجل آخر ؟ لماذا المطلوب منا نحن العرب دائما أن نتعامل مع الغرب  بشكل حضاري في الوقت الذي يتعامل هو  معنا بوحشية وبربرية ؟

- أنا لست مؤّرخا ، لكنّي أكاد أجزم أنّي قرأت أهم ما كتب حول الأمير و وجدت فيها وجهات نظر مختلفة حوله  فالمدرسة العسكرية الفرنسية تراه مجرما و نظرة فرنسية أخرى ترى العكس و حتى في الجزائر فإن هناك من يراه خائنا  أو متساهلا مع فرنسا و طرف آخر يراه بطلا عظيما أما النظرة الانكليزية فتراه وسيلة هامة لدخول الجزائر  ،فقد كانت لبريطانيا أطماع  في الجزائر و قامت ببعض الهجمات صدّها الأتراك كما تعلم في ذلك الوقت. من هنا جاءت خصوصية شخصية الأمير و خطورتها لأنها ليست شخصية مسطّحة متّفق عليها بل هي شخصية مركّبة وخلافية . هذا التناقض هو الذي سيشكّل الاختبار الحقيقي بالنسبة للروائي ، كيف سيحوّل تلك الأخبار و تلك الوقائع و ذلك التناقض إلى متخيّل و نسيج سردي محبوك ، هذا كان رهاني .
خلاصة الأمر أنّي رأيت في فترة من الفترات أن الأمير شخصية لم يقع التعرّض إليها بشكل جيّد و لم تفهم جيّدا  فهي شخصية يمكن قراءتها في مستويين : مستوى الحرب: ظل الأمير يقاتل و يجاهد مدة 17 عاما بسلاح تقليدي و في قمة الجبال و هو رجل دولة بمعنى رجل سياسة و تفاوض : اختار مسلكا خاصا ، أكن له احتراما كبيرا ، و لكن دفعني هذا الاحترام إلى أنسنة هذا الرجل الذي تأسطر و هذا كل مجهودي في كتاب الأمير.

   كان جزءا من عملك إذن إعادة الواقعي إلى هذه الشخصية التي شطح بها الخيال الشعبي بعيدا ليؤسطرها ، أذكر انه كان المخيال الشعبي الجزائري يربط بين عبد القادر الجيلالي و الأمير عبد القادر و هذا أضفى على شخصية الأمير قدسية و هذا بلا شك شكّل مأزقا آخر لك ؟
- كلامك صحيح و دقيق تماما، حدث هذا في المخيال الشعبي، فقد كنت أمام شخصية مقدسة و دينية و سياسية و شخصية عسكرية من الطراز الأوّل. و كنت مطالبا أن أقدمه كشخصية إنسانية و انزع عنها طابعها الخرافي و الخوارقي الذي أضفتها العامة عليها من فرط حبها لها . و يزداد الأمر تعقيدا حين تجد أن كتب التاريخ قد ابتسرت هذه الشخصية و سطّحتها ، فليس هناك وثيقة تتحدّث عن نبل الأمير و طيبته و لا عن صورة الأمير العاشق ..و أنه دخل غمار الحرب بالصدفة . هذا لا يقوله التاريخ لذلك فأنت مطالب بالإنصات إلى مراجع غير تاريخية أثناء الكتابة . الحلم  الكبير للأمير كان دائما كيف يعود إلى الكتب فقد أجبرته الظروف إلى تركها للجهاد ثم عاد إليها في آخر حياته . هكذا هي حياته دائرية من الكتاب و إليه . حتّى أن الكتب كانت ورقة رابحة في يده يهدّد بها عند فض نزاعات القبائل أو القبائل التي وقفت ضدّه فكان بين الحين و الآخر يهدّد بالعودة إلى الكتب . أذكر عندما حرقوا عاصمته معسكر ،استغل الهدنة التي عقدها مع فرنسا لبناء جيشه من جديد و بناء عاصمة جديدة له موجودة في بوابة الصحراء اسمها "تقدمت" هذه المدينة قريبة من مدينة ابن خلدون التي اختبأ في احد الكهوف بها لكتابة المقدمة و هي نفس المدينة التي ولد فيها المستشرق الفرنسي جاك بارك . و أول ما شيّد الأمير في عاصمته الجديدة كان مكتبة و هي أول مكتبة جزائرية في القرن التاسع عشر .
بعد ذلك جاء ديجو فأحرق تلك المدينة و كان الأمير يشاهد تلك الواقعة من فوق الهضبة.
صورة  سينمائية !

- هي كذلك فعلا ، و بعد أن غادر الفرنسيون المدينة المحترقة نزل الأمير و راح ينقذ المخطوطات المرمية في الطرق و يطفئ نارها بكفّيه.
 
 فماذا عن حوار الحضارات كيف تطرّقت إليه ؟


-  في هذه الرواية حوار الحضارات حوار هامشي أو جزئي لأنه مستوحى من لقاء بين رجلين من ديانتين مختلفتين يجمع بينهما البعد الإنساني و أقصد طبعا بالرجلين مونسينيور ديبوش  القس الفرنسي بالجزائر و الأمير المسلم . في البداية ذهب مونسينيور ديبوش  إلى الأمير طالبا منه إطلاق بعض الأسرى الفرنسيين أما المرة الثانية فقد ذهب إليه بعد أن خبر إنسانية و علم الرجل و عظمته  ، كانت الزيارة المطوّلة في سجن أمبواز ، في هذه الزيارة نشأ بينهما حوار حضاري عجيب في ذلك الوقت خال من كل تعصّب و دون أدنى تنازل . رغم حساسية المواضيع المطروقة و التي كانت تدور حول الفكر المسيحي و الفكر الإسلامي .
- أريد أن أسألك سؤالا ألحّ علي و أنا أطالع "كتاب الأمير" فقد قرأت أن الأمير قال مخاطبا مونسينيور ديبوش الذي أهداه الإنجيل أنه سيقرؤه و انه سيعتنق المسيحية إذا ما اقتنع بما فيه ؟ هل هذه الواقعة تاريخية فعلا ؟

- كل الحوارات التي اعتمدتها في الرواية بين الرجلين هي سجالات و حوارات موثّقة تاريخيا .بل أقول لك ما هوأبعد من ذلك كان مونسينيور ديبوش يمازح الأمير بقوله :كم أتمنى أن  تصبح مسيحيا لان واحدا مثلك يمكنه أن يمسّح كل المسلمين بما له من مكانة في قلوبهم و عقولهم و كان الأمير يردّ عليه بذات الأسلوب . وانتهى الأمر بالرجلين أن بقي كل واحد منهما متمسّكا بدينه و جمع بينهما الحس الإنساني المشترك . و هذا ما ينقصنا اليوم ،نحن نعيش عصرا يغيب فيه هذا الحس لذلك حواراتنا الحضارية حوارات زائفة لأنها مجرّد بروتوكلات يعود على أثرها المتحاورون دون أدنى اتفاق حتى إذا ما تعلّق بالإنسان كإنسان . أنظر ما يحدث في العراق ، هناك أمريكيون كوبوي (رعاة بقر) وفي المقابل هناك شعب عراقي يذبح و  يحرق يوميا و ليس هناك مكان للإنسان و حقوقه . فلا منطق غير منطق القوّة و الفلاسفة و المفكرين الذين ينادون بالسلام ليس لهم صوت في هذه المعركة و إن سمع لهم صوت فلا أحد يهتم بهم.
التسامح غير الوئام المدني.

   دعني آخذك إلى نقطة أخرى متعلّقة بمقولة التسامح. ما الفرق بين التسامح الذي تتحمّس له و تدعو إليه في كتابك و الوئام المدني الذي طرحه الرئيس بوتفليقة ؟ و لماذا رفضت هذا المقترح ؟ أليس في الأمر بعض الغرابة؟

- أنا أقبل التسامح و الوئام من حيث المبدأ فلا أحب الأحقاد و لم أنشأ عليها ، أعطيك مثالا على ذلك :إن استشهاد أبي في الثورة الجزائرية لم يجعلني عدوا لفرنسا و لم يحل دوني و التدريس في جامعاتها لأني أميز جيّدا بين الشعب الفرنسي و زمرة من الجيش و من الاستعماريين الذين شنوا الحرب على وطني . لا يمكن أن أجرم كل الشعب الفرنسي فمن ضمن الفرنسيين من قاتل في صفوف الجزائريين و قتل. طبعا أعلم تماما أن هناك ظالم و مظلوم و أن الجزائر استعمرت من فرنسا بغير حق لكن هناك أجيال أتت بعد ذلك لا علاقة لها بما حدث و بتلك الحرب. لذلك لا يمكنني أن أجرم كل الفرنسيين كما قلت و أنا ضد المواقف الشمولية.
المشكل يا صديقي ليس في التسامح بل في ثمن هذا التسامح . الفكرة في حدّ ذاتها نبيلة في شكلها المجرّد لكن الفكرة للأسف ليست كذلك إذ هي فكرة مسيّسة .

   هل ترى في هذا الاقتراح أو المشروع الرئاسي /الوئام المدني عملية خضوع و استسلام؟

- أجل و علينا أن لا نستسلم لان الدولة قوية. لا يمكنني أن أتسامح و اقبل هذا القانون و أنا أرى بأم العين قتلة محترفين يطلق سراحهم دون أدنى عقاب . أنا طليق الآن و يمكنني أن أسافر أينما شئت لكني أفكّر في الناس البسطاء كيف سيتعاملون مع ذلك الوضع ؟ هؤلاء قتلوا عائلاتهم و يتّموا صغارهم و احرقوا لهم بيوتهم .
  هل موقفك ناتج عن معاناتك الشخصية مع الإسلاميين ؟

-  يا أخي أذكر أن ميكانيكيا في الدرجة الصفر من الثقافة كان  يعطي الأوامر بقتل المثقفين و أحد ضحاياه  جاووت.

 تقصد الأديب الكبير الطاهر جاووت ؟

- نعم الطاهر جاووت أحد أقرب الأصدقاء المقربين مني كان معي قبل يوم واحد من مقتله لا أستطيع نسيان ذلك . أحيانا أفكر أني حيّ بفضل أولئك الذين ماتوا لأنه لو لم يقتل الطاهر جاووت لما أخذت احتياطاتي ، فمقتله فتح لي طريق الحياة .

 أنت إذن مدين له بحياتك ؟

- تماما ، دائما أقول انه إذا كان لنا حظ الحياة فعلينا أن لا ننسى هؤلاء و عهد أخذته على نفسي و ليقل الجميع ما يشاؤون  سأظل وفيّا للطاهر جاووت و عبد القادر علولة. أن يقوموا بوئام أو غيره هذا أمر لا يعنيني ، لكني لن أنسى  أن هؤلاء الناس كانوا وراء مقتل أصدقائي الأبرياء الذين لم يحملوا يوما  سلاحا غير القلم . هذا ارث احمله على ظهري ما دمت حيّا.

  إذن لا مجال للتسامح ؟  

- دعني أقول لك أمرا: سأتجرّد من ذاتي و أفكر في الآخرين ، في الناس الذين لابد لهم من حلّ . كيف سيكون ذلك الحلّ؟ أعتقد أن أي مخطئ ننتظر منه اعتذارا على الأقل أما هؤلاء القتلة فلم يعتذروا بل بالعكس يتطاولون يوميا ، تابع تصريحات علي بلحاج و عباسي مدني و العيادة الميكانيكي الذي أمر بقتل الطاهر جاووت ، لم يعتذر واحد منهم في أي منبر إعلامي بل ظلّوا يستفزّون الشعب الجزائري الذبيح على العكس في أمريكا اللاتينية ظهر كبار المجرمين ليعتذروا في التلفزيونات و المنابر الإعلامية الأخرى ليعتذروا لشعوبهم . أما عندنا فالمجرم يطالب بإطلاق سراحه و عودته إلى عمله أو إيجاد عمل له و راتب شهري فماذا يفعل المتخرجين من الشباب الذين أكلتهم البطالة بسبب تدهور الحياة الاقتصادية في الجزائر و التي سببها هؤلاء القتلة ؟

مع من سيكون هذا الوئام يا صديقي ؟!! التسامح و الوئام فكرة نبيلة لكن السؤال يبقى في المقابل الطرف الآخر لهذا الوئام !ماذا قدّم ؟ لا يمكن أن تثق في هؤلاء الذين رفضوا حتى الاعتذار .من ادراك أنهم لن يعودوا بعد سنوات إلى نفس النشاط و السلوك و يخرج علينا احدهم يقول أنهم دائما على حق و الدليل أنهم لم يعتذروا عن أي شيء صدر منهم؟؟؟

-  هل ترى في الطاهر جاووت و بختي بن عودة و غيرهم من المثقفين الذين أكلتهم نار الإرهاب في جزائر التسعينات أبطالا مثل الأمير عبد القادر ضحّوا بأنفسهم  من أجل كلمة الجزائر و يستحقون روايات حولهم؟

- طبعا،كل العناصر التراجيدية و الروائية متوفّرة في هؤلاء
 
  سمعت أنّه وقع اغتيالك في بداية التسعينات؟


-آه نعم  حدث ذلك  " غريب أن يقرأ الإنسان خبر موته في إحدى الجرائد الوطنية ويسمعه في إذاعة ميدي الدولية المغربية الفرنسية وفرانس-  ، مانشيت خبر اغتيالي كما قرأته في جريدة النصر اليومية التي تصدر بقسنطينة: اغتيال الروائي الجزائري واسيني الأعرج. أشعر في البداية بشيء من الزهو ثم ينتابني خوف عميق. أول شيء قمت به هو إخبار أهلي، أمي خصوصا وتكذيب الخبر وطمأنة كل الأصدقاء الذين كانوا يعرفون مكان إقامتي. أشعر دائما بأن هناك رجلا حماني بصدره ليمنحني كل هذا الزمن وأنا مدين له بالرغم من أنه لا يدري لماذا قتل بالضبط؟ الرجل الذي قتل، أعتقد خطأ، كان موظفا بسيطا في الأمم المتحدة، يمر كل صباح بالقرب من الجامعة قبل أن يذهب نحو عمله. كان اسمه: واسيني الأحرش. لم يكن يعرف وهو يخرج في ذلك الصباح، أنه سيقتل في مكان رجل آخر. كم اشتهي أن يمنحني الله بعض العمر لاقف فقط على قبره قليلا وأعتذر منه، لأن الأقدار التي وضعته أمامي ليقي صدري من الرصاص القاتل، لم تسأله في ذلك الصباح الباكر عن رأيه. "

  لنعد إلى رواية "كتاب الأمير" و لنتناول المسألة الأجناسية ، هل هذه رواية أم سيرة ؟و هل هي رواية تاريخية أم رواية توظّف التاريخ؟


- أنا لا أصنّف .لكنها رواية ، هي رواية تاريخية و ليست تاريخا بكل تأكيد هناك هيمنة للبعد التاريخي لكن بأسلوب روائي
.
 كيف يتعامل الروائي  مع  التاريخ ؟

- هذا موضوع مداخلة قدمتها في قطر
كان عنوانها "الرواية التاريخية /أوهام الحقيقة" أليس كذلك؟


-  بالضبط ، و قد شارك فيها عدد من الباحثين و الروائيين

- أعتقد شارك في تلك الندوة كل من طارق علي و جيمس رستن الإبن و أهداف يوف و عبد القادر الركابي و محمد شاهين و محمد القاضي و سعيد يقطين و صلاح فضل و عبد الله إبراهيم و فيصل درّج كذلك و قد صدرت في كتاب بعنوان"الرواية و التاريخ"؟

  إذن تذكر أني طرحت أسئلة منها :هل تعيد الرواية إنتاج التاريخ؟ هل تؤول التاريخ أم هل تستعمل التاريخ كمادة هامشية ؟و هل للتاريخ قيمة في تحديد هوية النص؟ كنت في الحقيقة و أنا اكتب "كتاب الأمير" اعتمد على مادة تاريخية لا يمكن إنكارها متعلّقة بشخصية الأمير عبد القادر ، لذلك كنت مجبرا على التعامل مع هذه المادة دون أن أكون عبدا لها
 
-هذا يعني أنّك لم تكن وفيّا لها دائما ؟

- لم أكن وفيّا لها دائما مادام خروجي عنها لا يشكّل ضررا على طبيعة الرواية و مسارها ككل.
   لم أفهم ما تعنيه ! هل كنت وفيّا للمادة التاريخية أم خنتها في بعض النواحي؟

- المسألة ليست خيانة إنما هي كتابة أخرى ، لأني لا اكتب كتابا تاريخيا عن الأمير و من حقّي أن أقحم الخيال متى شئت دون أن يكون ذلك على حساب الرواية كرواية تاريخية ,أعطيك مثالا : تفتتح الرواية على جون موبي Jean maubet  خادم منسينيور ديبوش و هو ينتظر وصول رفات سيّده إلى الجزائر _ هذا الخادم صاحب منسينوير ديبوش طوال حياته و صاحبه في جلساته مع الامير و هو الذي شهد وفاة سيّده و حمل وصيّته التي تقول أن منسينيور ديبوش أوصى بدفنه بالجزائر _ و قد أعلم جون موبي أهله و الجميع بهذه الوصية الشفوية و لكن منسينيور ديبوش دفن في فرنسا و لم يحوّل رفاته إلى الجزائر إلاّ تعيين قس جديد للجزائر و هو الذي طالب بتطبيق الوصية و جلب رفات منسينيور ديبوش إلى الجزائر ،غير أن الخادم جون موبي لم  يصاحب رفات سيده بسبب الفاقة التي يعيشها رغم أنها كانت أمنيته الكبيرة . تتحقق أحلام جون موبي في الرواية و اجعله يسافر إلى الجزائر لاستقبال الرفات. هنا تدخّل الروائي حوّر في التاريخي /الواقعي و نشط المتخيّل.
 
 إذا اعتبرنا أن هذا ليس تحريفا للتاريخ ،كيف تطلّبته الرواية ؟


- ليس في ذلك أي خطر على الطابع التاريخي للرواية لأن الشخصية لا ينكرها التاريخ ، غير أن الأهم هو أني أردت أن يكون الراوي محايدا في رواية ما حدث بين الأمير و منسينيور ديبوش لأني لو جعلت الرواية على لسان احدها لكانت الرؤية من زاوية واحدة أما وجود هذه الشخصية : جون موبي فقد وفّرت الطابع البوليفوني /تعدد الأصوات في الرواية  و من ثم كانت الرواية مجموعة من السير :الأمير و منسينيور ديبوش و جون موبي . هكذا تخلق الرواية علاقتها بالتاريخ .

   تقول انك تخشى أن يتعامل مع روايتك ككتاب تاريخي ,أين ترى وجه الخطورة في ذلك ؟
 
- طبعا ، لأنك ستدخل في منطق آخر للقراءة هو منطق الحقيقة و الزيف،أما الرواية فلها منطقها الخاص و الامير له وجود تاريخي لكن وجوده في الرواية يحدّده منطق الرواية في حدّ ذاته . و أنت تصغّر من حجم الرواية عندما تتناولها ككتاب تاريخي . و قد سبق أن رفضت عرض واحد من اكبر الناشرين في فرنسا مختص في نشر السير عندما اقترح علي كتاب سيرة الأمير عبد القادر  لأنني أعي جيدا أن معارفي  يحول الأمير يمكن أن أوظفها في عمل روائي و هذا ما حدث بالفعل.


لكن عبد الرحمان منيف يرى أن الأجيال القادمة ستحتاج إلى قراءة الروايات لمعرفة تاريخها و هنا يقصد أن التاريخ الرسمي العربي تاريخ الحكام و هو تاريخ مزوّر و فيه من الاختلاق و التلفيق ما لا يمكن أن تجده في الروايات ؟ إلا يعني هذا أن التاريخ العربي هو تاريخ متخيّل أيضا؟

- هذا رأي مغال من منيف الرواية يمكن أن تكون سندا لكن ليست تاريخا موازيا ,أنا لا اكتب تاريخا آخر بل حالة إنسانية أو وضع معيّن غفل عنه التاريخ.
 
 يقول محمود المسعدي في أحد نصوصه " منذ القدم كان الموت هو النظام" و تقول  "لا يقين في الدنيا سوى الموت" كيف تقارب لنا تجربة الموت كما عشتها كاتبا ومن خلال عبارتك هذه ؟

- في سنوات المحنة في الجزائر كنت أعبر الشارع و لست على يقين أني سأصل إلى الطرف الآخر و هذا مدوّن بالتفصيل في "ذاكرة الماء" و إن لم تكن سيرة ذاتية خالصة ،لكنّي بعد مدّة تعلّمت أن ادخل سكينا في الجرح متى أخذ في إنتاج الوجع حتّى وصلت إلى مرحلة انعدام الإحساس به . أوصلتني التجربة مع الموت إلى حال من فقدان الوزن و لم يعد يعنيني كثيرا الموت و لا أصبح يخيفني هو مرحلة فقط ،ما يخيفني فعلا فيه هو أن يباغتني و أنا بعد أريد أن اكتب أكثر ،أريد أن أقول أشياء كثيرة قد يحرمني من تلك اللذة و تلك الرغبة في البوح
.
منذ مدة لم يعد يعنيني نظام و لا سلطة و لا إسلاميون و قرّرت ألاّ أصمت أبدا و أن أصدح بالحقيقة كما هي .صرت أؤمن بشكل شبه قدري أن للإنسان زمنا  سيحياه و خلال ذلك الزمن عليه أن يمارس ما يحلو له :أن يقرأ ،أن يحب،أن يكتب ....و بالتالي خلقت ألفة مع الموت ،فلم يعد يخيفني مطلقا.
أذكر  تجربة أخرى مع الموت غير الإرهاب في الجزائر ، كنا فوق مدينة دبي و كادت الطائرة تسقط بنا و مررنا بساعة عصيبة جدا نتيجة ظروف مناخية رديئة جدا ، كان شيئا عنيفا جدا و تهديدا مناخيا صريحا بسقوط الطائرة  فمررنا –كل المسافرين- بنصف ساعة تقريبا لكنها تساوي دهرا .وصلت إلى درجة من الخوف عظيمة ثم استسلمت لقدري عندما نظرت إلى ذلك الوضع من زاوية أخرى  فخمّنت:و ما ذا سيحدث قطعة من الحديد و سقطت و كان هناك ركّاب و ماتوا و تستمر الحياة !!!!!!!!هنا فقط انتابني إحساس بالسكينة . الخوف عندما يصل سقفا معيّنا لا تصبح له أي قيمة. و أظن أن الشعب الجزائري انتصر على الإرهاب بهذه الطريقة و هذا ما يحدث مع الشعب العراقي اليوم فقد  انهزم الموت في شوارعه بانهزام الخوف.

 لكن الموت عندك أنواع بحسب المكان الذي يباغتك فيه و بالصورة التي تلقاه فيها ألم تقل "موت المنفى أهون من النسيان القاتل في أرضك"؟

- لأن بلد المنفى بلد محايد لا علاقة تاريخية تجمعك به و ليس مطالبا بأن يقدّم لك شيئا.  هو له كل الفضل في استقبالك خاصة إذا ما قدّم لك عملا و راتبا و حياة كريمة . يمكنك أن تربط علاقة ما مع المنفى:علاقة فهم.أما  بلدك فأنت تنتظر منه  الكثير لأنك ابنه و جزء من حياتي وهبتها له و أبي استشهد من اجله و أختي ماتت ضحية له .إذن أنت لك دين عنده ، و تنتظر على الأقل أن يعترف بوجودك . المؤلم فعلا انك تكتشف أن هذا البلد الذي يسكنك و الذي ضحّيت من اجله يتجاهلك تماما و يعتبر الكاتب آخر اهتماماته و يهتمّ بآخرين تعرفهم جيّدا.  

 طيب ، دعنا ندخل غمار الجوائز، سمعت أنك تفكّر في جائزة نوبل ؟

-  (يضحك)نعم أفكّر فيها بجدّية لكن من خلال رواية فقد بدأت في كتابة رواية بالفرنسية منذ سنة ثم توقفت و فيها شخصية رئيسة اسمها"نوبل و لا شيء"

  هل هذا رأيك في الجائزة؟

-  لا لا إطلاقا ،جائزة نوبل جائزة مهمة فعلا، و هي أهم جائزة أدبية في العالم ، و أي كاتب يحلم بها ، هي أرقى درجة الاعتراف العالمي بك ككاتب و لكن الجائزة خلقت أمراضا في البشر و الخلق الثقافي.
 ماذا عن الرواية؟
-  هي رواية ساخرة استوحيتها من هذا المرض بنوبل  ،فقد وقف يوما كاتب جزائري متواضع جدا و قال ما بالكم مهووسين بنوبل سأترشح لها و يمكننا أن نحصل عليها , و بالفعل جمّع كتبه و أرسلها إلى إدارة الجائزة في السويد ، طبعا هذا عمل مضحك لان الترشيح لا يتم هكذا في مثل هذه الجوائز :المنضمات  و الجهات المختصة  هي التي ترشح الكاتب لهذه الجائزة ، و الحقيقة أن قصته مع الجائزة جد مضحكة حولته إلى نكتة في المشهد الثقافي الجزائري إذ سمع به بعض الأصدقاء من الكتاب و الصحفيين و عمّقوا الحكاية حد الدراما فقد  كتب رسالة خاصة و أعطاها إلى صديقة هي التي ترجمتها له إلى الانكليزية و هي التي فضحت أمره عندنا ،فأرسل له احد الكتاب الأشرار رسالة بالانكليزية مفادها  أن اللجنة قبلت ترشحه و أنها تنتظر منه برنامجا تلفزيونيا حول أدبه تقوم به إحدى القنوات التلفزيونية و هنا تبدأ قصته المضحكة أما مبنى التلفزيون بحثا عمن يقوم له بهذا البورتريه المصوّر ......

نوبل  جائزة كبيرة نحلم بها ، و نحن نشتغل شيئا فشيئا و نتقدّم نحوها أو نحو غيرها (يبتسم)

باريس بين صورة الغولة والحبيبة

    تقول عن باريس "إنها المدينة الغولة "و تقول "المدن التي لا بحر فيها مدن ينتابها الموت بسرعة" وتقول في مواضع أخرى مقارنا بين المرأة و المدينة إنهما تتشابهان تغويك و عندما تصير فيها تتخلّى عنك أو بكل بساطة تضعك في خانة المدمنين: و تقول :المدن لا ذنب لها فهي دائما ملتقى الألوان: هل أدمنت باريس  الآن؟  و هل تطمئن لها ؟

-  هي مدينة أعطتني نوعا من الاستقرار في ظروف صعبة أعطتني إمكانية لحياة أخرى ،و هذا ممتاز .لكن المفارقة أن مدينتي الجزائر التي من المفروض أن توفر لي ذلك الإحساس بالأمان و الاستقرار و تحسسني بقيمة وجودي لم توفر لي غير الشعور بالإلغاء، هي تلغيك تماما و تقتلك بروتينية إداراتها و بخدماتها الثقيلة السيئة و مرافقها المفقودة. أنت إذن تواجه مدينة تقتلك يوميا بالتقسيط  هذا طبعا بعيدا عن الإرهاب و الرعب الذي عشناه فيها .أتحدث فقط عن الحياة اليومية العادية أما باريس فالأمر مختلف .
  تراجعت إذن عما كتبته عنها ؟
-    ماذا كتبت؟

تقول فيها :باريس صديقة متى أمسست مصارعها أصبحت غولة تقتل حتى أولادها:و تقول في موضع آخر: باريس غانية تعلّق على رأسها تاجا من الإشهار المتّسخ"
واسيني الأعرج مستغربا: أين وجدت هذا ؟؟!!

 في روايتك الأولى المجهولة " جغرافية الأجساد المحروقة"

- آه ،كيف حصلت عليه هو نص لم ينشر في كتاب ؟

عندي وثائق و نصوص لك قد لا تمتلكها أنت  ربما من هذا المنطلق سمّينا باحثين دون أن تغفل وجهنا الصحفي  ، يجدر بي أن أستعين بحقي الصحفي في الامتناع عن كشف المصدر ،لكني  سأخبرك :روايتك هذه نشرت في أحد أعداد  مجلة آمال. أتذكرها؟ !!!

-  أجل ، طبعا ، نصوصي الأولى هي نصوص تتحدث عن الغربة ، لأن  تلك كانت علاقتي بباريس، حيث كنت أزورها في العطل و في ذهني ثقل حياة الوالد الذي قضى جزءا من حياته هناك، من هنا جاء ذلك الحقد، فقد كان والدي يعاشر فرنسية و ينسى عائلته  و لا ينزل إلى الجزائر إلاّ بعد أربع سنوات و قد لمست أيضا في البداية العنصرية مع المغتربين ،و هذا موجود إلى اليوم ، و لكن علاقتي بها تغيرت فقد صرت ابن المدينة و صرت اعمل في جامعاتها و من ثم لم أعد عنصرا وافدا و غريبا عنها أصبحت جزءا من نسيجها .لذلك لم اعد أراها غانية و لا غولة .  نعم هي غولة لأنها أكلت  العمال  فباريس تأخذ العامل شابا وترمي به عندما يصل سن التقاعد ،أليست غولة بجميع المعاني؟؟و لكن في المقابل أعال ذلك العامل عائلة ....ربما يمكنني أن أصف علاقتي القديمة بها بالرؤية "الشبانية" المدينة الآن هي التي أخلقها أنا ونفس الشيء في أمستردام أين كتبت روايتي "شرفات بحر الشمال" أردت مدينة محايدة ليس فيها ثقل تاريخي و انطلق السؤال هل يمكن أن تعيش حياديا :بعقلية حيادية و مشاعر حيادية عندما تعيش في مدينة حيادية ،اكتشفت أن ذلك مستحيلا لأن جمال تلك المدينة و فنونها العظيمة لم تستطع أن تسقط  ذاكرتي المورمة و الجريحة
 
  رغم هذه السوداوية  تقول في إحدى رواياتك إننا  نحتاج إلى يقين "بأن السماء ستمطر حتما و إلا الأفضل أن نتحر"؟ أليس كذلك؟

- فعلا كانت السماء الممطرة بالنسبة إلي هي الكتابة ،هي التي أنقذتني ، كنت في سيدة المقام:أطلب من الله أن يبقيني حيا حتى أتمها ،فكنت أتحرك في المدينة مغيّرا الشوارع و الأمكنة و عندما أتممتها ،حمدت الله، وبدأت رواية أخرى هي :ذاكرة الماء" هكذا كانت الرغبة في الحياة مرتبطة بالكتابة عندي و كل ما كتبته من التسعينات إلى اليوم هو رهان على الحياة ...حياة المدن
نحن نقاوم الموت إذن بالحكي مثل أبطال الديكامرون لبوكاتشو و مثل شهرزاد؟

- تماما ،ما يهمني هو أن أكتب  شيئا من ذاكرة هذه الأمة و ذاكرتي الشخصية و ذاكرة الإنسانية لأنني كائن متعدد بمعنى أني لا اوجد في الجزائر فقط بل أنا كائن داخل عالم . الكتابة متعة حتى لو كانت داخل  الألم والانكسارات .الجميل فيها أنها مشروع مفتوح دائما على أفق جميل.أنا موجود هنا معك بفضل الكتابة
•    هناك رحلة عذاب لذيذة ربما، لم تتوقف حتى الآن وكأن جدك الموريسكي سيدي علي برمضان الذي حاربته محاكم التفتيش المقدس، أدخل في جسدك لعنة الترحال والخوف بسبب الفاشيات الدينية التي حاربتك في حقك التعبير والحياة. كيف تعامل واسيني مع الخوف والمنفى ؟

الخوف مسألة مهمة. أنت عندما تظهر على ملامحك عناصر الخوف تلمع بالضرورة في عينيك الرغبة في الحياة. لكن الخوف عندما يصل إلى درجاته القصوى يصبح غير مخيف. لقد تفنن الإسلاميون في عمليات حتى أصبحوا لا يثيرون أحدا وقد سهلوا علاقتنا بالخوف وإمكانية السيطرة عليه. ثم أنت تعرفين يا فاديا أن الحياة لا تمنحنا إلا ما نذهب نحوه ونشتهيه ونقاوم من أجله. كل شيء تحصلت عليه من الحياة كان بهذه المقاومة. فأنا كما قلت لك من قرية ساحلية فقيرة لا شيء فيها إلا التهريب وكان يمكن في أحسن الأحوال أن أصبح مهربا صغيرا وربما تاجر مخدرات ممتاز ينظر له الناس بخوف وبإعجاب ولكن كل هذا النظام الحياتي لا يشبهني مطلقا، فمنذ طفولتي الأولى أدركت أن الحياة شيء آخر وهو كيف أحقق حريتي بالخروج من دائرة الضيق التي كانت القرية تفرضها على أحلامي وفانتازماتي الصغيرة. ولهذا فرد الفعل من الإرهاب الأعمى مرتبط بهذا الإحساس المتأصل للحرية. جماعة من الناس جاؤوا وارتأوا فجأة أن يلغوا التفكير والتأمل وافترضوا أنفسهم أنهم يفكرون في مكان الآخرين وما على البقية إلا الانصياع. تذكرت يومها وسط حالة من اليأس والخراب، كتاب 1984 لجورج أورويل وقلت لأحد طلبتي في الماجستير وهو أحد القياديين في حركة الإسلاميين: أقرأه، وكان طالبا يقرأ كثيرا. قلت له اقرأه لأنه يتحدث عن حركتكم. قال: متى كتب الكتاب؟ قلت بعد الحرب العالمية الثانية وفي الفترة الستالينية؟ قال: غريب؟ ولكننا لم نوجد كحركة إلا في الثمانينيات؟ أصررت عليه: اقرأه وسترى بأني لست مخطئا في تقييمي. كنت مهددا بالموت ربما من ذلك الرجل نفسه أو ممن يشبهه؟ ولكن عبثيتي جعلتني لا أنظر للمسالة على الأقل بكل تلك الجدية. قرأه وبعد أيام جاءني وهو يضحك. قال: يا أستاذ، الله يهديك؟ قرأته ولم أجد فيه ما يشبهنا. فقلت له بدون أدنى تردد: هل رأيت شخصية الأخ  الأكبر The big brother الذي يفكر في مكان الآخرين ويحدد تصرفاتهم ويقتل كل من يخرج عن النظام الذي سطره؟ لقد قتل وينسطن في الكتاب لأنه في داخل وينسطن، على الرغم من استنزافه، شيء لا يقبل الانصياع وقبول الأمر الواقع ولكن التاريخ حكم على الأخ الأكبر بالموت لأنه مضاد لأهم قيمة في الإنسان وهي الحرية. وقد فُهم موقفي من الإسلاميين على أنه موقف سياسي لإنسان يساري تجاه جهة إسلامية فقط، قد يكون ذلك صحيحا ولكنه ليس إلا الوجه الخارجي والشكلي للظاهرة. الأساس هو العلاقة بالحرية وسلطان الأخ الأكبر. فقد كان هؤلاء الناس ضد أقدم وأعظم قيمة أنجبها البشر وماتوا من أجلها وشردوا بسببها وهي الحرية. وقلت لك أني سأموت لو أصمت ولا أتكلم. تكلمت كمواطن لا أكثر، مواطن يمتلك أداة اسمها الأدب لم يكن يدري أنها فتاكة ومزعجة للقتلة إلى ذلك الحد. مقتلهم الكتابة لأنها رديف المتعة واللذة والجنون والحرية وهي كلها قيم لا تروق للفاشيات الجديدة بما فيها الفاشية الإسلاماوية. نسميها كما نشاء ولكنها في النهاية ليست إلا تجليا من تجليات الفاشية في أبأس صورها لأنها عمياء. كل الفاشيات تتشابه في منتهاها ولكن فاشيتنا جمعت كل تاريخ الدم والجهل والجفاف وطالبت به وأعطت لنفسها حقا ليس لها. النازية الألمانية الهتليرية ليست جاهلة ولكنها مثقفة، هتلر كان يسمع فاغنر ويقرأ نيتشه وغيره من الفلاسفة الألمان المرموقين ولكنه عندما تحول إلى أخ أكبر، صار أعمى وبدأ يقتل بالمجموعات ولم يعد يفرقه عن القتلة. للفاشيات نقطة مركزية تلتقي عندها كلها: يقين امتلاك الحقيقة المطلقة وما عداها يجب أن ينتفى أو يقتل. ولهذا فقد كان موقفي هو موقف أي فنان له إحساس بعصره وبلده وناسه ولا يمكنه أن يسكت لأن السكوت في مثل هذه الحالات ليس شيئا آخر إلا التواطؤ مع القتلة وكنت عاجزا أن أتواطأ معهم في الوقت الذي تواطأ فيه الكثير من الكتاب وارتأوا في ذلك رهانا حضاريا وهم لا يعرفون أنهم كانوا يناصرون رهانا خاسرا أملته عليهم حالات الرعب والخوف التي انتابتهم وهم يرون بشاعة الجرائم في التليفزيون. كلنا نخاف من اختطاف أو موت قاس وكلنا نتمنى أننا إذا سقطنا بين أيديهم أن نموت برصاصة بدل الذبح بمنشار صدئ والكثير منا اشترى قرصا من السيانور (السم) وهو قرص صغير كان يوضع بيافطة القميص، قريبا من الفم، بحيث أنه إذا ألقي القبض علينا يكفينا أن نعض على رأس اليافطة لنأكل القرص القاتل فنموت بسرعة خارقة وبلا ألم. هي حالة جنون منظور لها من الخارج ولكنها من الداخل استماتة إلى أقصى حد في الدفاع عن الحق في الحرية والحياة. كتبت سيدة المقام حتى قبل أن ينتقلوا إلى القتل، كنت أراهم قادمين بأدواتهم الجهنمية ولم أكن قادرا على الصمت واضعا حياتي وحياة أبنائي في خطر. ربما كنت معنيا بعائلتي أكثر من نفسي, هل تدرين أنهم عندما وضعوني على قائمة المقتولين حرروني. الإنسان عندما يعرف أنه سيقتل لن يصبح له شيء يخسره ولهذا سيحاول في اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت أن يقول كل ما يمكن أن يقوله إنسان يريد أن يقول كل شيء قبل أن يموت. لقد صرت مثل الحيوان الجريح الذي يزداد خطره كلما نزف أكثر. كنت ميتا مع وقف التنفيذ. ولهذا كتبت كثيرا في تلك الفترة: سيدة المقام، حارسة الظلال، ذاكرة الماء، مرايا الضرير، شرفات بحر الشمال، وكلها روايات ارتبطت بالمشهد الجزائري صفيت فيها حسابي لا مع الإسلاميين ولكن مع الرداءة السياسية التي لم تكن الحركة الإسلامية إلا إحدى متجلياتها. وناصرت قيما كنت وما أزال أرى أنها الأهم في الدنيا: الحرية والحب. بغيرهما سنصير حيوانات تائهة ويومها رفضت أن أكون حيوانا تائها. وإلى اليوم أعتبر حياتي مجرد وقت مددته الأقدار لأقول ما في القلب والذاكرة. حتى عندما اخترت المنفى كنت ما أزال أظن أن الكتابة هي وسيلتي لغسل كل الهزائم الداخلية والبحث من خلالها عن صفاء الحب والحرية. وربما انفتاحي على الكتابة العالمية وأسفاري عبر العالم وعلاقاتي الكثيرة مع الكتاب والفنانين في العالم، أكدت لي مرة أخرى أن لا شيء أبقى مثل هذه القيم الإنسانية التي تشكل العمود الفقري لكل كتاباتي. المنفى بهذا المعنى، على الرغم من قسوته لأنه ينتزعك من مكان باتجاه مكان آخر، ولكنه منحني قدرة قياس آلامي بآلام الآخرين وكم بدت آلامي صغيرة أمام آلام أمم وشعوب لا نسمع بها ولا تكرس لها كبريات الصحف سطرا واحدا والشاشات الكثيرة تعليقا صغيرا. يموتون يوميا بالآلاف ويدفنون بصمت ولا أحد يذكرهم. البشرية صعبة وتصنع اليوم تاريخا قاسيا سيأكلها في نهاية المطاف بلا رحمة. المنفى أكد لي أن العالم صغير وأننا لسنا خارج دائرة البشر ولكنه عمق لدي الإصرار على الالتصاق بحريتي على القول والحب والذهاب بعيدا في حقي في العيش والحياة. حتى كتاباتي الأخيرة خرجت من مرض الوجع الجزائري، اسميه مرضا لأنه عندما يلتصق بك لا تعرف الكتابة عن شيء آخر غيره. عندما كتبت شرفات بحر الشمال وكنت في أمستردام ولوس أنجلس كنت قد بدأت أخرج من دائرته القاتلة. وكتاب الأمير في نهاية المطاف ليس حالة جزائرية إلا في شكلها ولكنه حالة إنسانية تتعلق بمآل تجارب عربية رائدة لم تجد من ينميها ويدفع بها عميقا إلى الأمام فقتلت في المهد. الأمير كان ضالتي للحديث عن كل شيء: الكرامة، الدين، المنفى، الحب، الحوار بين الحضارات في لحظة لتأزم والاختلاف الحاد، الهشاشة الجميلة التي لا تعني الانهزام ولكن تقبل شرطية الإنسانية القاسية بالمعنى الوجودي وليس بالمعنى السياسي. المنفى منحني فرصة تأمل الحياة خارج ذاتي وربطها بأفق إنساني أكبر وأوسع.       



علاقاتك بالنصوص الأخرى كبيرة وتجسد تواصلا إنسانيا واسعا. هل التناص وسيلة أو غاية في أعمالك خصوصا وأننا انعكاس ذلك في نوار اللوز، في الليلة السابعة بعد الألف، ثم في حارسة الظلال التي استرجعت سرفانتس ودون كيخوته في الوقت نفسه.  


أنا أومن بتحاور النصوص وأومن أن البشرية لا تكتب في نهاية المطاف إلا نصا واحدا كما كان يقول جيرار جنيت. لي نصان أساسيان في ذاكرتي هما ألف ليلة وليلة ودون كيشوت. الحالة الأولى ذكرتها سابقا. بدأت علاقتي بكتاب ألف ليلة وليلة الذي ما زلت أرى فيه تجسدا للعبقرية السردية العربية في عملية الحكي، بصدفة التباسية بينه وبين النص القرآني. في روايتي الليلة السابعة بعد الألف، أضفت إلى القصة الأصلية ست ليالي. وتركت دنيا زاد تحكي عن كل ما لم تقله أختها شهرزاد أو خبأته في التاريخ العربي, لأني لم أرى في شهرزاد إلا الوجه الأنثوي لشهريار، مرآته القريبة منه. لم تفعل شيئا لتغيير الأوضاع ولكنها كانت دائما تسير في مسارته. حتى إنجابها ثلاثة ذكور لا يؤكد في النهاية إلا على سلطان الهيمنة والخوف والظلم. لأن الذكر معناه من الناحية الرمزية، استمرارية السلطان بنفس مواصفاته. دنيا زاد ستحكي عن تاريخنا المخفي، عن صراعات الأديان، عن القتل، عن الحرية، عن سقوط الأندلس عن محمد الصغير الذي قبض ثمن بيع غرناطة، عن أبي ذر الغفاري الصحابي الذي نفي على صحراء الربداء ومات فيها؟ عن الحلاج الذي قتل ببشاعة؟ تساءلت دنيا زاد عن كل هذا الدم الذي غطته أختها بحكاياتها. من هنا لاقى النص استحسانا نقديا كبيرا وبرمج للدراسات في جامعات كثيرة. أخذت مني كتابته ثماني سنوات عمل ولكنها كانت مفيدة كثيرا. المخطوطة الشرقية، الرواية التي جاءت فيما بعد، ليست إلا الجزء الثاني من الليلة السابعة بعد الألف وفيها تحدثت هذه المرة عن التاريخ العربي الحديث وعن الحلم العربي الذي يصطدم بإرادات الآخرين الذين لا يريدون لنا الخير دائما. فهذه النصوص نكتبها مرة واحدة في الزمن عندما تتوافر عناصر المأساة وتجتمع بقوة. فالرواية بالنسبة لي هي تراجيديا تقول تاريخا نقرأه اليوم بالكثير من الألم: ماذا كان سيحصل لهذه الأرض لو لم يحدث لها ما حدث؟ هذا هو سؤالي المركزي الذي لا أملك له جوابا أبدا.   

وأما الحالة الثانية، وقد أضحكك فأنا أرى في دون كيشوت أحد أجدادي. أنا سعيد لأن أنتسب للهشاشة والرغبة في الدفاع عن القيمة وخوض المعارك حتى في حالة الخسارة المؤكدة. قيمة دون كيشوت أنه خاض معركة خاسرة لأنها تقع خارج عصرها ولكنه دافع عما تبقى من قيم النبل والفروسية حتى عند انتفاء هذه الأخيرة. وقد كتبت الكثير عن سرفانتيس. هذا الرجل عاش خمس سنوات في الجزائر كانت عاملا حاسما ليس فقط في حياته ولكن كذلك في كتاباته. قصته ملتبسة بتاريخينا الوطني في الجزائر والجمعي العربي. عندما حمل سرفانتيس أمتعته الخفيفة وارتدى زيه العسكري وغادر أرضه إسبانيا، لم يكن يفكر في الشيء الكثير سوى مقاومة هيمنة الأتراك الذين كانوا وقتها سادة البحار، وكسر طغيانهم. لم تثنه أهوال البحر ومخاوف من المغامرة غير المأمونة. على الرغم من أن قناعته كانت راسخة بأن شيئا ما لم يكن عادلا في هذا الوجود، إلا أن جنون الفنان المغامر ظل هو سيد تحركاته. فلا يمكن فهم سرفانتس بدون إدراج هذا العنصر الذي لا يمكن إلقاء القبض عليه إلا من خلال حياته أولا ثم أعماله الإبداعية، القصصية والروائية والمسرحية ثانيا. من المؤكد أن لثقافة العصر والحروب الدينية حضورها في لاوعيه وردود فعله، ولكننا سنفهم سرفانتس بشكل محدود إذا أوقفنا رحلته عند هذه الحواف واكتفينا بمواقفه المفصولة عن سياقها التاريخي التي كثيرا ما كانت تعبيرات نزقية مرتبطة بلغة الحروب الدينية لتلك الفترة أو أقنعة لمواجهة غطرسة محاكم التفتيش المقدس التي كانت سيدة الشأن.
لم يكن سرفانتس محاربا محترفا ولكنه وجد نفسه في عمق معركة كانت تتجاوز أحلامه ورؤاه. كان رجلا يعرف معنى أن يشهر إنسان سلاحه للدفاع، ليس فقط عن قضية، ولكن من أجل قناعات هي كل حياته. وربما كانت حياة سرفانتس بكاملها هي هذه الرحلة، محاولة البحث عن المعنى المفقود في عالم مليء بالأحقاد والضغائن، منفلت من كل تعقل وتأمل. يجب أن لا ننسى أبدا أننا على حواف خروج الأحقاد من قمقمها بعد سقوط الأندلس واستيقاظ ماض دفين دام لأكثر من ثمانية قرون من الهيمنة العربية على منطقة أعاد العرب بناءها وصياغتها من جديد وبدلوا نظامها وكيانها الحضاري واللغوي. لم يكن سرفانتس عاديا وإلا لتحول إلى مجرد رجل يتلذذ لانتقامه من المسلمين وهم في أسوأ لحظات احتضارهم، أو إلى مغامر غبي يبحث عن شيء هو نفسه لا يدركه ولا يلمسه. لقد اختار سرفانتس سلاحا فتاكا هو سلاح السخرية ليحقق من خلاله مطلبين وشرطين أساسيين، القول الحر في كل المواضيع فهو يوفر له قدرة التخفي أمام سلطة فتاكة هي سلطة محاكم التفتيش المقدس التي كانت في حالة إنصات مستمر لكل الأنفاس التي تخرج عن النظام الذي حددته سلفا. إن اختيار السخرية والتهكم Ironie et dérision أبعده عن زيف الخطابية السائدة ضد الأندلسيين من عرب ويهود. لقد بقي وفيا لخط ظل حيا فيه على الرغم مما يبدو في بعض ردود فعله من نزق. لا يحتاج الأمر إلى تأمل كبير، فكتاباته ومواقفه شاهد على ثباته والتزامه العميق. اتضح ذلك بشكل واضح عندما شرع ملوك إسبانيا المنتصرين في حربهم ضد الأندلسيين في طرد الموريسكيين من أراضيهم التي قضوا بها أكثر من ثمانية قرون، بناء على قرار قاس غير محسوب العواقب كان قد اتخذه فيليب الثاني بعد انتفاضة جبال البشرات التي انتهت بانكسار كبير وهزيمة مرة للموريسكيين. فقد حاول الموريسكيون الذين لم يتح لهم أبو عبد الله فرصة الدفاع عن مدينتهم الأخيرة وسلمها لإزابيلا و فرديناند مقابل سلامة نفسه، ثم وقف على هضبة زفرة الموريسكي الأخيرة  El ultimo suspiro d’el Morro وبدأ يبكي حتى نهرته أمه مذكرة إياه بفشله في الدفاع عن مدينته، حاولوا إطلاق رصاصة الرحمة واليأس على أنفسهم لأن استرداد الأراضي قد تم والوحدة بين الأطراف المسيحية المتصارعة قد أصبح حقيقة ميدانية ولم يبق للمويسكيين المحاربين في البشرات أي حظ في الانتصار سوى بارود الشرف Le baroud d’honneur. عندما أكتب اليوم عنه أو من وحيه فأنا أحاول أن أعيد ترتيب التاريخ والمطالبة بحق إنساني وحضاري كان لبلدي دور حاسم فيه. أطالب بالخمس سنوات التي قضاها سرفانتس في الجزائر والتي غيرته فهي ليست ملكا لإسبانيا وهذا رد على الذين ينظرون إلى المعرفة وفق شروط ضيقة. لقد كتب عن الجزائر في القرن السادس عشر نصوصا لا يوجد له شبيه لها فكيف أرميه بحجة أنه من ثقافة الآخر؟ لقد ناضلت طويلا لكي يعاد الاعتبار لمغارة سرفانتس La grotte de Cervantès في الجزائر العاصمة التي كان مختبئا فيها ولم أنجح إلا في السنوات لأخيرة عندما أدخلت في حظيرة الإرث الوطني. المثقفون كانوا سباقين في رؤاهم الإنسانية ويجب أن نملك الوسيلة الحية التي تجعلنا نفرق بين عدو مغتصب وأعمى وبين رجل أحب أرضا وارتبط بها في فترة محاكم التفتيش المقدس التي كانت تحرق كل من يخرج عن نظامها. اقترابي من أعماله يأتي من هذا المشترك الإنساني الجميل واقتراب من جزء من ذاكرتي الوطنية التي تم محوها بغباء. وأنا الآن بصدد كتابة رواية جديدة لا عن جدي دون كيشوت ولكن عن حياة سرفانتيس وفترة سقوط الأندلس ومجيئه إلى الجزائر. في كتاب الأمير رحل رجل شرقي باتجاه الغرب فغيره السجن ومنحه منظورا أكثر إنسانية على الرغم من مرارة المنفى والهزيمة وفقدان الأرض، وفي الرواية التي أشتغل عليها الآن هي رحلة عكسية، رحلة رجل غربي: سرفانتيس باتجاه الشرق، الجزائر، في ظروف سجن مشابه ولمدة هي نفسها، خمس سنوات، وكيف أن الزمن غيره وغير رؤيته تجاه الحياة وتجاه من كان يعتبرهم أعداء. أخطر شيء هو الفهم الأعمى للآخر والمسطح، هذا ما تريد روايتي قوله. أتمنى أن يعينني الله على الانتهاء منها، عمل شاق جدا تدخل فيه ملابسات الحروب الدينية القاسية وسقوط الأندلس وبداية ظهور محاكم التفتيش المقدس و بزوغ المجتمع الجديد أو ما سمي كذلك؟ الذي بنى مشروعه الحداثي على القتل والجريمة والإبادة. هذا المسلك هو الذي مهد الجريمة والأنانية للإنسانية. في هذه الرواية أتهم كريستوف كولومب بالجريمة ضد الإنسانية، مثله مثل بوش لأنهما يسيران وفق المنطق نفسه. قصة معقدة.  

جهد كبير ومضن أن تخرج من رواية ملحمية كبيرة: سراب الشرق التي ستصدر ضمن مشروع جائزة قطر العالمية للرواية، وتبدأ في رواية تاريخية جديدة ليست أقل جهدا مما بذلته في الأمير أو في السراب؟ ويبدو  أن واسيني بعد كتاب الأمير الذي خرج من خلاله من تيمة الكتابة عن الإرهاب في الجزائر نحو تيمة الرواية والتاريخ، قد فتح أفقا جديدا مع الكتابة الروائية في همومها العربية العامة خصوصا مع الرواية الأخيرة: سوناتا لأشباح القدس، ليلمس جرحا عاما هو الشأن الفلسطيني وحق العودة وتداعيات النكبة؟

طبعا الكتابة عن التاريخ ن منطلق الرواية ساعدني كثيرا على تجاوز الأحادية القاتلة في الكتابة إذ تحولت تيمة الإرهاب إلى حالة تثبت تبررها كثافة الحالة التي عاشها الشعب الجزائري وعشتها معه. الأمير والسراب والسوناتا كانت رواياتي المنقذة من هذه الحالة ولكن التعب فيهم كان أ يأخذني من هذه الدنيا. الحمد لله مازلت هنا ومازلت قادرا على الحياة والجنون والكتابة. طبعا، كما تعرف جيدا، فقد صدرت رواية سوناتا لأشباح القدس، منذ شهور قليلة فقط، بالتوازي كما هي العادة لدي، في الجزائر، في داري الفضاء الحر وبغدادي للنشر من أجل السوق الوطنية المحلية فقط في شكل كتاب الجيب، لأنهخا أرخص، وبعنوان: كريماتوريوم، سوناتا لأشباح القدس. وكريماتوريوم هي المحرقة باللغة اللاتينية. وصدرت أيضا في دار الآداب العريقة والمشعة في السوق البيروتية والعربية بعنوان سوناتا لأشباح القدس فقط، لأن كلمة كريماتويريوم ربما لا تعني الشيء الكثير بالنسبة للقارئ في المشرق العربي ويفضل عليها المحرقة، وكلمة محرقة ناهيك عن كونها مكرورة، تحيل في اللاشعور الجمعي إلى المحروقة اليهودية، وصمة العار الأوروبية، ولم يكن هذا موضوع روايتي، إذ كنت أريد الحديث عن محرقة أخرى، خفية لا أحد يريد أن ينظر لها. وكلما جاء الحديث عن فلسطين افترضت وكأنها شيء غير موجود. بدأت بكتابتها مباشرة بعد سراب الشرق حيث أمام الكم الضخم من الوثائق والأرشيف حول المرحلة العثمانية والإنجليزية والفرنسية، ارتأيت أنه من العبث عدم توظيف جزء من هذه المادة الغنية في كتابة رواية عن فلسطين بشكل مستقل وإخراجها من سياق النص العام، نص سراب الشرق الذي بدا طويلا جدا، بل أكثر مما تصورت. المبرر الوحيد هو مرحلة القرن الذي اختارته الرواية مجالا لحديثها. كنت أعمل أحيانا بالتوازي بعد أن أخرجت مادة الرواية الفلسطينية نهائيا من رواية سراب الشرق، التي لم تعد قادرة على تحمل التفصيلات الكثيرة بعد أن تجاوزت الألف صفحة. هل هناك اليوم من هو قادر على قراءة رواية، في الوطن العربي طبعا، بكل هذه الضخامة بغض النظر عن القيمة؟ لقد وصلت سراب الشرق إلى 1600 صفحة مما اضطرني إلى تقسيمها إلى جزأين: خريف الزمن الأخير وستائر بروكلين، انطلاقا من هذه اللحظة بدأت أشتغل بجدية على السوناتا بمعزل عن نص السراب. كان العمل شاقا جدا ومضنيا، وربما كان هو سبب الوعكة القلبية الخطيرة التي ألمت بي في شهر مارس الماضي وكادت تودي بحياتي. الرواية التاريخية هي من أصعب الأجناس الأدبية وتحتاج إلى بذل جهدين موازيين بنفس القدر من الحكمة: قراءة التاريخ بمنطق الحاجة الإبداعية، والبحث عن نبض الإبداع وسط ذلك كله. الأكثر من هذا أنك لا تضمن أي شيء في المحصلة أبدا. إذ يمكن أن يرفض القارئ عملك وتُنتقد بشكل قاس. فالتاريخ يحمل في عمقه بعض القداسة وكلما مسسناه قام سدنة البيت وحراس القداسة يشتموننا ويتهموننا بكل التهم. هذا لا يهم طبعا. المهم هو إضافة بعض المعنى إلى عالم أصبح بلا معنى أو هو يتجه نحو ذلك بقوة، أي نحو المهالك. في مثل هذه الحالات، لا نصير لنا ولا صوت إلا ما يوجد في أعماق الأعماق أي الضمير. هذه هي قداستنا الوحيدة والخالدة أبدا.
حدّثنا عن "سوناتا" عن تفاصيل هذه الرواية التي أخرجت واسيني الأعرج من المناخات الجزائرية؟

تدور أحداث سوناتا لأشباح القدس بين القدس ونيويورك. تتناول حياة فنانة تشكيلية فلسطينية المولد إسمها مي، من اللاجئين، بعد النكبة، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، يطرح من خلالها نقاش الخروج و العودة؟ عندما غادرت مي وطنها كان عمرها 8 سنوات، وفي اعتقادها أنه أمر مؤقت وستعود بعد فترة إلى تربتها و أرضها وأهلها. لم تكن تعرف أنه لا وجود ابدا للمنفى المؤقت، مثله مثل الموت، عندما يأتي، ينسف كل ما في طريقه ويعيد تشكيل الأشياء. والدتها قد قتلت هناك ولا تعرف برحيلها إلا من خالتها مامي دنيا، التي استقبلتها لتعيش عندها في نيويورك، وهو ما يصدمها ويؤثر في حياتها ويصبغ تجربتها التشكيلية بصبغة حساسة لاحقا. فميّ ستصبح فنانة تشكيلية معروفة في الأوساط الفنية الأمريكية. ولا يبرح الوطن فلسطين كما حملته في ذاكرتها، مخيلتها وهواجسها. ورغم أنها ترسم في لوحاتها مدينة نيويورك التي تحبها، غير أنه ثمة غيمة خلفية دائما في أعمالها تبدو وكأنها ظلال لمدينة القدس التي خلفتها وراءها، وكانت تظن أنها نستها. عن غير وعي، تتداخل عناصر ذاكرتها ولا تكتشف ذلك إلا بعد إصابتها بسرطان الرئة القاتل لتكشف لإبنها الموسيقي الفنان، العازف المعروف على البيانو، عن فكرة العودة إلى فلسطين وحنينها، فتطلب من السلطات الإسرائيلية السماح لها بالعودة والموت هناك على أرضها، لكن يرفض طلبها رغم أن أوراقها الأمريكية كان يفترض أن تفتح أمامها هذا الحق الإنساني الأدنى؟ وهنا أشير إلى أن ثمة تقاطع مع تجربة المفكر الفلسطيني الكبير إدوارد سعيد الذي رُفض طلبه بدفنه في مدينة القدس، فيطلب من زوجته حرقه ودفن رماده في بيروت. احتجاجا على ذلك تلجأ مي بدورها إلى إحدى الشركات المتخصصة في حرق الموتى بنيويورك، وهي شركة حقيقية وموجودة في نيويورك، حيث تطلب من ابنها أن يأخذ رماد جسدها بعد حرقة في نيويورك إلى فلسطين وأن ينثر رمادها في أماكن معينة - لأنها حاملة لأشباح طفولتها - كنهر الأردن وأزقة مدينة القدس وحاراتها، ومكان مولدها. وتوصيه أيضا بأن يضع الإناء المخصص لوضع رماد جثتها على قبر والدتها في مقبرة القدس، ليس بعيدا عن شجرة الزيتون الملتصقة بطفولتها وحبها الأول. وبعد وفاتها ينفذ ابنها يوبا وصيتها، ويزور لأول مرة، بدلا عنها، أرض أمه: فلسطين، وينثر رمادها في كل الأماكن المجسدة لذاكرتها، كما اشترطت مي. الفكرة الجوهرية هي رمزية و إن كانت لا تغير من الوضع الكثير. الدفن هناك هو إصرار على الحق في المكان وهو ما أدركته المؤسسة العسكرية والدينية الإسرائيلية. إسرائيل وظفت الجانب الرمزي لتأسيسها ولبنائها لأنه أكثر نفوذا وقوة من الأسلحة وأكثر خلودا واستمرارية في اللاشعور الجمعي. وقد تفطنت إسرائيل إلى ذلك واشتغلت عليه حيث رفضت دفن الرئيس ياسر عرفات وغيره من قادة الثورة، وإدوارد سعيد وغيره من المثقفين، لأنها تدرك أن وجود قبور هؤلاء في أرض فلسطين، دلالة رمزية تتحول إلى حقيقة ثابتة لاحقا ومرجعا لذاكرة الأجيال القادمة التي ليست معنية بالتفاصيل ولكن بالجوهر الخالد. التاريخ ليس ما يدور أمام أعيننا فقط، ولكن هو ما حدث منذ قرون خلت وما سيأتي لاحقا. وعلى العكس منا، الإسرائيليون والحركة الصهيونية تحديدا، يفكرون في كل شيء ولا يتركون الممارسات الرمزية للصدفة. ينجزون لكل فعل قراءة آنية ومستقبلية، وربما من هنا قدرتهم على السيطرة على جزء مهم من العالم. إذ يمكن للتربة والماء والهواء أن يتغذوا من رماد عرفات وإدرار سعيد ومي وإن كانت هذه الأخيرة مجرد شخصية إبداعية ولكنها تنتمي أيضا إلى الرمز مما يرهلها لأن تكون حقيقية بمعنى الدلالة عن شيء عميق فينا اسمه الارتباط بالجذور وبالتربة والأرض.
 
- تغلب على الرواية حالة كبيرة من الحزن إن لم أقل اليأس، فتبتعد عن التعاطي التقليدي السياسي كما يحدث عادة مع القضية الفلسطينية، مركزة على شروخ الذات المنكسرة بين حلم مستحيل ووطن مؤجل؟



- نعم يخيم الحزن على الرواية، هذه حقيقة، فهي مبنية على هم إنساني غائر لا يمكن التعامل معه بالطرق التقليدية ولا بالطرق الجاهزة. حاولت طبعا الخروج من دائرة الخطابات الجاهزة النمطية، التي لا تفيد لا القارئ العربي ولا القارئ الأجنبي الذي يريد أن يتعرف على قضايانا الكبرى وربما التعاطف معها. لا نقنعه بالشتائم ضد إسرائيل والخطاب التقليدي الفج الذي أصبح رديفا شموليا للكذب. اشعر أن دكتاتورية الخطاب السياسي في الأدب الفلسطيني أو المرتبط بفلسطين بدأت تتزحزح وهذا أمر مهم لأنه يحرر الأدب من الخطابات الجاهزة التي أصبحت ميتة بالمعنى المباشر. لا شيء أثمن من الإنسان ومأساته. لهذا ركزت في هذه الرواية على الإنسان أولا وأخيرا. التناول السياسي الاعتيادي لا يصمد أبدا أمام الجروح العميقة التي يعانيها الناس وتظهرها النصوص الأدبية. السياسي المباشر يتلاشى ويتغير بوتيرة سريعة، لكن الذي يبقى أبدا هو الجانب الإنساني وهو بالتالي القضية التي لا تقتل بسهولة والتي يمكن للنص الأدبي إبرازها.
رواية سوناتا لأشباح القدس تطرح أسئلة معقدة وراهنة، والحرب الأخيرة على غزة أثبتت ذلك، الحق الإنساني في الحياة والموت على أرض الطفولة والأجداد؟ العودة حق ثابت وشرعي، لكن إشكال العودة في الرواية تجاوز المستوى السياسي إلى مستواه الإنساني، حيث اكتشف يوبا، ابن مي، وهو يزو القدس لذر رماد أمه، أن المسألة كانت أعقد مما تصوره مع أمه. فلسطين ليست أرضا فقط، ولكن ذاكرة لم تعد هناك إلا أصدائها وأشباحها التي تتكاثر باستمرار. فقد اندثر المكان ومسحت جوانب مهمة منه لكن صدى فيه لا يموت ما يزال مستمرا. ماذا لو عادت مي إلى مدينتها التي تركتها منذ نصف قرن؟ هل كانت ستعرفها؟ هل ستبقى؟ أتذكر في هذا السياق حالة شارلي تشابلن عندما عاد من أمريكا إلى مدينته في بريطانيا بعد محنة الماكارثية. كان مزهوا برؤية مدينته ولكنه عندما وقف في وسطها ووسط الأمكنة التي كان يعرفها جيدا، بدا يبكي بأعلى صوته. سئل لماذا تبكي يا تشابلن؟ قال: هل هي مدينتي، لم أعد أعرفها؟ ربما لم تكن هي التي تركتها ورائي؟ وانسحب منها نهائيا ولم يعد لها أبدا. المدينة التي كانت في رأسه ماتت منذ زمن بعيد. ربما لو كتب لمي العودة لبكت طويلا قبل أن تعود إلى نيويورك وتعلن حدادها للمرة الأخيرة. حلم العودة كثيرا ما يتحول إلى عالم ذهني وهو ما يشكل صدمة للعائد الذي إذا لم يكن قويا سيصاب بالجنون. الرواية تؤكد أن المسألة مثل هذه والتي تبدو بسيطة سياسيا، مركبة وأعقد مما نتصور. المسألة لا تمس العودة بالمعنى السياسي ولكن مآل بشر سرق منهم حق العيش والحلم في الأرض التي بنيت عليها طفولتهم المسروقة. الطفولة هي أخطر شيء في حياة الإنسان لأننا لا ننفصل عنها إلا بحداد حقيقي وواضح. من منا عاش حداد طفولته بالشكل الذي يليق بها؟ لا أري ذلك أبدا. ولهذا تركت الرواية تقول كل هذه الأسئلة الأنطولوجية المعلقة.

- أليس لمرض القلب ودخولك المستشفى في باريس علاقة ما ببطلتك مي. وهي تواجه حالة الموت، منحها المستشفى فرصة لإعادة تركيب حياتها من خلال اللوحة واللون وأنت من خلال الكلمات أي الرواية. هل يمكنك أن تحدثني عن الفصل المحزن؟

قد يكون ذلك. لا يمكننا أن ننفصل طبعا عن شرطيتنا الحياتية القاسية. فعلا، أقول شكرا للأقدار الطيبة التي شاءت غير ذلك، لأني كنت مؤهلا يومها لأن أموت والسلام، وهو حدث في حد ذاته ليس مهما كثيرا بالخصوص ونحن نعيش يوميا آلاف الأحداث الدرامية المتكررة التي تفوق الدراما الشخصية. لكن شيئا غريبا حدث لي ذكرني بالفعل بطفولتي إذ شاء قدر طيب أن يخرجني من قرية لا أفق فيها إلا أفق التهريب نحو المدينة والدراسة. كل شيء كان مهيأ لأن أموت يومها: الخميس 27-3-2008، ولكن أيضا لكي أصر على الحياة أكثر. يوم الأربعاء 26 مارس، مساء، انتهيت من ممارسة الرياضة والجري مع ابنتي في ساحة لافيلات، المدينة العلمية، وعلى أطراف نهر الأورك. شعرت بتعب كبير وكنت أظن أن السبب هو الرياضة. رجعت إلى البيت ودخلت إلى الحمام وارتحت قليلا في البنوار، كما أفعل عادة بعد الرياضة. شعرت بالتعب أكثر وظننت أن الأمر يتعلق بنزلة برد أو زكام. استمر التعب معي ولكني لم أعره أي انتباه. لاحظت ريما ابنتي، ذلك. وكانت هي الوحيدة من كان معي، زينب كانت بالجزائر وباسم ابني كان في كندا، في جامعة مونريال في إطار بحثه في الدكتوراه في القانون الدولي. حاولت أن أكتب قليلا في السوناتا ولكني شعرت بتعب كبير. رحت أنام. في الصباح لم يتحسن الوضع. وكان علي أن أذهب إلى السوربون، دروسي يوما الخميس والجمعة. نصحتني ابنتي بالاعتذار والبقاء في البيت والذهاب إلى طبيبنا الخاص. ولكني أصررت على التدريس. وحسنا فعلت. هاجس ما كان يدفعني نحو اختبار قوة مرضى ودرجة مقاومتي الجسدية. عندما خرجت متوجها نحو الميتر البعيد عن بيتي بحوالي 200 متر لا أكثر، شعرت بعدم القدرة على المشي وبأنفاسي تضيق. لا عهد لي بمثل هذه الحالة. لم أصل إلى الميترو إلا بصعوبة. هدأت طوال العشرين دقيقة التي استغرقتها المدة الفاصلة بين بيتي والسوربون. عندما أردت الخروج من الميترو شعرت بالتعب نفسه، يتضاعف أكثر، ولم أخرج إلا بصعوبة. كانت تمطر يومها. وقفت. شعرت بشيء غريب. بحالة فشل في كل جسدي. وبدأت أنظر إلى الوجوه المحيطة بي تنتظر الضوء الأخضر لقطع الطريق، ورأيتني اسقط والناس يبحثون في أوراقي وهم يتساءلون من يكون هذا الرجل الذي يحمل حقيبة جلدية كتلك التي يحملها عادة الاساتذة، ويلبس لباسا أسود ويضع على رأسه قبعة تشبه قبعة الجونتلمانات أو الحاخامات؟ ثم صممت أن لا أسقط. وأعتقد أن البشر يختلفون بالضبط في التعامل مع هذه الأخيرة التي يكشر فيها الموت بشكل فجائي. شعرت بأن هناك خزانا من الطاقة، مخفي يمكن أن يوصلني إلى الجامعة. طبعا لم تكن السوربون إلا على بعد حوالي 100 متر أو أقل ولكنها بدت أبعد نقطة. وصممت ثم سرت نحو هدفي. كنت أمشي, أتوقف لأسترجع بعض أنفاسي قليلا، ثم أمشي رافضا أن أسقط إلا داخل الجامعة. لو سقطت كنت مت طبعا لأن الحركة هي كانت تعطي للدم قوة كانت تغذي بصعوبة القلب بالأكسوجين. هذا هو شأن الخديعة القلبية. دخلت الجامعة. تخيل أني لحظتها فكرت في أن أصعد أدراج الطابقين لأعتذر للطلبة وأعود إلى الطبيب الموجود في الطابق الأرضي. في الخطوة الأولى توقف نفسي وكان ذلك إنذارا خطيرا للذهاب مباشرة نحو طبيب العمل في الجامعة، على بعد خطوات من البهو الذي كنت فيه. عندما فحصني, عرف كل شيء. لم يسألني كثيرا ولكنه نصحني بان لا أنام قد المستطاع، ونادى لسيارة الإسعاف الجامعية المجهزة وأخذتني بسرعة وسط المطر والحيرة، نحو مستشفى الأمراض القلبية كوشان-سان جوزيف.

كيف مرّت الفترة التي قضيتها نزيل المستشفى وأنت الرجل الفراشة؟

صدّقني.على الرغم من شبه الغيبوبة فقد بدأت في كتابة رواية ذهنية وانتهيت منها في اليوم العاشر عندما خرجت من جناح العناية المشددة لأنقل إلى جناح الاستشفاءات المكثفة. عشرة أيام كانت كافية لأن تجعلني كاتب أعنف رواية في حياتي؟ إلى اليوم لا أعرف السبب الدافع إلى ذلك. دونت بعض تفاصيل الرواية وقد أكتبها يوما. كل يوم عندما افتح عيني، أقول في خاطري، الحمد لله، ما زلت حيا وإذن علي أن أنتهي من الرواية، فأدخل في غيبوبة الكتابة. ولكني كنت حزينا على السوناتا لأني تركتها معلقة في أجزائها الأخيرة. عندما عدت إلى البيت بعد الحالة المرضية والنقاهة وفتحت الكمبيوتر في آخر صفحات الرواية، وجدتني أتوقف بدهشة عند  آخر كلمة كتبتها: الموت. وأتممت الجملة: الموت انسحب، ولم يعد يومها معنيا بي. ثم دخلت في سباق حيوي لإنهاء نصي قبل المفاجأة الكبرى. ويوم انتهيت من الرواية شعرت كأني انتصرت مرة أخرى على الموت. ليكن، هذه المرة أيضا دعوة أمي الطيبة كانت بجانبي... أو ربما أن ساعتي تأخرت قليلا ليشفي الموت فضوله، وعرف نهاية الرواية التي كنت بصدد كتابتها، أي السوناتا. ولهذا، قبل أن يتفطن لي فتحت ورشة أخرى لكتابة الجزء الثاني من رواية الأمير، الفترة التركية والشرقية، حتى موته.

يبدو أن حظك مع الجوائز أصبح كبيرا: جائزة قطر العالمية للرواية على كتابة سراب الشرق (2004)، جائزة المكتبيين على رواية كتاب الأمير (2005)، الشيخ زايد على كتاب الأمير أيضا (2006) وأخيرا جائزة الكتاب الذهبي في المعرض الدولي للكتاب على كريماتوريوم (سوناتا لأشباح القدس) (2008)؟ أي حظ هذا؟ الأجمل من هذا كله أن حقوقك في دار الآداب تذهب كلها لمستشفى الأطفال المرضى بالسرطان. ودار الآداب هي من يشرف على ذلك، جزء من جائزة الشيخ زايد سلك الطريق نفسه، وأخيرا جائزة الكتاب الذهبي ذهبت لأحد مستشفيات فلسطين للأطفال.  

الحمد لله. كبرت فقيرا وعلاقتي بالمال ليست حيوية. هو وسيلة وليس غاية. نعم قمت بكل ما قلته ولست نادما على ذلك. وأضيف إلى ذلك، أني بجائزة المكتبيين أعدت ترميم المدرسة القرآنية التي درست فيها في طفولتي وأسعدت أبناء قريتي بهذا الفعل العفوي جدا ولا أعتبره قضية مهمة. وأنا سعيد لذلك. الكتابة هي سخاء ويجب أن يتجلى ذلك في كل صفاتها الداخلية والخارجية. أن تنغمس في الكتابة وترهن لها حياتك كلها هو رهان مهم، خارج الجوائز والاعتبارات الأخرى. لكن وجود جائزة مقوم أساسي للاستمرار لأن الجائزة تعني، خارج الفائدة المادية، أن هناك بشرا مختصين فهموا جيدا ما تريد الوصول إليه وساعدوك على توصيله إلى القراء. أنت تعرف أن الجائزة كيفما كانت هي اعتراف بمجهود يبذل في الصمت والخفاء والعزلة. عالم الكتابة ظالم وصامت لا صوت له إلا النص الذي يخرج إلى الوجود بعد طول معاناة. فما بالك عندما تكون الجائزة هي أكبر جائزة عربية وأهمها مثلا؟ طبعا التشريف سيكون مزدوجا لأنه سيضعك أمام مسؤوليات كبيرة، تجاه الجائزة أو الجوائز نفسها وقيمتها الإنسانية وتجاه نضالك المستميت من أجل أن يكون العالم أفضل، والأدب الجيد والإنساني هو المقياس الأول والأخير خارج كل الأطر السياسية والاعتبارات الأيديولوجية. أشعر بسعادة كبيرة لأن الجوائز منحت لي بسبب كتب أو روايات وليس بسبب آخر، أي بسبب مجهود صامت أخذ مني العديد من السنوات من أجل رجل (عبد القادر الجزائري) لم ينصفه التاريخ الوطني كما يجب، أو من أجل قضية عربية كبرى (سوناتا لأشباح القدس)، أو من أجل مسار قاتل، اتفاقيات سايكس بيكو، ما يزال العرب يدفعون ثمنه إلى اليوم بالعملة الصعبة (سراب الشرق)، من هنا تزداد المسؤولية أكثر. علينا أن نحارب ككتاب عرب وإنسانيين، كل هذه التسطيحات المفروضة علينا ولا وسيلة لنا في مستوانا على الأقل ككتاب وأدباء وفنانين إلا خوض الفعل الثقافي والدفاع عن القيم الإنسانية التي نشترك فيها مع الآخرين في هذه المساحة الإنسانية الكبيرة التي اسمها الأرض، فنحن لا نعيش وحدنا على الكرة الأرضية، هذا ما يجب أن يدركه كل عربي. لنا حق في العيش الكريم والدفاع عنه باستماتة، ولنا كذلك واجب الإنصات لما يأتينا من بعيد أحيانا في شكل وشوشات، وفي أحيان أخرى غير واضح ولكن يجب أن ننصت. لسنا وحدنا على هذه الكرة الأرضية. لسنا وحدنا...
 
 انتهي الحوار
حاوره:كمال الرياحي تونس
23 أفريل 2009
تاريخ النشر .4/05/2009
 

بسي واسيني الأعرج   روائي جزائري من مواليد  سيدي بوجنان، ضواحي مدينة تلمسان 


 
صدر له:


°  جسد الحرائق (جغرافية الأجساد المحروقة). مجلة آمال، عدد 48/ 1978 الجزائر
°  البوابة الزرقاء (وقائع من أوجاع رجل). دمشق/ الجزائر 1980
° طوق الياسمين (وقع الأحذية الخشنة). الحداثة،1982، المركز الثقافي، بيروت 2002
(سلسلة الجيب: الفضاء الحر-2002  Libre Poche )
° ما تبقّى من سيرة لخضر حمروش. الجومق، دمشق 1982
° نوار اللوز. الحداثة، بيروت 1983 - باريس للترجمة الفرنسية 2001
° مصرع أحلام مريم الوديعة. الحداثة، بيروت 1984
(سلسلة الجيب: الفضاء الحر-2001  Libre Poche )
° ضمير الغائب. اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1990
(سلسلة الجيب: الفضاء الحر-2001  Libre Poche )
° الليلة السابعة بعد الألف: رمل الماية. عيبال، دمشق/الجزائر 1993
° سيدة المقام. دار الجمل- ألمانيا/الجزائر 1995، الترجمة الفرنسية 2009
(سلسلة الجيب: الفضاء الحر-2001  Libre Poche )
° حارسة الظلال. الطبعة الفرنسية. 1996- الطبعة العربية 1999

 

(سلسلة الجيب: الفضاء الحر-2001  Libre Poche )
° ذاكرة الماء. دار الجمل- ألمانيا 1997
(سلسلة الجيب: الفضاء الحر-2001  Libre Poche )
° مرايا الضّرير. باريس للطبعة الفرنسية. 1998
° شرفات بحر الشمال. دار الآداب. بيروت 2001
(سلسلة الجيب: الفضاء الحر-2002  Libre Poche )
° مضيق المعطوبين. الطبعة الفرنسية.2005
(سلسلة الجيب: الفضاء الحر-2005  Libre Poche )
° كتاب الأمير. دار الآداب. بيروت. 2005  - باريس للترجمة الفرنسية 2006
(سلسلة الجيب: الفضاء الحر-2004  Libre Poche )
° سوناتا لأشباح القدس.دار الآداب. بيروت. 2009
(سلسلة الجيب: الفضاء الحر-2008   Libre Poche )

كما صدرت له أعمال قصصية وبحوث نقدية كثيرة لكنه تفرّغ منذ سنوات للإبداع الروائي

° حصل في سنة 1989 على الجائزة التقديرية من رئيس الجمهورية.  
° حصل في سنة  2001 على جائزة الرواية الجزائرية، على مجمل أعماله الروائية.  
° جائزة قطر العالمية للرواية. ( فقد اختير في سنة 2005 كواحد من ضمن  ستة روائيين عالميين لكتابة التاريخ العربي الحديث، في إطار جائزة قطر العالمية للرواية على روايته الملحمية: سراب الشرق.)
° حصل في سنة 2006 على جائزة المكتبيين على روايته: كتاب الأمير.
° حصل في سنة 2007 على جائزة الآداب (الشيخ زايد) على روايته: كتاب الأمير.
° حصل في سنة 2008 على جائزة الكتاب الذهبي في معرض الكتاب الدولي على روايته كريماتوريوم (سوناتا لاشباح القدس).
° تُرجمت أعماله إلى العديد من اللغات الأجنبية من بينها: الفرنسية، الألمانية، الإيطالية، السويدية، الإنجليزية، الإسبانية والعبرية...