الإعلان

 

أدب قسم عام هل أنتجت الثورة موسيقاها؟
هل أنتجت الثورة موسيقاها؟
محمد فرج   

هل أنتجت الثورة موسيقاها؟ | الشيخ امام عيسى – رامي عصام – يسرا الهواري – أوكا وأورتيجا – المجلس العسكري

هل أفرزت الانتفاضة الثورية التي بدأت في مصر في الخامس والعشرين من يناير 2011 موسيقى ثورية؟ أو بشكل أدق موسيقاها الثورية الخاصة؟ سؤال يشغل بال الكثيرين خاصة في الخارج ، لكن من أجل الاجابة على هذا التساؤل بنعم أو بلا، لابد من الرجوع إلى الوراء قليلا من أجل معرفة حال الموسيقى الثورية بشكل خاص والموسيقى في مصر بشكل عام.

وبالتاكيد سيصل بنا هذا الرجوع إلى 1952، العام المفصلي في تاريخ مصر المعاصر، عندما قام مجموعة من ضباط الجيش بقيادة جمال عبد الناصر بانقلاب على النظام الملكي الذي كان موجودا في مصر، ليبدأوا بداية باعلان الجمهورية، وتغيير شكل الحياة في مصر فيما أصطلح على تسميته تاريخيا ب"ثورة 1952".

هل أنتجت الثورة موسيقاها؟ | الشيخ امام عيسى – رامي عصام – يسرا الهواري – أوكا وأورتيجا – المجلس العسكري

وبدون الدخول في تفاصيل تاريخية متعلقة بما حدث في هذه الفترة، نود التركيز علي أن رغبة الضباط الممسكون بالسلطة في مصر في إعادة تشكيل البلاد دفعتهم إلى السيطرة على وسائل السيطرة الايديولوجية متمثلة بشكل أساسي في وسيلة الاعلام الاساسية في ذلك التوقيت وهي الاذاعة المصرية، وبعد ذلك الصحافة التي جرى تأميمها بشكل رسمي في 1961 ثم التلفزيون الذي أنشأته دولة الضباط في 1964.

ولأن هدف دولة يوليو هو بناء مصر داخليا ومواجهة الاخطار الخارجية، لذا لم يكن هناك مساحة لأي نوع من التعددية، هناك تنظيم سياسي واحد على رأسه عبد الناصر، وعلى الجميع أن ينضموا لهذا الحزب من أجل "البناء" بينما جرى إلغاء الاحزاب السياسية، وتفريغ النقابات من العناصر الثورية بحيث تصبح موالية للدولة تماما.

في هذا السياق كانت الاذاعة المصرية هي المنفذ الوحيد الذي يخرج "المطربين" ومن لا تقبله الاذاعة محكوم عليه بالفشل والنسيان، ولعب أيضا اختفاء شركات الاسطوانات "الجرامافون" دورا، ليصبح الراديو هو الناطق الوحيد في جميع البيوت المصرية، وبالتالي مطربي الاذاعة هم المطربون الوحيدون.

بفضل هذه السيطرة أصبح مطربين مصر الكبار في تلك الفترة هم مغنون عند الدولة، أم كلثوم هي "كوكب الشرق"، ومحمد عبد الوهاب "موسيقار الاجيال"، وعبد الحليم العندليب الاسمر "صوت الثورة". الجميع يتغني ببناء مصر تحت رئاسة عبد الناصر، وبالوطن الجديد الذي ستحتوي قراه على تماثيل رخامية ودور للأوبرا.

هل أنتجت الثورة موسيقاها؟ | الشيخ امام عيسى – رامي عصام – يسرا الهواري – أوكا وأورتيجا – المجلس العسكري

لتأتي هزيمة 1967 أمام اسرائيل لتكسر كل هذه الاحلام، ولتشرخ سيطرة الدولة قليلا، ولكن تبقى الدولة هي المسيطرة على جميع المنافذ، من هذا الشرخ تخرج تجربة الشاعر أحمد فؤاد نجم، والملحن والمغني الشيخ إمام عيسى، شاعر صعلوك، وملحن ضرير، يسكنان غرفة فقيرة فوق أحد أسطح القاهرة القديمة.

يكتب الشاعر كلمات ثورية بسيطة تندد بالهزيمة وتنتقد الزعيم القائد بكلمات شعبية حارقة، وعلى الرغم من شعبية الكلمات وقربها من رجل الشارع العادي، ونقدها لسلبية المثقفين التي كانت احد أسباب الهزيمة، إلا أن المثقفين هم الذين تلقفوا التجربة ليتحول "نجم والشيخ إمام" إلى ظاهرة غنائية ثورية، ويذهب المثقفون إلى الغرفة الفقيرة كي يستمعوا إلى "الاغاني الثورية الجديدة". تلاحق الدولة الثنائي الثوري بالاعتقال مرات وبالتضييق طوال الوقت. حتى أن جمال عبد الناصر قد أقسم لقيادي فلسطيني توسط لإخراجهما من المعتقل أنهم لن يخرجوا وهو على قيد الحياة، وبالفعل لم يخرج الثنائي من السجن إلا بعد موت عبد الناصر.

مع تولي السادات السلطة في مصر 1970، تستمر أسطورة نجم والشيخ امام في التصاعد وسط انتفاضات طلاب الجامعة المطالبين بحرب تحرير للاراضي المحتلة، وتتوسع خارج حدود مصر، وبعد حرب 1973 التي انتهت بانتصار محدود خرجت به مصر من معسكر محاربة اسرائيل، تبث الاذاعات العربية المناوئة لنهج السادات اغاني الشيخ امام، بينما ظل المثقفون المصريون يتبادلون نسخ اشرطة الشيخ امام فيما بينهم على نطاق ضيق حتى دخول الانترنت مصر.

يمكن القول أن تجربة نجم وإمام قاربت على الافول مع نهاية السبعينات، حيث عجز الثنائي عن تقديم جديد يفوق ما قدموه في بداية التجربة، وايضا لانسحاب الانظار إلى التجارب الموسيقية التي ولدت مع الحرب الاهلية في لبنان مثل زياد الرحباني ومارسيل خليفة.

من ناحية اخرى كانت تجربة امام ونجم جديدة على المستوى السياسي، حيث كانت كلماتهم شديدة النقد والسخرية وتحتفي بكل رموز مرحلة السبعينات الثورية من جيفارا إلى حرب فيتنام والثورة الفلسطينية إلى الثورة الايرانية، ولكن على المستوى الموسيقى كان الشيخ إمام كلاسيكيا يصنع موسيقاه اعتمادا على الموسيقى العربية الكلاسيكية، بدون اي محاولة في تثوير الموسيقى ذاتها، على عكس التجارب اللبنانية التي كانت ثورية على مستوى الموسيقى والكلمات. أيضا لم تفرخ تجربة إمام ونجم تجارب اخرى يمكن أن تكمل ما بدأه الثنائي، فالتجارب المصرية التي ظهرت بعدها ظلت تعيد غناء أغانيهما القديمة، ولم تستطع إضافة جديد على مستوى الموسيقى أو الكلمات.

لكن يبقى المتغير الأكبر الذي شهدته الساحة الموسيقية المصرية في النصف الثاني من السبعينات هو ظهور الكاسيت، كوسيط جديد سمح بالخروج من سيطرة الدولة المتحكمة في الاذاعة، ليظهر نجم غنائي جديد هو "أحمد عدوية" الذي رفضت الاذاعة من قبل اعتماده كمطرب ليصبح ملك الكاسيت، بأغاني مختلفة لحنا وكلمات على ما كانت تقدمه الاذاعة ومطربيها من قبل، ولتبدأ مهاجمته من قبل ايديولوجي الدولة، ومثقفي اليسار باعتبار ما يقدمه اسفافا وابتذلا وتماشيا مع ما فرضته سياسة الانفتاح الاقتصادي التي بدأها السادات من قيم مغايرة لقيم حاول فرضها عبد الناصر.

خرجت الموسيقى اذن من سلطة الدولة المتمثلة في الاذاعة لتسقط في يد سلطة رأس المال متمثلة في شركات انتاج الكاسيت، التي سيدت الغناء العاطفي السطحي كشكل هل أنتجت الثورة موسيقاها؟ | الشيخ امام عيسى – رامي عصام – يسرا الهواري – أوكا وأورتيجا – المجلس العسكريوحيد للاغنية المصرية، وصار هناك مطرب يسطع نجمه كل عدة سنوات، ليتبعه آخر.

لتمر سنين الثمانينات والتسعينات ضحلة موسيقيا، يتبدل فيها نجوم الكاسيت، ولا يختلف ما يقدمونه، ربما تبقى تجربة المطرب محمد منير هي الاكثر اختلافا، والاضيق تداولا طوال هذه الفترة إلى ان اجتذبه السوق مع بداية الالفية ليتشابه ما يقدمه مع الآخرين.

يأتي التغير الكبير في السنين الاخيرة على مستوى الموسيقى في مصر مع دخول الانترنت، حيث فتح نافذة ضخمة للكثيرين لرؤية العالم، والتعرف على التجارب الموسيقية المختلفة والمتنوعة بداية من التجاري وانتهاء بالتجريبي والنخبوي، لم يصبح أمر التعرف على ثقافات اخرى مرتبطا بارتفاع مستوى الدخل وبالتالي اتقان لغات اجنبية وامكانية السفر للخارج.

أصبح الانترنت وامكاناته يوما بعد يوم يتيح لشباب كثيرين امكانات اكثر، من هنا اجتذب "الراب" الكثير من الشباب، ومع امكانية تنزيل برامج تسجيل الصوت،ومحاكاة الالات الموسيقية، انتشرت فرق صغيرة بشكل واسع وخاصة في المدن الكبيرة مثل القاهرة والاسكندرية والاسماعيلية وغيرها،

تلك الفرق المكونة من ثلاثة أو اربعة شباب يصنعون اغانيهم الخاصة ويطلقونها على الفضاء الواسع للانترنت، وايضا عبر الهواتف المحمولة، لكن ظلت معظم تلك الفرق حبيسة القالب الامريكي للراب، بل وبدأت الفرق الاولى بغناء اغنيات مشاهير الراب الامريكيين، ثم بدأت الكلمات تصبح مصرية في القالب الامريكي، ولكن أيضا ظلت منتجات تلك الفرق متداولة ضمن مستخدمي الانترنت الذين يروقهم الراب.

ومع انتصاف العقد الاول في الالفية بدأت مجموعات مختلفة من الشباب التي يجمعها العيش في مناطق شعبية على اطراف القاهرة، والانتماء لطبقات فقيرة، في انتاج شكل جديد من الراب يعرف باسم "المهرجان" يعتمد بشكل اساسي على امكانية تراكيب عدة تراكات صوتية فوق بعضها البعض، واستلهام شكل الغناء المسترسل المميز للراب، مع الغناء الشعبي المعروف في الموالد الدينية، والافراح الشعبية. بينما تأتي الكلمات متحررة من الحدود الاخلاقية التي عادة ما تقيد الاغاني في مصر، ليصبح الحديث عن المخدرات والخمر والعلاقات الجنسية حديثا عاديا، ويختلط مدح النبي، بالشكوى من الزمن بالدعوة إلى الفرح والحياة.

وتخرج المهرجانات من نطاق الغرف الضيقة لصانعيها، لحفلات الزفاف في المناطق الشعبية، ثم تنتشر لتصبح داخل عربات الميكروباص والتوك توك التي تملأ شوارع مصر، ولازالت بعيدة عن سيطرة الشركات التجارية.

لكن أين الثورة في هذا السياق، وهذا يرجعنا إلى السؤال الأول..هل انتجت الثورة موسيقاها الخاصة؟ الآن يمكن القول ان الثورة لم تنتج حتى الان موسيقاها الخاصة ولكنها فجرت طاقات كثيرة للغناء من أجلها، في نفس القوالب الموسيقية القديمة ربما، لم يحدث تجديد كبير على هذا المستوى، ولكن على مستوى الكم يمكن القول ان الثورة دفعت الكثير للغناء، ووضع اغانيهم على مواقع الانترنت المختلفة، وغناءها في الشوارع. بداية من رامي عصام الذي اصطحب جيتاره ليأتي من خارج القاهرة ليعتصم مع المعتصمين في ميدان التحرير ويجمع شعارات المتظاهرين في أغنية أصبحت احدى ايقونات الثورة، وليس انتهاء بيسرا الهواري التي غنت بمنتهى البساطة عن الشوارع التي اغلقها العسكر بالاسوار في وسط القاهرة لصد المتظاهرين.

هل أنتجت الثورة موسيقاها؟ | الشيخ امام عيسى – رامي عصام – يسرا الهواري – أوكا وأورتيجا – المجلس العسكري

الثورة دفعت بالسياسة مرة أخرى إلى الموسيقى، ليصنع الكثير من الشباب أغاني مختلفة القوالب الموسيقية ضد المجلس العسكري الحاكم في مصر الآن، وضد التجاوزات التي حدثت على مدار العام والنصف الماضي، دخول السياسة إلى الغناء هو المتغير الابرز على مستوى الموسيقى في مصر بعد الثورة، بداية من محاولات تجميع الشعارات الثورية في قالب موسيقي، والاغاني التي تكتب وتلحن عقب الصدامات الدموية مع العسكر، وايضا تجارب أغاني الالتراس الذين دخلوا باغانيهم القديمة المعادية للشرطة، واغاني جديدة ضد حكم المجلس العسكري، ومحاولات القوى السياسية تحجيم الثورة.

الثورة في مصر لم تولد مكتملة، وهي تبحث عن ادواتها ووسائلها، الثورة فتحت ابوابا كثيرة، حررت الكثير من الطاقات التي تنطلق في كل اتجاه، وعلى هذا الطريق تتشكل ببطء موسيقى الثورة.