الإعلان

 

أدب قسم عام سيرة مختصرة لعلاقة الانتاج الثقافي اللبناني بالتمويل الأجنبي
سيرة مختصرة لعلاقة الانتاج الثقافي اللبناني بالتمويل الأجنبي
يوسف بزي   
في مطلع الستينات أصدر الشاعر توفيق صايغ مجلة «حوار». الشاعر الفلسطيني المولد، الذي عاش في لبنان، في بيئة بروتستانتية نخبوية تتصل بالإرث التربوي والتعليمي الذي أرسته الارساليات الأميركية والبريطانية ما بين القدس وبيروت منذ نهايات القرن التاسع عشر، استكمل تثقيف نفسه في جامعة الولايات المتحدة الأميركية قبل أن يعود الى بيروت أواخر الخمسينات من القرن الماضي، ويعمل على المشاركة في تفجّر «حركة الحداثة في الشعر العربي» التي ابتدأت أولاً مع مجلة «شعر» عام 1959 والتي أصدرها الشاعر اللبناني، السوري الأصل، يوسف الخال الانكلوساكسوني الثقافة أيضاً. ما اقترفه توفيق صايغ بإصداره لمجلة «حوار»، هو ان المجلة كانت تتلقى، على نحو علني، تمويلاً اجنبياً، أميركياً بالتحديد. وكان صدورها متزامناً مع صدور مجلة «الآداب» العروبية النزعة، الناصرية الهوى، والتي كان من اهدافها معاداة مجلة «شعر» وطروحات الحداثة الشعرية الجديدة، بوصفها تلويثاً لـ«الأصالة» وتشويهاً لـ«الهوية» الثقافية. كان المدّ القومي وشعارات «معاداة الاستعمار» يجتاحان العالم العربي ويسيطران على الخطاب الثقافي. وفجأة اكتشفت مجلة «الآداب» ان مجلة «حوار» ممولة من مؤسسة اميركية تُعنى بدعم المشاريع الثقافية في العالم، وربما كانت مدعومة بدورها من قبل برنامج المخابرات الاميركية لتمويل الدعاية والاعلام والنشر في اوروبا والشرق الأوسط بوجه الشيوعية، كجزء من سياسات الحرب الباردة انذاك.
كان هذا الاكتشاف عنواناً لحملة قاسية وشديدة الضراوة ضد الشاعر صايغ ومجلته وسائر تيار الحداثة في العالم العربي، بوصفه جزءاً من مؤامرة غربية على الثقافة العربية. واضطر صايغ سريعاً الى اقفال مجلته بعد ان أصيب بإحباط وكآبة مضنيين سبّبا بموته المفاجئ داخل مصعد بناية. هكذا، تحولت دراما صياغ الى عِبرة تاريخية ما زالت ماثلة في الذاكرة المعاصرة للثقافة العربية. وعلى أساس ما جرى لمجلة «حوار» يتم التاريخ لبداية علاقة المشاريع الثقافية العربية مع ما يعرف بـFoundation الأوروبي والأميركي. فهي علاقة توصف - على الأقل - بـ«المريبة» وهي على الأغلب توصف بـ«العمالة» و«الخيانة» و«التآمر»... و«التبعية» إما للمخطط الامبريالي ضد الأمة العربية وإما لـ«المشروع الصهيوني - الاستعماري» الى آخر الكليشيهات المتداولة في القاموس العربي منذ 06 عاماً أو أكثر. ومنذ تلك الحادثة المسيرة مختصرة لعلاقة الانتاج الثقافي اللبناني بالتمويل الأجنبي | شوومة، لم يعد احد يتجرأ على اقامة صلة تمويلية بأي جهة اجنبية. واذا كان هذا هو الحال في دولة لبنان التي لا تمنع قوانينها هكذا صلات، فإن الحال كان أسوأ بكثير في أغلب الدول العربية، البوليسية الطابع والتي يمكن وصفها بأنها أنظمة مصابة بـ«رهاب الأجنبي». وقد ظل هذا «التحريم» لأي Fund، مهما كان مصدره، هو المسيطر على المفهوم الأخلاقي لعلاقة الانتاج الثقافي بالمال. وكانت وطأته ثقيلة جداً، بحيث ان النتاج الثقافي العربي ظل طوال عقود محكوماً بالمعادلة التالية: اما ان يكون مدعوماً من الدولة الوطنية كما الحال في أغلب الأنظمة العربي المتسلطة والقامعة بأجهزتها الرقابية وايديولوجيتها المتشددة، واما ان يكون فقيراً ومتعثراً اذا اراد ان يكون خاصاً ومستقلاً كما في لبنان حيث الدولة لا تتدخل في العمل الثقافي أصلاً والتي لا تساعد تمويلاً أو تشجيعاً الا فيما ندر. حدث التحول الأول بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين اسرائيل ومصر والانتفاح على أميركا وعلى مساعداتها المالية. فالدولة المصرية، التي باتت تتلقى المعونات الأميركية المنتظمة، لم يعد بمقدورها تخوين بعض الجمعيات او حتى السينمائيين والفنانين. لكن هؤلاء واجهوا حملة قاسية من قبل الاعلام والرأي العام والجسم الثقافي العريض تحت تهمة «التطبيع مع اسرائيل»، لتصبح هذه التهمة جاهزة ازاء أي قبول بتمويل غربي. فالشائع في اوساط الثقافة والاعلام ان الممول الغربي يسعى الى «السيطرة» على فحوى كل عمل ثقافي وتوجيهه نحو أفكار معينة والترويج لسياسات «مشبوهة». وهذا الاعتقاد الراسخ أعاق جدياً قيام علاقات طبيعية بين المؤسسات الممولة الغربية والفنانين العرب، بقدر ما كان من الصعب جداً قيام علاقات تمويلية بين تلك المؤسسات الغربية والجمعيات الأهلية والمدنية المستقلة في العالم العربي. على كل حال، سبب الحدث المصري بعض الثغرات في جدار «الممانعة» العربية، واستطاع الذين حصلوا علناً على Fund أميركي أو أوروبي أن يدافعوا عن أنفسهم بشجاعة، وان بقوا أقلية محاصرة ومنبوذة،

عدا مثلاً المخرج السينمائي يوسف شاهين الذي استطاع تعويد المصريين على فكرة التمويل السينمائي (مع الفرنسيين خصوصاً). أما التحول الثاني فقد حدث في الفترة نفسها تقريباً، اذ برز المال الخليجي الخاص كثمرة على مرور اكثر من عقد على الفورة النفطية (1973) والاثراء السريع الذي عرفته دول الخليج العربي، وظهور طبقة من الفاحشي الثراء، لكن أيضاً التي تعلمت وتخرجت من الجامعات الغربية وعاشت أوقاتاً مديدة في بلدان أوروبا وأميركا الشمالية. وهؤلاء الأثرياء الذي اكتسبوا عادات ثقافية، دخلوا للمرة الأولى في ميدان الانتاج الثقافي على مستويين: مستوى الأعمال المربحة والتجارية، وهو الأغلب. ومستوى التبرع والدعم غير الربحي، فتم تمويل مراكز أبحاث ثقافية أو انشاء مراكز ثقافية للعموم، أو تمويل مجلات ومنشورات، أو اقامة متاحف فن خاصة وتمويل أعمال مسرحية وفرق فنية ومشاريع ترجمات أدبية أو فكرية.. الخ. لكن هذه الظاهرة ترافقت مع خلل أساسي يتمثل أولاً بعدم تحول اعمال التبرع والدعم الى مؤسسات Foundations، وثانياً بعدم وجود الشفافية والعلنية. فعلاقة المال والفن هنا كانت تتم بالخفاء وتتسم بطابع السمسرة وتوزيع العمولات السرية، الى حد الفساد، اذ لم يكن من عمل فني او نشاط مدني لجمعية خاصة يعلن من هو ممولة (من أين الـFund؟ أو من هو الـSponsor؟). انتهت الحرب في بيروت عام 1990. ورغم مرور اكثر من 51 عاماً من الحروب (1975 - 1990) بقيت المدينة في أثنائها مطبعة العالم العربي، وجزءاً أساسياً للحياة المسرحية الطليعية (تونس، بغداد، القاهرة، بيروت) بل وظلت بيروت واحدة من أهم المراكز العربية للفنون التشكيلية (انتاجاً وترويجاً وتجارة). فالعاصمة اللبنانية ظلت مركزاً للحداثة العربية، وان لم تعد وحدها كما كانت في الستينات، وان كانت تلك الحداثة نفسها قد وصلت الى الفشل مغ غلبة وصعود الأصوليات في الشرق الأوسط والعالم الاسلامي. ما ان حلّ السلم، حتى استفاق اللبنانيون على واقع يمكن اختصاره بالتالي: خراب عميم، مجتمع محطم، واقتصاد منهار. وهكذا جاء عنوان «اعادة الاعمار والبناء» بوصفه مهمة وطنية أولى، سياسة واقتصاداً واجتماعاً. وسيطر سجال عقيم: «ما هي الأولوية البشر أم الحجر؟». وكانت لغة هذا السجال مستمدة من ثقافة عتيقة (اذا صح التعبير) يساروية ونضالية النبرة وشعبوية الرطانة. فعلى غفلة من هذا السجال، كان الاعمار عملياً يؤدي الى النتيجتين في آن واحد: بناء الحجر وتطور فرص العيش وتحسين ظروف الحياة. في فترة التسعينات تلك بدا لبنان عائداً بقوة الى مناخات اقتصاد السوق والليبرالية التجارية (كما عرفهما منذ الاربعينات وحتى منتصف السعينات) مع ما يصاحب ذلك من ازدهار اقتصادي ومالي. وهذا ما انعش الحنين ـــ بالمعنى الثقافي للكلمة ـــ الى ازمان ما قبل الحرب، اي صورة لبنان «الجميل»، السياحي، مرتع اللهو والملذات، والمهرجانات الفنية الكبرى التي تستقبل نجوم العالم، حين كان لبنان «نافذة» العالم العربي على العالم. ولذا فإن أول نشاط ثقافي جماهيري كان حفلاً ضخماً لـ«الديفا» السيدة فيروز في وسط بيروت المدمر، أما المشروع الأول الذي طرح فهو إعادة إحياء مهرجانات بعلبك الدولية، مع تطوير مهرجانات بيت الدين المنطلق أيام الحرب ليتحوّل من مهرجان محلي متواضع الى مهرجان عالمي. أوضحت هذه الخطوات الاولى اتجاه الانتاج الثقافي ونوعيته، فهي «سياحية»، استعراضية، وهي لهذا السبب تستلزم بنية اقتصادية تمويلية كبيرة، فكان ان تمت العلاقة الواضحة بين السياسة والانتاج الفني، عبر تبني الدولة لهذه المهرجانات، بل وعبر التبرع السخي من «عرّاب» مشروع اعادة إعمار وبناء لبنان، أي رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، الذي شجع أيضاً البنوك المحلية والأثرياء الكبار على اقامة علاقة تمويلية بالمشاريع الثقافية. وهذه هي المرة الأولى التي تكتسب فيها المؤسسات المالية والتجارية معرفة بالفوائد غير المنظورة لفكرة تمويل الانتاج الثقافي، كما هي المرة الأولى التي تتبنى فيها الدولة سياسة تمويلية للعمل الثقافي، وبهذا المعنى صار في لبنان Fondation رسمي، مع تأسيس وزارة الثقافة لأؤل مرة في تاريخ لبنان (1991). أما الجديد حقاً فهو رسوخ تقليد حديث نسبياً في عالم الثقافة والفن، وهو ان أي انتاج فني مهما كان نوعه بات يرافقه Sponsor. ازاء هذا الواقع كان المثقفون والفنانون ومعهم الناشطون في المجتمع المدني والجمعيات الأهلية، قد اكتسبوا وعياً نقدياً، بسبب تجربة الحرب، ازاء المثاليات العروبية واليسارية والنضالية الكارهة للمال والتمويل، فبات لديهم حسّ عملي بفوائد النظام الرأسمالي (إذا جاز القول)، واندفعوا لجني فوائد السخاء المفاجئ لأي مشروع ثقافي أو مدني. وأيضاً مع رسوخ السلام في لبنان، المتزامن مع نهاية حرب الخليج الأولى، وإشاعة الآمال بسلام عربي ــ إسرائيلي اثر مؤتمر مدريد وما تلاه، اندفعت إلى منطقة الشرق الأوسط المؤسسات العالمية، الرسمية منها والخاصة، للمشاركة (كل حسب أهدافه وتصوراته) في صياغة شرق أوسط جديد. وهذا كان يعني اهتماماً استثنائياً بتوفير التمويل والمال لطفرة الجمعيات المدنية والأهلية التي كانت تنبثق بالمئات من كل الدول الشرق أوسطية، وأيضاً لتمويل كل المشاريع الثقافية التي كانت تطرح هنا وهناك. سرعان ما انكسرت هيبة التحريم في التعامل مع المال الأجنبي، عبر «هرطقة» ثقافية مفادها: المال الاوروبي مقبول نسبياً وباشتراطات، أما المال الأميركي فغير مقبول. لكن هذه المعادلة اصطدمت بواقع مفاده ان التمويل الأوروبي بخيل وبطيء ويمرّ بدورة بيروقراطية منهكة وشديدة التردد، ويخضع لمحاسبة صارمة غير عملية في كثير من الأحيان، أما المال الأميركي فكان يسيراً وسخياً ويمكن الحصول عليه بسرعة قياسية، بل ان واهبيه لا يكترثون جداً بطرق إنفاقه، وأيضاً على عكس الأوروبيين، هم على استعداد ان لا يقترن التمويل بالاعلان عنه والتصريح به. من هذه الملاحظة الأخيرة، بدأ بالخفاء التنافس بالعتمة للحصول على التمويل الأميركي، وأشهر مصادره مؤسسة «فورد». وما هي بضعة سنوات حتى كانت كل النشاطات الثقافية والمدنية المهمة التي تجري في بيروت على صلة بتمويل متعدد المصادر: خليجي، أوروبي، أميركي، محلي. وخلال 51 سنة (1991 - 2005) عرفت بيروت واحدة من أفضل فترات الانتاج الثقافي بفضل هطول المال وعطش اللبنانيين لحياة كانوا قد اختبروها في فترة ما قبل الحرب، وولعهم بصورة بيروت كعاصمة ثقافية. وسرعان ما تحوّل «المجتمع» البيروتي الناشئ على صلات بالعالم وباقتصاد الميديا والاعلان والسياحة والأعمال والمال والثقافة والترفيه.. إلى مجتمع له طموحات سياسية تمظهرت فيما بات يُعرف بـ«ثورة الأرز» التي موّلت كرنفالاتها المشهدية شركات الاعلان وأصحاب النفوذ المالي والمؤسسات التجارية الكبرى والجمعيات المدنية (التي لها تمويلها...) الخ. اليوم هناك 12 ألف جمعية مدنية وأهلية لبنانية تتلقى المال من مصادر لا حصر لها. وهناك مثلاً رواتب تدفع لكل مغني راب لبناني من قبل مصدر أميركي «مجهول»! فهل من ضرورة للسؤال عن فوائد الـFoundation؟ مع ذلك، وحول هذه التجربة كان الحوار مع لينا صانع، الممثلة والمخرجة المسرحية التي تنتمي لجيل ما بعد الحرب، والتي تتولى أيضاً مسؤولية إدارية في واحدة من أنجح المؤسسات الثقافية في لبنان «أشكال ألوان»، فلينا صايغ كفنانة كان لها تجربة مع التمويل الأجنبي، بقدر ما لها تجربة كمديرة فيما بعد في مؤسسة تعتمد جداً على التمويل الأجنبي.

يوسف بزي