الإعلان

 

أدب قسم عام إنصاف العربي الذي قتله بطل كامو
إنصاف العربي الذي قتله بطل كامو
محمود حسني   

 

أتعلم، لا يملك الغريب شيئًا، وأنا الغريب. لم أحتفظْ قطّ بشيءٍ بين يديّ لوقتٍ طويلٍ، كنتُ أحسّ بالنفور وبثقلٍ زائدٍ مع كل جديدٍ أملكُهُ، فأُسرع إلى التخلي عنه. لقد تعطّل عندي حس الملكية منذ وقتٍ طويلٍ".

 

هكذا يقول هارون، الشخصية الرئيسة في رواية "معارضة الغريب" للجزائري كمال داود، والصادرة بالفرنسية في خريف 2013 عن دار البرزخ في الجزائر، تحت عنوانٍ يُترجم حرفيًا بـ"مورسو: تحقيق مضاد"، ثم نشرته دار آكت سود في 2014 في فرنسا، وحصد العمل عدة جوائز أهمها الجونكور الرواية الأولى، وتُرجم إلى 27 لغة مختلفة.

صدرت الترجمة العربية للعمل عن دار الجديد – بيروت في 2015، وقام بها كلٌّ مِن ماريا الدويهي، وجان هاش، وحملت الاسم المشار إليه سابقًا "معارضة الغريب”، وهو التصرف الذي رآه الكاتب مقبولًا، لأن مورسو -وهو بطل رواية الغريب لألبير كامو- قد يكون معروفًا للقارئ في الغرب، لما تحمله رواية "الغريب" مِن شهرةٍ واسعةٍ في أوروبا، وخاصة فرنسا، أما القارئ العربي فهو أكثر ألفة مع عنوان الرواية مِن اسم بطلها. ليس هذا فقط، فالعمل في أساسه معارضة تُبرز الجزء المجهول من رواية الغريب لكامو، والتي يَقْتُلُ بَطَلُهَا شخصًا عربيًّا، لا نعرف له اسمًا طوال أحداث العمل، ليأتي كمال داود، في روايته التي تقارب المائتي صفحة في ترجمتها العربية، ويحكي لنا ليس فقط قصة هذا العربي، بل قصة الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي، وما بعده.

يبدأ كامو روايته "الغريب" بإحدى أهم الافتتاحيات الأدبية، "اليوم ماتت أمي... أو لعلها ماتت أمس. لست أدري". في حين رواية كمال داود، الأشبه بمونولوجٍ طويلٍ متماسكٍ إلى حد بعيد، يقال على لسان هارون، الأخ الأصغر للعربي القتيل، وسيُطلق عليه الكاتب، في تناص توراتي/ قرآني لافت، اسم "موسى"، فتبدأ بجملة: "أمي اليوم ما زالت على قيد الحياة. صامتة، لا تنبس ببنت شفةٍ، علمًا أنّ في جَعبتها الكثير لتقوله، بعكسي أنا، فلشدَّ ما كرّرتُ هذه القصة أراني بالكاد أتذكّرها".

لا يكتفي الكاتب في اشتباكه مع كامو بالمعارضة الواضحة في الافتتاحية، بل ينفذ مباشرة إلى قلب "الغريب"، فيقول على لسان هارون: "ما أعنيه هو أنّ نصف قرنٍ قد مضى على هذه القصة... وما زال الناس يتحدّثون عنها، لكنّهم لا يذكرون سوى ميِّتٍ واحدٍ، مِن دون تورُّعٍ كما ترى؛ لأنّه قضى فيها اثنان. نعم قتيلان. وما سبب هذا الإغفال؟ هو أنّ الأول يتقن فنّ السرد، حتّى أنّه نجح في التعتيم على جريمته، بينما الثاني مجرَّد بائس أُمّيٍّ، بدا أن الله خلقه فقط؛ لكي ترديه رصاصةٌ، ويعود إلى التراب. هو شخصٌ مغمورٌ، مرّ مرور الكرام على غفلةٍ مِن زمنٍ لم يدوّن اسمه".

لا يمهلنا الكاتب فرصة تجاوز الصفحات الأولى مِن العمل حتى يؤكد على غايته "سأحكي قصة العربي"؛ ليس ثأرًا له كما أكد أكثر مِن مَرَّة، وليس انتقامًا مِن مستعمرٍ، وليس كرهًا لكامو، بل لمحاولة معادلة كفّة وجدها غير متزنة.

***

وكان داود الذي عمل صحفيا مستقلًا بعدد من الصحف على مدار السنوات، وكتب مقالات ينتقد فيها الأوضاع في بلده، أعلن في مارس الماضي نيته التوقف عن الكتابة الصحفية والتركيز على التأليف الروائي. كان هذا بمثابة ردٍ على رد الفعل الغاضب على مقال كتبه بصحيفة لوموند الفرنسية عن أحداث التحرُّش الجنسي التي شهدتها مدينة كولونيا الألمانية ليلة رأس السنة.

في مقاله بلوموند انتقد داود اليمين الأوروبي المتطرف، الذي يعامل كافة المهاجرين بوصفهم مغتصبين محتملين، لكنه في الوقت نفسه هاجم بقوة اليسار السياسي في أوروبا والذي وصفه بالساذج؛ لتجاهله عن عمدٍ وجود فجوةٍ ثقافيةٍ، وبخاصة في القيم الأساسية بين أوروبا والعالم الإسلامي-العربي.

يتساءل داود في مقاله: "هل اللاجئ بربريٌّ؟ إجابتي هي (لا). لكنه مختلفٌ. يأتي مِن مكانٍ النظرة فيه إلى الجنس والمرأة مريعةٌ، ومنحه أوراقًا ومسكنًا ليس كافيًا؛ إذ لا يحتاج الإنسان إلى اللجوء حسيًّا وفقط، بل تحتاج الروح إلى الرغبة في التغيير".

ما كتبه داود أَحْدَث صدًى قويًّا، وبخاصة أنه لم يكنْ قد كُشف عن نتائج التحقيقات في حوادث التحرش التي شهدتها المدينة الألمانية. لكن مع هذا، وبالنسبة إلى البعض، كان داود شجاعًا بما يكفي للحديث عن جزء من حقيقة مزعجة حول ثقافة الشرق الأوسط، وبخاصة النظرة إلى المرأة والجنس.


إنصاف العربي الذي قتله بطل كامو | كمال داود, محمود حسني, ابتكار, مدى مصر
كمال داود
 
تظهر الرواية الأولى لداود وكأنها بوح طويل من هارون، شقيق موسى، إلى طالب فرنسي جاء ليستقصي آثار العربي الذي قتله مورسو؛ ليعثر على أخيه هارون، وتبدأ الحكاية. ثمة اشتباكٌ واضحٌ هنا بين المتخيل والواقعي. وكأن مورسو واقع وتاريخ، وكأنه قتل عربيًّا حقًّا. يبدو الأمر وكأنه إطلاق لفضاء رواية كامو، لتكون سندًا لتاريخ "متخيل"، وليس فقط عملًا روائيًّا يشتبك معه داود، وكأنه يؤكد ما يقوله هارون للشاب الفرنسي: "وأظنّني أحزر لماذا تُؤلَّف الكتب الحقيقية. ليس طمعًا في الشهرة، بل سعيًا إلى الاحتجاب عن الأعين، بطريقةٍ أفضلَ، مع ادّعاء الإمساك بلبّ العالم في الوقت نفْسه".

يحكي هارون عن أمه التي ظلّت تشعر أنه خذلها منذ لحظة قتل أخيه، لم تعد ترعاه، سيطر عليها موت موسى كليًّا: "في إحدى الليالي، بعد مُضيِّ أشهر على مقتل موسى، وكنّا لا نزال مقيمين في العاصمة الجزائر، انتظرتُ إلى أن نامت وسحبتُ مفتاح صندوق مؤونتها، وأكلتُ كلَّ السكاكر التي أودعَتْهَا فيه تقريبًا. صبيحة اليوم التالي جُنَّ جنونها، وراحت ترطن، ثم أعملتْ أظافرَهَا في وجهِهَا باكيةً حظَّهَا، مِن زوج غائب، إلى ولد قتيلٍ، وآخر ينظر إليها بغبطة جارحة.

"أي نعم! أذكر ذلك، أحسستُ ببهجة غريبة وأنا أشاهدها تتألّم فعلًا، ولو لمرة واحدة. فلكي ألفتَ انتباهها إلى وجودي، كان لا بد لي أن أخيّب أملها. كأنّه أمرٌ محتومٌ، أن تجمعنا هذه العلاقة بطريقةٍ أوثق ممّا فعل الموت".

لكن هارون الطفل هذا، لن يتحمَّل نظرات الخذلان في عين أمه، لن يظل ساكنًا أمام رغبتها في الانتقام لأخيه موسى، وإنما سيدفعه هذا كله إلى ارتكاب جريمة قتلٍ لفرنسيٍّ آخر، ليس ضروريًّا أنَّ يكون من قُتِل هو نفسه من قَتَل أخاهُ، المهم أنه فرنسيٌّ، وهكذا يمكن للأم الارتياح أخيرًا، وهكذا يمكن للدائرة الانغلاق على ذاتها. قتلٌ أمام قتلٍ، جريمةٌ أمام جريمةٍ.

في نظر المختلفين مع اﻵراء السياسية لداود، فهو عربيٌّ يكره ذاته، ويفضِّل الثقافة الفرنسية على العربية، ويأتي هجومه على الدين كمقاومةٍ للذات التي كانت في السابق جزءًا مِن الإسلاميين، حيث انتمى داود، وهو لا يزال شابًا، في ثمانينات القرن الماضي، لإحدى الجماعات المتشددة دينيًا.

وفي مقال رأي نُشر أيضًا في لوموند الفرنسية، شنَّت مجموعة مِن المثقفين والأكاديميين هجومًا لاذعًا على داود الذي اتهموه بـ"تغذية أوهامٍ معاديةٍ للإسلام، تعتقد بها شريحةٌ متناميةٌ مِن السكان الأوروبيين". وقالوا إنه يجعل مِن الثقافة العربية الإسلامية العنصر المحدد لسلوك الأفراد، وإن تحليله "الثقافي" يفتقر للمصداقية.

***

يُخبر هارون الشابَّ الفرنسيَّ كم كان الأمر مثيرًا للسخرية حين قتل ذلك الفرنسي بعد أيامٍ مِن الاستقلال، وأنه لو كان فعل ذلك قبل خروج المستعمر، لأصبح بطلًا يُحكى عنه.

يخبره عن استغرابه مِن مشاعر الحُبِّ، وعدم فهمه لها: "لا تفسير للحبّ بالنسبة إليّ. أنظر دومًا باستغرابٍ إلى المتحابّين، إلى إيقاعهما البطيء، إلى اشتراكٍ في المأكل والمشرب يصيّرهما واحدًا... كيف يتصرَّف المتحابّون؟ كيف يتحمّل واحدهما الآخر؟ ما الذي يجعلهما ينسيان أنّهما وُلِدَا، كلٌّ وحده، وسيموتان منفصلينِ؟ في الحقيقة؛ الحب أشبه بوحشٍ سمّاويٍّ يرعبني. أراه يلتهم الناس أزواجًا أزواجًا، ويخلبهم بطُعم الأبدية. يحبسهم في نوعٍ مِن شرنقةٍ، ثم ينفثهم إلى السماء؛ ليعيد رمي حطامهم على الأرض كالقشور. أرأيت ما الذي يحلّ بالناس عندما ينفصل بعضهم عن بعض"؟

يخبره عن المرأة التي فشل في الاحتفاظ بها مع كل مشاعره نحوها وقتها، كيف بدتْ في اللحظة الأولى وكأنها الطوق الذي قد يساعده على النجاة مِن كل ما مر به: "رأيتُ امرأةً نحيلةً ذات عينين زيتيّتين، شمسًا جليّةً متألّقةً. أحرق جمالها قلبي، وأحسستُ فراغًا في صدري. فقبل اليوم، لم أنظر إلى أيّة امرأةٍ كفرصة حياةٍ. لقد شغلني كثيرًا خروجي مِن بطن أمي، ودفن الأموات، وقتل الفارّين. فهمتَ قليلًا؟ كنّا نعيش منعزلين، وقد تعوّدتُ ذلك. وفجأةً ظهرتْ تلك الشابّة وهي على وشك خطف كل شيءٍ، حياتي، عالمنا أمّي وأنا. فانتابني الخجل، والخوف!"

طغى الخلاف حول آرائه السياسية الذي وصل للولايات المتحدة على الحديث حول جودة عمله أدبيًا، ففي العام الماضي كتب آدم شاتز، وهو صحفيّ أمريكي ليبراليٌّ بارزٌ، مقالًا مطولًا لمدح داود في صحيفة نيويورك تايمز. لكن شاتز نفسه كان ضده هذه المرة في حديثه عن اللاجئين، وفي خطابٍ مفتوحٍ قال: "مِن الصعب جدًا بالنسبة لي تصديق ما كتبْتَهُ. ليس هذا كمال داود الذي أعرفه".

ورفض شاتز فكرة أن الجنس في العام العربي "بؤسٌ" بشكلٍ عامٍّ. وهو الأمر الذي أدَّى إلى احتداد الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي.

لكن داود في خطابٍ مفتوحٍ إلى شاتز شجب الأكاديميين والمثقفين الذين انتقدوه. وأضاف: "إنهم لا يعيشون في أرضي، وأرى أنه غير مشروعٍ -ولا أقول مخز- أن يتهمني بعضهم بمعاداة الإسلام مِن ملاذه الآمن ومكان راحته على مقاهي الغرب”.

وكانت هذه هي كلمته الأخيرة إلى الصحافة التي قاطعها لما يقرب من ثلاثة أشهر قبل أن يعود مع بداية مايو الحالي إلى كتابة مقال في نيويورك تايمز عن العنصرية ضد السود في الجزائر.

***

يخبر هارون الشاب الفرنسي عن الجزائر، وأناسها ما بعد الاستعمار، عن مظاهر التدين التي أخذتْ تطغى على كل شيء، لتمنع كل ما هو غير ذلك، يشتبك مع مسألة الإيمان مباشرة:

"وهل أنا مؤمنٌ؟ لقد سوّيتُ مسألة السماء بمسلّمةٍ بديهيةٍ، فمِن بين كل الذين يثرثرون حول وضعي، جماعات الملائكة أو الآلهة أو الشياطين أو الكتب، أدركتُ منذ صبايَ أنّني أنا وحدي أعيش حزني وحتمية الموت والعمل والمرض. أنا بنفْسي أدفع فواتير الكهرباء؛ لتأكلني الديدان في النهاية. هيّا إِذَنْ! أنا في النتيجة أكره الأديان والخضوع. فهل هناك مَن يفكّر في السعي وراء أبٍ/ إلهٍ لم تطأْ قدماه الأرض ولم يعانِ قطّ الجوع أو التعب مِن أجل كسب العيش"؟

يسخر بقوَّةٍ مِن مظاهر التدين، ومِن الحدّة في السلوك التي يُولِّدها التشدد. يُظهر هذا بنبرة حانقة ومستهزئةٍ بعض الشيء.

في نهاية روايته، التي تبدأ بمعارضته لغريب كامو، لتصل إلى ما يبدو معارضة لذاته، اشتباك مع اغترابها، مع جزائريته، وماضي بلده، وحاضرها، يقول هارون للطالب الفرنسي: "هذا كل ما يمكنني أن أقدّمه إليك. هذا كلامي، إمّا أن تقبله أو أن ترفضه. أنا شقيق موسى أو شقيق لا أحد. مجرّد شخصٍ مولعٍ بالكذب، اجتمعتَ به لملء دفاترك... الخيار لك يا صديقي. الأمر أشبه بسيرة الله. لم يسبق لأحدٍ أن التقاه، ولا حتّى موسى، ولا أحد يعلم ما إذا كانت قصّته حقيقية أم لا. (العربي) هو (العربي)، والله هو الله. ما مِن اسم، ما مِن أحرفٍ أُولى. زرقة بذلة العمل وزرقة السماء. مجهولان وقصّتان على شاطئٍ لا نهاية له. أيّهما أصح؟ سؤالٌ جوهريٌّ. عليك أنت أن تبتَّ فيه".
 

إنصاف العربي الذي قتله بطل كامو | كمال داود, محمود حسني, ابتكار, مدى مصرمحمود حسني

كاتب ومترجم وصحفي ثقافي مهتم بالحركة الأدبية، الأدب المقارن، والدراسات الثقافية.

@mahmoudhosny91

 

محتوى نقل من موقع  إنصاف العربي الذي قتله بطل كامو | كمال داود, محمود حسني, ابتكار, مدى مصر و ينشره  باب الماد فى اطار برنامج "ابتكار"