الإعلان

 

مجتمع قسم عام لتسقط الحدود ولتسقط الجبهات
لتسقط الحدود ولتسقط الجبهات
محمد مسعاد   
تحاول مؤسسة طلعت العيان أن تقرب الهوة بين شبان من فلسطين وإسرائيل وألمانيا، وذلك من خلال قضائهم أسبوعين في ألمانيا. يكون التحدي كبيرا في أن يعيش هؤلاء الشبان مدة ولو قصيرة بعيدة عن الحواجز و الكراهية، أملا في عيش كريم و حياة شعارها السلم والحب. الفكرة بسيطة، غير أن انعكاساتها ستكون، بكل تأكيد، ذات جدوى شعارها الحق في الحياة.

لتسقط الحدود ولتسقط الجبهات | حوالي أسبوعين قضاها شبان أتوا من فلسطين وإسرائيل وآخرون من ألمانيا، شبان مسلمون ويهود ومسيحيون عاشوا جنبا إلى جنب يستحضرون جراحات الماضي، ويتمثلون صعوبات الحاضر ويتطلعون إلى مستقبل يحذوهم الأمل في العيش بحرية وكرامة دون خوف متواصل. إنها تجربة من نوع آخر هدفها العيش بعيدا عن ضغوطات السياسة التي غالبا ما تكون مسؤولة عن شعار "الآخر/ العدو". بعيدا عن جغرافية حولتها السياسة إلى حواجز ومتاريس. بعيدا عن وطن يعيش تحت خوف متبادل. إنها تجربة لشبان تتراوح أعمارهم بين 15 و 18 سنة يقضون جزءا من العطلة المدرسية متنقلين بين مدن ألمانية كزاربروكن وبرلين وساكسن هاوزن والمدن الفرنسية المجاورة لولاية زارلاند كميدس وستراسبورغ، يكون فيها هؤلاء الشبان ضيوفا على مؤسسة طلعت العليان تحت إشراف الدكتورة حليمة العليان الفلسطينية الأصل.

لقد شكلت ألمانيا لحليمة العليان ذلك الفردوس الجميل الذي احتضنها بعدما شردها الاحتلال الإسرائيلي وقست عليها وهي طفلة جل الدول العربية التي حلت بها رفقة أسرتها بما فيها أرض الكنانة، حيث أن الغربة و الإحساس بعدم الرغبة فيهم كفلسطينيين يسيطر عليها، وحدها زاربروكن هذه المدينة الألمانية التي تقع على مرمى حجر من الحدود الفرنسية احتضنتها وفتحت لها ذراعيها، و فيها تلقت ـ على حد قولها ـ أبجديات الديمقراطية والكرامة الإنسانية وحرية الرأي. لم تكن الحياة الجديدة في ألمانيا كلها طريقا مفروشا بالورود، بل بكفاحها كامرأة شرقية تدبر شؤون أسرتها الصغيرة بما فيها رعاية الابن المريض من جهة وطريق التعلم إلى أن تخرجت من كلية الطب كمتخصصة في طب العظام من جهة أخرى.

منذ أن أنشئت هذه المؤسسة سنة 2004، وهي تعمل على تحقيق هذا اللقاء بين شبان من فلسطين وإسرائيل صحبة أقران لهم من ألمانيا، ليعيشوا أسبوعين يتعرفون فيها على بعضهم البعض. وتعزي رئيسة المؤسسة الدكتورة حليمة العيان سبب اختيار شبان ما دون سن 18، لكونه سن التجنيد العسكري الإجباري في إسرائيل، حتى تكون الفرصة لهذا الشاب للتعرف على عدوه المقبل، تضيف الدكتورة العيان. و تحمل المؤسسة اسم ابنها طلعت الذي وافته المنية سنة 1989 عن سن يناهز الثالثة والعشرين بسبب مرض في الدم غير قابل للعلاج. لقد أطلقت اسم ابنها على هذه المؤسسة محاولة منها لزرع الأمل في شبان وأطفال هم في حاجة ماسة إليه. ولقد تولدت لديها الفكرة من جراء الحزن العميق الذي خلفه رحيل شاب في مقتبل العمر والذي رغم مرارة المرض الذي كان يعانيه، لم يفقد الأمل وظل يحافظ على ابتسامته، تقول بعد زيارة لبلدتها القريبة من تل أبيب، ومن خلال حديثها سواء إلى العرب هناك أو اليهود أنها ترسخت لديها فكرة مفادها أن الطرفين يجهلان بعضهما البعض، وإنها هي نفسها كطفل لم تتلقَ أبدا ما تعرض له اليهود، وإن "الأطفال سواء في فلسطين أو في إسرائيل يتربون على صورة: الآخر العدو". لكن تبقى مشروعية التساؤل، هل بإمكان تغيير هذه النظرة التي تلعب كل وسائل التنشئة الاجتماعية دورا كبيرا في ترسيخها سواء في الوعي الفردي أو الذاكرة الجماعية؟ ربما هذا ما تحاول مؤسسة طلعت العيان بإصرار كبير على خلخلته. فمنذ أن ظهرت هذه المؤسسة للوجود وهي تنظم كل سنة وأثناء العطلة المدرسية برنامجا لصالح الشبان من إسرائيل وفلسطين وزملاء لهم في ألمانيا. وهكذا عرف برنامج هذه السنة إلى جانب تنظيم رحلات داخل بعض المدن الألمانية، بعض العروض النظرية وبعض الأفلتسقط الحدود ولتسقط الجبهات | لام السينمائية، بالإضافة إلى زيارة معتقل النازية بساكسن هاوزن والمتحف اليهودي ببرلين، وتؤكد الدكتورة حليمة العيان أنها وحدها التي تسطر برنامج الدورة. إلى جانب هذه الفقرات كانت الفرصة أيضا أمام هؤلاء الشبان لزيارة بعض المدن الفرنسية المتاخمة للحدود مع ولاية زارلاند كما هو الحال بالنسبة لميدس و ستراسبورغ حيث يوجد مقر البرلمان الأوروبي، الذي لا يمثل بناية في حد ذاته بقدر ما أنه رمز للوحدة الأوروبية التي أقرتها هذه الدول التي شهدت حروبا ضارية فيما بينها قبل نصف قرن، وها هي الآن قد تغلبت على هذا الماضي الدموي وتشيد وحدة فيما بينها حتى تكون مثالا حيا وإصرارا على أن إرادة الشعوب أقوى من إيديولوجية الكراهية والحقد. لم يخلُ هذا التنقل بين المدن الحدودية من حوادث منها أن عددا من الشبان سواء من فلسطين أو من إسرائيل لم يستسيغوا فكرة غياب شرطة للحدود بين الدول الأوروبية، وكون أن التنقل بين هذه الدول أصبح دون حواجز، حيث تحولت المراكز الحدودية إلى أطلال لأخذ صور تذكارية، بل أن شابا فلسطينيا بمجرد أن سمع أن الحافلة تقترب من الحدود الفرنسية، بدأ بخلع ملابسه اعتقادا منه أن الأمر شبيه بما يتعرض له الآلاف من الشبان هناك في فلسطين كلما كانوا أمام حاجز للحدود. وفي هذا الصدد تصرح السيدة العيان" لم يستسغٍ عدد من الشبان أن الحدود بين عدد من الدول الأوروبية أصبحت مكانا للنزهة".
بالرغم من بساطة الفكرة إلا أن التحضير لها لا يسلم أحيانا من تعقيدات كبيرة كادت أن تعصف مرارا بهذا البرنامج نظرا للتعقيدات البيروقراطية المتعلقة أساسا بالتأشيرة، لولا مجهودات عدد من المنظمات المحلية التي تناضل من أجل السلام، إضافة إلى المشاكل المادية فرغم الدعم السياسي التي تتلقاه المؤسسة من ولاية زارلاند ورئيس وزرائها بيتر ميلر، إلا أن الاعتمادات المادية غالبا ما تكون محدودة لتطوير هذا البرنامج، فالمؤسسة تعتمد بالأساس على المنح التي تتلقاها إضافة إلا مداخيل الكتاب الذي ألفته حليمة العيان "الطرد من الجنة" والذي يتعرض لتجربتها الشخصية ، والتي ليست سوى نموذج مصغر لتجربة شعب وجد نفسه مشردا منذ عقود.

لكن يبقى أمل وإصرار المؤسسة في أن يقضي شبان من فلسطين وإسرائيل وألمانيا ولو أسبوعين بعيدا عن جراحات الماضي وتعقيدات الحاضر، الرهان الذي تتبناه المؤسسة وهي ترى شبانا كلهم أمل في أن يعيشوا مستقبلا دون حروب. وخصوصا أنه لا فرق بين هؤلاء الشبان عندما يكونون مع بعضهم البعض كما صرحت حليمة العيان. بل تطفو بين الفينة والأخرى قصص حب بين هؤلاء الشبان، وكأن لسان حالهم يقول الحق في الحياة ولتسقط الحدود و لتسقط الجبهات.

محمد مسعاد
(4 أبريل 2008)