الإعلان

 

مجتمع قسم عام إيطاليا: الكافالييري الجامح
إيطاليا: الكافالييري الجامح
أليساندرو دي رينزو   
إيطاليا: الكافالييري الجامح | القشة التي قصمت ظهر البعير وتسببت في الانتخابات المسبقة بعد عامين فقط من انتصار يسار الوسط عام 2006 وراءها امرأة محدودة الذكاء. كل هذا حدث ذات صباح عندما وُضعت ساندرا ليوناردو ماستيللا، رئيسة مجلس الإدارة الإقليمية لمقاطعة كامبانيا وزوجه وزير العدل آنذاك، وُضعت رهن الإقامة الجبرية في منزلها نظرا لسوء صحتها طبقا لتوصيات أطبائها. زوجها، كليمنته ماستيللا من بلدة شيباللوني، المغتاظ من هذه الحادثة، جعل الأغلبية البرلمانية التي تديرها الحكومة تنقصها الأصوات. وأدى ذلك إلى الانتخابات المسبقة. ذات يوم أحد صحفيي نابولي الذي يتابع فقط أنشطة عصابات الكامورّا (مافيا نابولي) قال لي هذه الكلمات: "هنا في هذه المناطق عصابات الكامورّا هي أكثر كفاءة من الحكومة. إذا قرر أحد زعماء المافيا وضع شخص ما في مركز هام فإنه يضع شخصا كفؤا، بينما إذا قرر السياسي وضع شخص ما في مركز هام فإنه يضع زوجته أو أحد أصدقائه، حتى ولو كان الجميع يعلمون أنهم غير أكفاء". في القرون الماضية من تاريخ روما عُرفت هذه الممارسة بالمحسوبية وكان تستخدم على نطاق واسع في المحكمة البابوية: بعض باباوات روما، وخاصة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، كانوا يميلون إلى المحاباة ومنح الحماية لأقاربهم، بغض النظر عن استحقاقهم وصفاتهم الأخلاقية. هذه الممارسة في إيطاليا في القرن الحادي والعشرين منتشرة جدا للزوجات والعشيقات أي أن بعض النساء البرلمانيات هن زوجات لقادة سياسيين.

سعي فيلتروني
"إننا نسير وحدنا، ولهذا نحن نسير بحرية". تلك هي أهم الكلمات لمرشح اليسار فالتر فيلتروني. أحرار من التحالفات الضارة التي تؤدي إلى تقويض الحكم، أحرار من المنحدرات اليمينية أو اليسارية التي، بسبب الحقد أو الجانب العملي، توقف الإصلاحات. رئيس بلدية روما، خلال سبع سنوات، كان يعامل العاصمة مثلما كان فرانسوا ميتران يمثل فرنسا.
إيطاليا: الكافالييري الجامح |
بسلوك شبه ملكي، كأمير مستنير، افتتح المتاحف والعروض الموسيقية، وأقام مهرجانات السينما، قدم التحية والتعازي لضحايا الإرهاب من أحزاب اليمين واليسار على حد سواء، وكان حاضرا في مباريات كرة السلة واحتفل بفوز فريق روما ببطولة الدوري الايطالي لكرة القدم في عام 2001. وكرئيس وزراء مرشح اكتشف أن إيطاليا ليست روما فقط، وأن الشهرة التي حظي بها في إدارة أجمل مدينة إيطالية والاحترام الذي حصل عليه (ليس فقط من اليسار) لم يكن كافيا. فيلتروني كان يعلم هذا وعلى مدى شهرين كان يعيش من الناحية العملية على متن حافلة خضراء وعبر 110 مقاطعة إيطالية لإظهار وجهه للناخبين، وليس فقط على شاشات التليفزيون. مئة وعشر من الساحات المليئة بالناس المحتفلة، خلقت وهما بأن العودة كانت ممكنة ومناقضا توقعات الهزيمة بفارق 22 نقطة مئوية .

أثناء الانتخابات التي تلت انتهاء الحرب العالمية الثانية، فزع الاشتراكي بيترو نينّي من "الساحات الممتلئة وصناديق الاقتراع الفارغة". وهذا التنبؤ ثبتت صحته لليسار أيضا في عام 2008. ما تبقى هو بذل جهد هائل لإنشاء حزب جديد واحد فقط لفريق الإدارة الحكومية. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أنه خلال الأربعين سنة التي أعقبت الفاشية، شهدت إيطاليا تحالف خمسة أحزاب، ومع ظهور بيرلوسكوني – بعد العاصفة القضائية التي محت الطبقة السياسية التي حكمت حتى ذلك الحين - وإغلاق ستة تحالفات ضمن أحد عشر، كانت جهود فيلتروني مجرد يوطوبيا. هذا التصميم أكسبه أيضا اسم "الأمير الصغير" للسياسة الإيطالية، ولكن وراء هذا المظهر الفاضل يختفي رجل يمكن أن تكون سخريته رهيبة. عمته رغبته في ضرورة إعطاء صورة للتجديد: سياسة جديدة ، وطبقة حاكمة جديدة، وأساليب جديدة، رشح فيلتروني أيضا العديد من الشباب أعمارهم أقل من ثلاثين عاما من أبناء أصحابإيطاليا: الكافالييري الجامح | المشاريع والمشاهير، مثل البوبو (البوهيميين البرجوازيين) المرشحين من خريجي الجامعات، وكذلك العامل الذي بقي على قيد الحياة من حريق هائل شب بمصنع للصلب .

وخلال هذه الحملة الانتخابية أدلى بعض هؤلاء المرشحين الواثقين جدا من أنفسهم، وإن كانوا مترددين بسبب قلة خبرتهم في مواجهة الميكروفون ودفاتر الملاحظات، أدلوا بتصريحات متضاربة بشأن برنامج الحزب الخاص بهم. فعلى سبيل المثال، عن موضوع حق المرأة في الإجهاض، قدموا صورة مهزوزة ومشوشة بشكل كبير لجمهور الناخبين. وكَمُلهَم من ثاباتيرو وأوباما على حد سواء، بعد أمركة اتصالاته الدعائية، حاول فيلتروني إعطاء صوت للمرأة والشباب بقصد اعتراض هذه الأقواس المحيطة لجزء من السكان المهمشين في كثير من الأحيان في الحياة السياسية في ايطاليا.

الكافالييري الجامح
برلوسكونى البالغ من العمر 72 عاما، قرر قيادة حملته الخامسة لرئاسة الحكومة الإيطالية. قوي من حقيقة أن في ايطاليا، هؤلاء الذين يحكمون لن يعاد انتخابهم أبدا، ضمن لنفسه نصره الثالث. برلوسكوني قاد حملة انتخابية متواضعة، واثقا من التفوق القوي الذي يمكن أن يبدأ منه.
لقد ترك خصمه فيلتروني يجوب أنحاء ايطاليا وشاهده من خلال نشرات الأخبار يوجه التوصية إليه من وقت لآخر بألا يتعب نفسه كثيرا. ثم قرر أنه بحاجة لأن يلتقي بالشعب. لقد فعل ذلك على طريقته الخاصة: قليلا من خلال التلفزيون، تلك الأداة القديمة التي بنت له الكثير من السلطة، ثم ظهر في بعض الساحات – مرات قليلة فقط. وإذا كان خصمه يقل عنه في العمر بعشرين عاما، وغطى مئة وعشر مدينة، فإن برلوسكوني لم يغطّ أكثر من عشر. لم يغرق في بحر من المعجبين في الجنوب البعيد. ومثل مدرب لكرة القدم فاإيطاليا: الكافالييري الجامح | ز 10 مقابل صفر قال لجميع رجاله أن يبقوا في خط الدفاع ويحافظوا على طاقاتهم. أيّ تصرّف من فريقه كان من الممكن أن تكون له مضاعفات. كما أنه حاول بنفسه أن يسجل هدفا خاصا به. فقد اقترح على امرأة شابة عاطلة عن العمل، كانت سألته على شاشات التليفزيون كيف يمكن للشباب أن يكون له اتصال مع عالم العمل، بأن تتزوج من رجل غني، وأن ابنه قد يفعل ذلك. وحظر على شركة الخطوط الجوية الفرنسية شراء شركة الخطوط الجوية الوطنية الموشكة على الإفلاس. ومن خلال استخدام مصطلحات للتعصب السياسي مثل "لن يمر الأجنبي"، لفق قصة أن هناك شبكة وطنية يقودها ابنه على الأرجح. وعمره 72 عاما قرر برلوسكوني أنه لا يستطيع أن يبيع المعجزات لناخبيه.
"هذه لن تكون أياما سهلة، سيتعين علينا أن نعمل وأن نقدم تضحيات كبيرة" . قال ذلك في كل نقاش. هذا الوجوم رُحب به كثيرا . تشكيله السياسي، Popolo della Libertà (شعب الحرية)، هو ائتلاف من حزبه السابق Forza Italia (إيطاليا إلى الأمام) مع الجناح اليميني Alleanza Nazionale (التحالف الوطني)، لهما اثنان من الحلفاء الأقوياء وهما: رابطة الشمال Lega Nord لـ أومبرتو بوسي، و Movimento per l’autonomia الحركة الاستقلالية لـ رافائيله لومباردو. أومبرتو بوسي هو قوة من قوى الطبيعة. معاق تماما بسبب النوبة القلبية التي أصابته عندما كان وزيرا للإصلاحات في حكومة برلوسكوني السابقة، حيث يبذل جهدا لكي يتمتم ببضعة كلمات. ويميل بوسي إلى فيدرالية قوية ويصرخ من أجل الاستقلال. كل عام يجمع أتباعه في بونتيدا، وهي مقاطعة صغيرة في أقصى الشمال تم فيها يوم 7 ابريل / نيسان عام 1167 أداء القسم الرسمي لجميع المقاطعات التي تشكل رابطة لومبارديا لمكافحة الإمبراطور فديريكو بارباروسّا.

إيطاليا: الكافالييري الجامح | واليوم، فإن استعراضات لرابطة الشمال الحالية (وليس الرابطة القديمة) غالبا ما تكون بأزياء القرون الوسطى. في دولة مثل ايطاليا التي لا تزال تجد صعوبات في معالجة مشاعر الوحدة الوطنية، تكون الخاصية المحلية هي لعبة سهلة. رابطة بوسي اختطف جميع الأصوات من اليسار الراديكالي في الشمال، لأنها تمثل الوقاية من حلة التفكك الاجتماعية والحقائق القليلة الخاصة بمجال العمل. إن سياسته تهدف إلى تشويه سمعة المهاجرين، العرب والرومانيين في كثير من الأحيان، المتهمين بسرقة العمل وارتكاب الجرائم، وكذلك مذنبين بالحط من القيم المحافظة لإيطاليا الكاثوليكية. شهيرة هي معارك الرابطة ضد بناء دور عبادة إسلامية. في الجنوب، عقد برلسكونى تحالفا قويا مع ما يُسمى بـ رابطة صقلية ، إم بي إيه لومباردو. شروط هذه الرابطة تنص صراحة وتعاقب علنا: الأصوات في مقابل مزايا ضريبية للجزيرة وجنوب البلاد. وبفضل هذه التحالفات، سيبقى برلوسكوني في الحكم لمدة خمس سنوات. وسيرتدي رابطة عنق فقط في حال أن البروتوكول يقتضي ذلك وفي باقي المناسبات سيستمر في ارتداء ثياب زرقاء اللون لكي يبدو شابا على الدوام. وسيفتح ذراعيه لأصدقائه الأمريكيين والإسرائيليين أيا كانوا، وسيعامل جميع رؤساء الدول الزائرين بشكل غير رسمي، وبدلا من استقبالهم في المنشآت الرسمية للجمهورية سوف يستضيفهم في فيلاته خلال السنوات الخمس المقبلة .

اليسار الشبح
لأول مرة في تاريخ الجمهورية ، لن يكون هناك في البرلمان أي تشكيلات سياسية تشير إلى الثقافة الاشتراكية والشيوعية. والأخيرة، ساهمت جنبا إلى جنب مع الثقافة الكاثوليكية ، في صياغة الدستورية الذي يعاقب القيم الأساسية لإيطاليا في فترة ما بعد الحقبة الفاشية. وإذا كانت تشكيلات الجناح اليساري للحزب الديمقراطي PD منذ عامين فقط كانت نسبته 13 ٪، فهي اليوم تكاد تكون 3.1 ٪. هذه الكارثة الانتخابية يمكن إرجاعها إلى هؤلاء الذين كانوا مشغولين جدا بإنقاذ مقاعدهم بدلا من تمثيل طبقاتهم الاجتماعية. وبالتالي، فإن الكفاح من أجل حقوق علاقات الأمر الواقع - أي الأفراد الذين يريدون العيش معا دون زواج رسمي -- سيبقى خارج البرلمان، وكذلك هؤلاء الذين يجحدون الحرب، أي حرب وهؤلاء الذين يرون أن المهاجرين لهم الحق في العيش حيثما يريدون، دون الإفراط في القيود أو أشكال جديدة من الاحتجاز. إن الطبقة الحاكمة التي كانت قديمة جدا قد تم عزلها؛ الآن يتعين على الشيوعيين وأنصار حماية البيئة من اليساريين أن يختاروا ما إذا كانوا يرغبون في القيام بدور نشط مثل اليسار في ألمانيا، أو إذا كانوا يفضلون أن يكونوا تذكارا هامشيا من الحياة السياسية مثل الحزب الشيوعي الفرنسي .

 

اليساندرو دي رينزو
الترجمة العربية: حسن فايق
(19 مايو 2008)