الإعلان

 

مجتمع قسم عام المنفى للجميع؟
المنفى للجميع؟
كمال الرياحي   
المنفى للجميع؟ | بعد سقوط الدكتاتوريات الكلاسيكية وانقطاع نسل نابليون الثالث وستالين وموسيليني وتشاوسيسكو واسترادا يبدو أننا لن نسمع في المستقبل بنفي الكتاب ولن يكون هناك أيضا فكتور هيقو (هوجو) و جوزيف كونراد و أستورياس و لا حتى غادة السمّان وعبد الرحمان منيف ومظفر النواب والبياتي وزعيم المنفيين العرب غائب طعمة فرمان.
غير أن ظهور الطغاة الجدد، الطغاة المتميزون بالوسامة والذكاء واللطف الاصطناعي والابتسامات العاجية عجّل بظهور المنفيين الجدد في مزارعهم .

ويحق لنا اليوم أن نقول أنه لم يعد أدب المنفى أدب أولئك المبعدين عن أوطانهم فقط. بل أصبح أدب الكل، كل كاتب أصيل، فكتّاب ممالك الطغاة منفيون داخل أوطانهم ويهرعون إلى الكتابة أوطانا بديلة يشربون فيها ويأكلون ويحبون وفيها يبنون البيوت ويؤسسون العائلات ويربون فيها الأطفال ويكسرون فيه الأغلال.

لقد أصبح الاغتراب الشعور المشترك بين كتّاب زمن الطغاة الجدد جميعا بعد أن استبدل النفي الكلاسيكي/ الإبعاد خارج الوطن بالنفي إلى الداخل. فلم يعد النفي القديم نافعا للدكتاتوريات والدول البوليسية الجديدة ومن ثم فإن النفي إلى الداخل أقل تكلفة وأكثر نجاعة مثله مثل المصحات النفسية التي تحدث عنها فوكوو الاستعمار الجديد المتمثل في الاجتياح الثقافي من خلال قانون العولمة الذي قام بديلا عن الاستعمار العسكري. ويتوسل قانون النفي الجديد ببنود ثلاثة:
- قانون المصادرة المتمثل في ملاحقة أعمال الكاتب المطبوعة والمنشورة بالمقص الحاد
- التعتيم الإعلامي و تغييبه من الساحة الثقافية بحيث يُمسح من الذاكرة الوطنية
- تقديم أشباه المثقفين وأنصاف المواهب من المطبّلين بصفتهم نخبة المشهد الثقافي

يقول هوقو "النفي ليس شيئا ماديا. إنه شيء معنوي، كل أركانه في الكون سواء". ويضيف "للطغاة في حربهم ضد المنفيين تابعان: أولهما :الحسد. وثانيهما:الرشوة والإفساد". لذلك يسعى الطغاة إلى تجنيد جيوش من المرتزقة من المثقفين لمحاربة المثقف المؤلم فيسعون بكل الطرق إلى تشويه سمعته وسيرته لأنهم يعلمون جيّدا أنه لا يمتلك غيرها بينما هم يمتلكون المال وقنوات الدعاية والتشهير ويحتكرون الظهور فيها و من ثم قطعوا عليه طريق الردّ.

يأتي رد فعل الكاتب المنفي في الداخل عن هذا الأدب السعيد للمنافقين من الكتبة ضمن الكتابة نفسها وهو يتربّى تدريجيا كما النفي تماما الذي شبّهه واسيني الأعرج، بـ"المرض: لا يأتي دفعة واحدة، يتربّى في الأعماق إلى أن يصير قنبلة موقوتة تنفجر حين تشاء."

تقوم الأنظمة المعادية للثقافة الحق ملاحقة المثقف الحقيقي حتى بعد النفي بالتجويع فرؤية "المنفي وهو نائم نوما عميقا – كما يقول هيقو- يغيظ جامعي فتات الخبز من تحت موائد نيرون و تيبير. و يا للعجب، كيف ينام؟ إنه إذن سعيد، فلنقرصه!"

 

كمال الرياحي
(26 مايو 2008)