الإعلان

 

مجتمع قسم عام النساء والمافيا
النساء والمافيا
ستيفانيللا كامبانا   
"إنها دفعة كبيرة من التفاؤل والطاقة" ، تقول فرانسيسكا ريسبولي ، البالغة من العمر 28 عاما المنشغلة فى "Libera" جمعية مكافحة الجريمة المنظمة التي يديرها الرئيس الوطني دون تشوتّي. لقد عادت فرانسيسكا منذ وقت قصير من مدينة باري (جنوبي شرق إيطاليا)، حيث أسر ضحايا المافيا، إلى جانب 50 ألفا على الأقل من الشباب الذين أتوا من جميع أنحاء ايطاليا (أكثر من ألف فقط من محافظة بييمونته)، جاءوا لحضور "يوم التعهد والالتزام تخليدا لذكرى ضحايا المافيا" للمرة الثالثة عشرة.

النساء والمافيا |



أعضاء حركة "لا للإتاوات" No Pizzo من باليرمو كانوا هناك، وهؤلاء من جمعية "اقتلونا جميعا" "Ammazzateci Tutti" جاءوا من لوكري (جنوبي إيطاليا)، وكثيرون آخرون حضروا للمشاركة في التزام صعب . في باري استمعوا في صمت مؤثر إلى قراءة مطولة ومأساوية لأسماء ضحايا المافيا، وأيضا لأسماء هؤلاء الذين "قُتلوا بالصدفة" فقط لأنهم كانوا متواجدين في الوقت الخطأ والمكان الخطأ، وعوارض من الأهداف العشوائية التي اختيرت كـ "لحوم رمزية" (كما يكتب الكاتب سافيانو مؤلف "جومورا" وهي رواية تحكي عن ظاهرة المافيا) ليؤكدوا قوتهم دون منازع. هذه النشرة الحربية تخص أرضا، وإن لم تكن في حالة حرب رسميا، ولكن توجد بها مناطق بأكملها في جنوبها رهينة لأعمال العنف الوحشية من عصابات المافيا، وهي كارثة لا تُطاق في بلد متحضر. "مما لا شك فيه أن الأمور قد تغيرت في السنوات الأخيرة، ومع ذلك نحن بحاجة إلى كسر الصورة النمطية بأن نساء المافيا غافلات"، تؤكد فرانسيسكا.

هؤلاء النساء، يبقين، أكثر فأكثر، على تحويل دورهن التقليدي من أوصياء على ثقافة تعاليم المافيا المدونة إلى المشاركة المباشرة في الأنشطة الإجرامية (مثل تهريب المخدرات أو الإتجار بها). هذا يمكن قراءته على أنه تحرر زائف: لقد قاربن الوصول إلى "المساواة" على الصعيد الإجرامي، لأن "هؤلاء النساء يغريهن نفس منطق السلطة والقيادة الذي لشركائهن وأقاربهن"، تفسر فرانسيسكا. ومع ذلك، فإن المضمار الفردي لا يمكن المساس به وقيود النظام الأبوي سائدة.

النساء والمافيا | نساء الشرف هؤلاء قادرات على دعوة أبنائهن بأنهم "جبناء أوساخ" إذا أصبحوا انتهازيين، ويتصرفن بمثابة "عرّابات" أو "بديلات" إذا كان رجالهن هاربين أو مقبوضا عليهم، وهن أيضا رئيسات صوريات أو صاحبات شركات لغسيل الأموال القذرة. وتفانيهن في المافيا يجعلهن ينسين حبهن لأطفالهن. وهذه هي حالة جيوفانّا كانوفا التي هددت ابنتها ريتا أتريا بالموت لتثنيها عن التعاون مع العدالة .
هذه القسوة تواصلت حتى بعد انتحار ريتا الشابة ، في أعقاب موت القاضي باولو بورسيليينو الذي كانت تثق به. ولم تشارك أمها في جنازتها وأيضا حطمت صورة لها على القبر بمطرقة. وبورسيليينو كان قد قال أنه "إذا كانت الأجيال الشابة ترفض موافقتها، فإن المافيا القوية والغامضة سوف تختفي مثل الكوابيس". طنين هذه الكلمات وصل إلى طلاب المدرسة الثانوية والجامعة في لوكري بمحافظة كالابريا جنوبي إيطاليا، الذين شكلوا حركة خاصة بهم في نهاية عام 2005 بعد مقتل نائب رئيس المجلس، فرانسيسكو فورتونيو، وتجمع آلاف المشاركين من جميع أنحاء ايطاليا.

هؤلاء الشبان والشابات الحاضرون دائما في الذاكرة، الذين شاركوا في تشييع جثمان الرجل السياسي بينما كانوا يسيرون خلف لافتة تقول "الآن اقتلونا جميعا"، وفتاة تصرخ بكلمات مواجهة عبر مكبر الصوت، يمثلون تحديا موجها للمافيا لم يسبق له مثيل. وقد أصبحت الحركة الآن شركة امتياز وتعتزم أن تمثل الإدعاء في قضايا المافيا بشهادات اثنتين من بنات الضحايا هما: سونيا ألفانو، ابنة الصحفي بيبه ألفانو، الذي قُتل على أيدي المافيا؛ وروزانا سكوبيلليتي ، ابنة القاضي أنطونيو سكوبيلليتي، الذي قتل في عام 1991 وعمره 56 سنة من قبل عصابة إندرانجيتا. سكوبيلليتي كان المدعي العام في المحاكمات الهامة ونُقل من ميلانو إلى روما ليكون أقرب إلى مسقط رأسه في كالابريا.

وقد أدت به مكانته الوظيفية المرموقة إلى أن يصبح أهم وكيل للنائب العام للاتهامات لدى المحكمة العليا. وكان قاضيا لكثير من أهم قضايا المافيا، والكامورّا، والإرهاب. عندما قُتل، كان يُعد طلبا لرفض إستئنافات بعض أفراد المافيا الخطرين الذين أُدينوا في المحاكمة الكبرى الأولى للمافيا. روزانا سكوبيلليتي، وهي طالبة جامعية في الآداب، تلعب دورا نشطا في حركة "اقتلونا جميعا"Ammazzateci Tutti ، ووجهة نظرها قاسية ومتشددة: "كالابريا تعيش في حرب، ويجب على الدولة أن ترسل إلينا الجيش وليس فقط خبراء بشأن قضايا المافيا. وينبغي على الدولة أن ترسل قضاة إلى المحاكم المختلفة. كما يتعين على الدولة أن تراقب عمل مختلف لجان المافيا والمحاكم الدستورية، لترى من يعمل ومن لا يعمل من أجل أن يكون لها مساهمة جادة وفعالة. أسر ضحايا المافيا لا يمكن دائما أن تكون هناك للمراقبة والتحقق من أعمال المؤسسات والإبلاغ عن أوجه قصور تقاريرهم التي، للأسف، هي كذلك في كثير من الأحيان. إذا كانت دولتنا ستختار أن تعمل معنا ومن أجلنا، إذن سيمكننا أن نجد طريقة لإعطاء عدالة لموتانا وأسرهم". ما هي أسلوبها لإلحاق الهزيمة بعصابة اندرانجيتا؟ "اندرانجيتا التي نحن مجبرون للعيش معها، هي عصابة إجرامية ليس لها ما تحسد عليه من أبناء عمومتها من صقلية، ونابولي، ومحافظة بوليا، إذا نظرنا إلى الإتجار غير المشروع والسهولة التي يمكن لها أن تصل إلى أهم مقاعد سلطة الدولة. وهذا هو السبب - تفسر روزانا - أن الإدارات البلدية يجري فصلها أكثر فأكثر لتواطئها مع المافيا، والسياسيون الذين يديروننا يكشفون لنا أكثر فأكثر جانبهم المظلم. ونظرا لهذا الوضع، أعتقد أن اندرانجيتا ينبغي مهاجمتها وخصوصا في المجال السياسي."

منذ بعض الوقت، قرأت موضوعات عن كالابريا واقتربت من هذه الحقيقة، وأنا الآن مقتنعة بأنه توجد دولتان تعيشان معا: دولة رسمية نتذكرها فقط خلال مراسم تشييع "المشهورين" من ضحايا المافيا ويأتي ممثلوها وهم يرتدون اللباس الأسود لتقديم أكاليل الزهور لإحياء ذكرى المتوفى، ووعود سريعة الزوال، ومصافحة الأسر المكلومة للضحايا بذهن غائب. هذه الدولة مكتوفة اليدين ولا تستطيع في الواقع أن تضمن لجميع سكان كالابريا الحق في العيش في أراضيهم وممارسة أعمالهم بأمانة. وثمة 'الدولة' الأخرى التي، بالتواطؤ في صمت، تمارس سلطتها من خلال تأمين المال السهل، بإرهاب السكان الشرفاء وشراء صمت البعض بالتهديد والسلاح. وهذه هى 'الدولة' التي تسيطر بسيادة في كالابريا، الدولة التي يخشى المواطن البسيط كثيرا معارضتها ولكنها، بمرور الوقت، نجحت في وضع من هم في حمايتها أيضا ضمن ممثلي الدولة الرسمية.

ولكن هل يوجد أي أمل في التغيير؟ "نعم، يوجد. كالابريا يجب أن تُحدث تغييرا جذريا في ثقافتها وعقليتها. وأنا لا أدعي أنه يمكن أن تُهزم اندراجيتا بشهادتي، إلا أنني آمل على الأقل تقديم بديل لحياة الجيل الذي أنتمي إليه والذي أطلب منه بلا توقف أن يختار الوقوف إلى جانب واحد. وأتمنى أن يختار العدالة، رغم أنها أصعب الطرق وأن المؤسسات الحكومية لا تساعدنا في تقديم بديل لوظائف لا شك أنها قذرة ولكنها جيدة الأجر أيضا. أتمنى أن يتمكن شباب كالابريا من الانضمام إلى غيرهم من الشباب الذين وجدوا الشجاعة ليقولوا لا لـ "اندراجيتا"، والتنديد بها بالصراخ بالأسماء بصوت عال، حتى الشهيرة منها، لطلب الحقيقة والعدل، وطلب أن يستمروا في العيش في أراضيهم دون أن يضطروا إلى حل وسط مع عدم المشروعية… 'دون قيد أو شرط'. الاتهامات والثقافة هي الأسلحة الوحيدة التي يمكن للمواطنين العاديين استخدامها للوقوف ضد اندرانجيتا. لا ينبغي علينا أن نخاف نظرا لوجود الكثير منا… 'إنهم لا يستطيعون قتلنا جميعا'.

النساء والمافيا | ظاهرة مثيرة للاهتمام هي أن المرأة بدأت تتعاون مع العدالة. معظمهن من الأرامل، والأيتام، والأمهات، اللائي بعد الوفاة العنيفة لأزواجهن انتفضن ضد نظام، وسلطة، وثراء المافيا. في بعض الأحيان يتعاونّ من أجل الانتقام، ولكن هناك أيضا أخريات يفعلن ذلك كاختيار شخصي، دون تأثير من بعض الأحداث الجنائية .

حركات مكافحة المافيا شهدت حضورا قويا للمرأة منذ الثمانينات، مثل رابطة النساء الصقليات ضد المافيا، التي أنشئت بعد تصاعد أعمال العنف للمافيا. ريتا بورسللينو، شقيقة القاضي االمُغتال، هي من الشخصيات البارزة في هذه الرابطة، وكانت أيضا رئيسة لجمعية ليبيرا "Libera" ، قبل اختيار الخوض في السياسة. سيلفانا فوشينو تم اختيارها كواحدة من أبطال أوروبا من قبل جريدة تايم في عام 2005: ففي عام 2004 أحرقت المافيا شركة عائلتها، ولكنها تمكنت من توجيه الاتهام إلى خمسة عشر من المبتزين الذين تم إرسالهم إلى السجن. واليوم هي مجبرة على العيش تحت الحراسة بسبب أنشطتها ضد الابتزاز مع رابطة "سان جيوفاني للعدالة" التي أسستها والتي حفزت كثيرين: في غضون سنوات قليلة كان هناك أكثر من 1500 بلاغا. قصتها تحولت إلى رواية خيالية يجري عرضها عبر شبكة التليفزيون الإيطالية راي أونو في فترة الذروة المسائية.

ومع ذلك ، هناك أيضا نساء شجاعات على الجانب السيء. كثيرون يتساءلون إذا كانت اليوم قوة المافيا، القوة الشمولية القائمة على أساس القدرة على الحياة والموت، لا تزال في أيدي الرجال أو إذا كانت قد حصلت عليها المرأة التي تواصل أخذ أدوار جديدة . "أنا لا اعتقد أنه يمكننا حاليا الحديث عن السلطة"، تفسر ريناته سيبيرت، باحثة الاجتماع الألمانية بجامعة كوسينزا بكالابريا والتي تُعد من أكبر الخبراء في هذا المجال وهي لا تعرف أي منظمة إجرامية تقودها امرأة. لكن لماذا؟ الرجولة الغاضبة مع كل ما تنطوي عليه من شراسة نمطية للمافي ، يمكن إرجاعها إلى المشكلة المرتبطة بالهوية الذكورية. وهي تعتقد أيضا أن المواجهة مع الأجيال الجديدة ستكون حاسمة بالنسبة لمستقبل المافيا: "مسألة الأجيال يمكن أن تصبح نقطة هشاشة وضعف للمافيا". الأجيال الشابة هي أمل المستقبل.

 

ستيفانيللا كامبانا
الترجمة العربية: حسن فايق
(26 مايو 2008)