الإعلان

 

مجتمع قسم عام كيف عايش العرب أحداث 68
كيف عايش العرب أحداث 68
محمد مسعاد   
أربعون سنة مرت على تلك الأحداث التي هزت العالم في ماي/أيار 1968. أحداث ستظل عالقة في الأذهان كواحدة من أهم أحداث القرن العشرين. وإذا كانت المكتبات الغربية تحفل بالعديد من المؤلفات التي تتناول حركة 1968، فالأسف لا نكاد نعثر على ما من شأنه أن ينور طريقنا لمعرفة آثار هذه الأحداث على العالم العربي. و تأتي محاولة مجلة فكر وفن الصادرة عن معهد غوته الألماني لسد هذا الفراغ، وقد نجحت كعادتها في تقديم مادة جامعة تتناول ظاهرة 68 من زوايا مختلفة. جاءت مقالات العدد 88 من مجلة فكر وفن غنية بمقالات تعبر عن وجهات نظر مختلفة لكتاب ألمان و أوروبيين ونظراء لهم من الشرق الأدنى و الأوسط من إيران وتركيا والعالم العربي. وفي هذا السياق يسر موقع بابل أن يقدم شهادات لخمس مثقفين عرب في هذه الأحداث نجملها كالتالي حسب التصنيف الذي بوبت به المجلة هذه الشهادات تحت باب أطلقت عليه أصوات عربية.

فاضل العزاوي وجيل الستينات في العراق

يرى فاضل العزاوي أن الغرب مر من مراحل متعددة، قسمها إلى فترات زمنية بين عقد الخمسينات الذي شكل تحديا للغرب للخروج من مخلفات الحرب العالمية الثانية وعقد الستينات الذي حمل معه روحا جديدة تقوم على مراجعة شاملة امتزجت بالترويج لقيم مضادة للرأسمالية والتحرير الجنسي و معاداة الحرب ورفض الروح الاستهلاكية وإعادة الاعتبار إلى الحلم والتأكيد على المغامرة الفردية. وعلى الرغم من أن ما حدث في الغرب لم يحدث في العالم العربي حسب رأي العزاوي إلا أنه ترك مع ذلك الكثير من الأثر في جوانب مختلفة من الحياة السياسية والثقافية للناس، وهو أثر تداخل مع العديد من المؤثرات الأخرى، أهمها الصدمة التي خلفتها نكسة  67. حيث يقول الشاعر العراقي:" لقد أطاحت الستينات بحساسيتها الإنسانية الجديدة بالكثير من الرؤى المحافظة القديمة وفتحت الطريق أمام التحرير الشامل من الكثير من أوهام وعبودية فكر الماضي، مثلما أعطت في الأدب والفن الأولوية لحرية المخيلة والبساطة التعبيرية". يذهب فاضل العزواي إلى اعتبار أن عقد الستينات في العراق كان استثنائيا وأكثر تجليا من أي بلد عربي آخر، وقد حصل ذلك لتوافق تاريخي بين الشرط الكوني والمحلي في نظره. لا تكمن قيمة جيل الستينات العراقي في نظر فاضل في ما يعتبره بعض النقاد صراعا تقليديا بين الأجيال وإنما في النقد الذي وجهه الإبداع الجديد إلى حركة التحرر الوطني لحظة وصولها إلى السلطة، حيث انتقل الصراع من صراع مبسط، واضح المعالم بين الداخل والخارج، أي بين القوى الوطنية و القوى المهيمنة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى صراع بين الداخل نفسه، وهو صراع أكثر تعقيدا يتعلق بحل الكثير من المشكلات السياسية والاقتصادية والثقافية.  لقد مثل عقد الستينيات في العراق جوهر الحداثة العربية كحركة ثقافية وفكرية وإبداعية، بل أنه يرى أن الأصوات الشابة والواعدة والمهمة في العالم العربي، باستثناء العراق كانت أصوات منفردة. أما في العراق فإنها شكلت تيارا هيمن على كامل الحركة الثقافية وامتد من الشعر و القصة و الرواية إلى الرسم و النحت والمسرح. حاولت كتابات هذا العقد في العراق أن تقدم مفهوما جديدا لحداثة الأدب، وكان أهمها البيان الشعري لعام 69، ومن مقتطفاته نورد هذه الإشارة

" كان الشعراء في الماضي يسيرون في ركاب الملوك ويمجدون حروبهم التافهة..أما الشاعر الجديد الذي يواجه بؤس العالم فلا يمكن أن يكتب من داخل الجحيم، حيث يخوض حرب الحرية حتى النهاية"    

رشيد الضعيف: كلام لا يقالكيف عايش العرب أحداث 68 |

يقول الكاتب اللبناني رشيد الضعيف:" رأينا في هذه الثورة الطلابية، نحن اليساريين اللبنانيين واليساريين العرب عموما، دعما هائلا لمسيرة الحداثة و العلمانية التي كنا نظن أن المجتمعات العربية تسير فيها بخطى ثابتة وأكيدة وإن ببطء". لقد قيل كلام كثير في هذه الأحداث في نظر الضعيف غير أنه ينفي أن سبق له التوقيع على كلام يتناول التغيير الذي أدخلته هذه الثورة على حياته اليومية وعلى مصائر الناس الفردية وبالخصوص على علاقتهم بأجسادهم وبلباسهم وعلى العلاقة بين الذكور والفتيات من جيله، وعلى العلاقات الجنسية. لذلك فضل الضعيف أن تأتي شهادته هذه كنبش في هذه الأمور بالذات نظرا لأهميتها في هذا السياق من جهة و أيضا لكونها ظلت مغيبة في اهتمامات الكثيرين من المثقفين العرب من جهة ثانية. جاءت شهادة الكاتب اللبناني تعبيرا شخصيا عن معايشته لهذه الأحداث، حيث يقر أن ضعف لغته الفرنسية ووضعه الطبقي لم يسمح له بمتابعة ما كان يجري في الجامعات الغربية مباشرة من المجلات والجرائد باللغة الفرنسية التي كانت تعبيرا عن الطبقة السياسية اللبنانية وكان يكتفي فقط بالذهاب إلى المكتبات ليتفرج على الصور التي كانت تنشرها الصحف والمجلات لهؤلاء المتمردين. ويعترف رشيد الضعيف بالتأثير الذي مارسته هذه الصور عليه وعلى أقرانه المنحدرين من الأوساط الفقيرة، حيث وجدوا فيها تنفيسا عن مكبوتاتهم الطبقية والجنسية والأخلاقية، واللافت في الأمر يقول الضعيف" إننا كنا نعبر عن رفضنا للسلوك البرجوازي، ولم نكن نشكو منه لأننا بكل بساطة لم نكن نعرفه، فأهلنا في غالبيتهم كانوا فقراء".  لذلك كانت الفرصة مواتية للشباب للتمرد على بعض السلوكات والمظاهر كطريقة حلاقة الشعر و اللباس"... طولنا شعورنا وسوالفنا فشبهنا أهلنا بالبنات، وسخروا منا لأننا نشبههن، وليس لكونه رفضا لعاداتهم وسلوكهم.... ورغم ذلك ثرنا فرفضنا لبس البذلة ورابطة العنق واقتصر لباسنا على الجينز الذي كان طليعيا وثوريا.."كان الجنس هو الآخر حاضرا بقوة في هذا التحدي، حيث أرخت الثورة الطلابية بظلالها على شباب محروم من ممارسة جنسية لذلك أقبلوا عليه محاولين تحقيق حلمهم في التحرر. يستنتج قارئ مقالة رشيد الضعيف أن الأمر يتعلق بإشباع لنزوات بطريقة ساذجة أحيانا ولم يكن يتعلق الأمر بتلك الرجة التي أحدثتها حركة 68 في المجتمع الغربي فحتى حرية الجنس التي شكل علامة بارزة في هذه الحركة نجده في الحالة العربية أو على الأقل في لبنان فرصة للرجل لاصطياد فريسة لتحقيق حرية مزيفة. لقد جاءت مقالة رشيد الضعيف كنوع من التشكيك في ذلك الزخم الذي خلفته أحداث 1968 قبل أن يختم شهادته بنوع من التراجع عن هذا التشكيك و اعتبار أن "أثر هذه الأحداث يتعايش لا شك بشكل أو بآخر مع التحول المستجد"    
 
محمد بنيس: رحيل نحو الحريةكيف عايش العرب أحداث 68 |

"كلمة واحدة نطقت بها في دخيلتي، الحرية. ولم تتوقف الكلمة عن نحت مداراتها، في حركة لولبية، مخروطية، لا نهاية لها. وأتساءل هل ثمة كلمة تستحق أن نهتدي بها في الحياة و في الكتابة أسبق من الحرية؟ لا شك لدي فيها. كلمة منحتها لي ماي/ أيار 68 لتصبح العلامة على طريق هي التي اخترت أن تكون طريقي"

هكذا يخط الشاعر المغربي محمد بنيس طريقه وهو يتذكر تلك الرياح التي هبت عليه وعلى خياله وعلى كتاباته. رياح هبت عليه وهو لايزال طفلا صغيرا تتداخل فيها صدمة الهزيمة وصور حرب الفيتنام وحرب الجزائر. " وهاهي ثورة ماي 68 تأتي فجأة من حيث لايدري. جاءت لتنير له طريقا كانت "النكسة" قد شوشت عليها وفي البال صراع بين واقع مبتذل وحلم تؤثثه قصيدة هي تجربة بحث عن صيغة حرة للوجود، كما لدى شعراء عرب، مثل السياب أو أدونيس، أو لدى شعراء أوروبيين من أمثال هلدرلين و بودلير ورامبو والسرياليين، الذين كانوا أخذوا يعثرون على مكانهم في قراءات بنيس كما يقول. لعل مثال "رب صدفة خير من ألف ميعاد" يصدق على شاعرنا محمد بنيس الذي وجد نفسه بعد اجتياز امتحانات الباكلوريا وجها لوجه مع آثار انتفاضة 68 في شوارع وجامعات وحدائق باريس، شهر من التسكع والإنصات لصوت الثورة المجلجل. كان هذا الشهر الذي قضاه الشاعر في باريس فرصة له للإنصات إلى لغة الجسد في كل أبعاده، "كان الجسد أول ما اكتشفت حريته في تلك اللحظات. في كل مكان كان الجسد يختار الانطلاق من قسرية المتعاليات". كانت هذه التجربة التي عايشها الشاعر في جامعات باريس وشوارعها و بين حدائقها الدفعة التي ولدت لديه إحساسا بأن ماي 68 غيره وغير حياته وجعله يبحث عن الصوت الجديد في الثقافة العربية، حيث كانت مجلة مواقف الصادرة في بيروت سنة 69 صدى لما حدث في يونيو 67 وماي 68. وفي خضم هذه الصيرورة يتساءل مع نفسه هل الشعر هو الذي قاده إلى التحرر من الدوغمائيات؟ وهل هو الذي حرضه على أن يرى في ماي 68 طريقة في الحياة. هكذا يجد بنيس نفسه مقبلا على تأسيس مجلة" الثقافة الجديدة" التي شكلت نافذه جديدة في المشهد الثقافي المغربي و أشرعته على خطاب الهامش و الصوت الأحادي. إذ كان ماي 68 سيرورة لا تتوقف يقول: " ولا أدري كيف انتبهت إلى أن الشعر رسم حدود أحداث ماي كلها. الشعر في الشعارات وفي الكلمات، كما لو أن الشعر يمتلك أسرارا لا نقف على عتباتها إلا عندما يبتهج الجسد باستقبال أقصى جنون الحلم و الرغبة و الحرية. جسد جماعي لشبان جامعيين كان يهتدي بالنشيد الشعري، أو كأن الشعر هو ما احتل الشارع وقد انطلق من الجامعة ليحرر الرغبات المعتقلة".     

حسن خضر: قراءة فلسطينية في أحداث 68

يستهل الكاتب الفلسطيني حسن خضر شهادته بالإشارة إلى رواية الكاتب الفرنسي بيير دوشان " الموت حبا" التي صدرت في أوائل السبعينات. لقد تركت هذه الرواية انطباعا قويا في ذهن خضر و أقرانه لأسباب مختلفة أولها أنها رواية تتحدث عن الحب وثانيا لأن موضوعها يخرج عن السائد، إذ يعالج علاقة "غير طبيعية" بين مدرسة وتلميذها و ثالثا لأنها تجري على خلفية الثورة الطلابية لسنة 1968. فهذه الرواية في نظر حسن خضر كانت أفضل وأحسن وسيلة ليس لاكتشاف معنى تمرد الطلاب وحسب، بل وللعثور على صلة بين جيل خضر و بينهم أيضا. فالحب بين مدرسة و تلميذها يمثل تحديا لضوابط اجتماعية تقنن سلوك الأفراد. وطبعا كانت لهزيمة حزيران نصيبا وافرا في الإقبال على كل ما من شأنه نقد أو نقض القيم التقليدية يرى حسن خضر. كان اللباس وطريقة الحلاقة مجالين للصراع بين شباب يريد أن يذهب بعيدا في تبني شعار الثورة الطلابية ضدا على عدد من أشكال السلطة المادية والرمزية. وطبعا كان للكتب الدور البارز في إذكاء هذا الجو الثوري، حيث يرى حسن خضر أن منشورات دور النشر اللبنانية (الآداب والطليعة ) كانت متوفرة في الضفة وقطاع غزة في أواخر الستينات رغم الاحتلال. وهي خليط من أفكار ماركسية وقومية ووجودية تتمثل روح ذلك الزمن وذائقته. إن هذه الروح هي ما يستلهمها الكاتب الفلسطيني من هذه التجربة التي عاشها هو ومجايليه في المخيمات، وهم تلامذة في المدارس يقضون الليل جله في نقاش قضايا الحرية  والتحرر مستنيرين بما خطه كبار المثقفين الغربيين من أمثال سارتر وماركوزه و سيمون دوبوفوار، والغريب في الأمر في نظر خضر أن عدد من شباب إسرائيل في ذلك الوقت كان هو الآخر منكبا على قراءة الأسماء نفسها ولكن بروح أخرى طبعا. إن ما يطلق عليه جيل الستينات في نظر الكاتب الفلسطيني قد أحدث تغييرا في عوالمه الصغيرة وإن لم يتفوق في الإطاحة رمزيا بالأب، فإنه على الأقل فشل في التحول إلى أب صالح لجيل لاحق.       

إبراهيم فرغلي: ورثة 68 الحداثة في عوالم افتراضيةكيف عايش العرب أحداث 68 |

شكلت حركة "جاليري 68" لصاحبها الراحل إبراهيم منصور، صورة للرفض الثوري الذي كان له دور كبير في ترسيخ وجود جيل الستينات في مصر. لقد جسد إبراهيم منصور نموذجا لخلط المثقف المصري بين السياسي والايديولوجي بالثقافة. فهذا الجيل في نظر فرغلي "لعب دورا مهما في الستينات و السبعينات منطلقا من ظروف خاصة منها نكسة عام 67، لكن ليس من المستبعد أن تكون لحركة 68 دورا وتأثيرا بالغا في المظاهرات المرتبطة بذلك الجيل في نوفمبر 68 في مصر". لا يستبعد الكاتب المصري العلاقة الحثيثة بين حركة 68 في نسختها الأوروبية وتأثيراتها في مصر وبين أية محاولة للحداثة في الوقت الراهن، سواء في أشكال اللباس أو في العلاقات المفتوحة، وبدء مرحلة جديدة من الفهم المختلف للعلاقات بين الجنسين. وفي هذا الصدد يذهب فرغلي إلى ربط عدد من الحركات التي تعيشها أرض الكنانة اليوم بذلك الجو الذي حملته حركة 68، سواء تلك التي تستعمل وسائط الاتصال الالكتروني كالمدونات أو جماعة Support Sawiris  وهي جماعة تستهدف مناصرة رجل الأعمال نجيب ساويرس الذي يقدم عددا من الأنشطة الثقافية، من خلال مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية. أو تلك المبادرة التي أنشأتها على Face Book جماعة خاصة تقترح انتخابات افتراضية على شبكة الأنترنيت من أجل تصويت حر ونزيه على مرشحين للرئاسة المصرية. والملفت للانتباه في هذه التجربة أن التصويت يبتعد عن الأسماء المعروفة. ويختم ابراهيم فرغلي شهادته بقوله:" مصر 2008 تبدو لي أكثر تأثرا بحركة 1968، بكل ما تمثله من دعوة للتغيير، و تجاوز القيم المستقرة، والتحرر من عبء قيود أثقلت كاهلها طويلا ولا زالت: سياسيا واجتماعيا وقيميا ودينيا، عبر جيل شاب، يبدو وكأنه يستعيد حركات التحرر والتحديث، لكن بطريقته التي تنأى عن الصخب و الصوت العالي، والكلمات البراقة و الشعارات الثورية، وتقترب من الهمس، والحوار الفعال، و الأفكار الجديدة التي ينبغي لها أن تجد طريقها لتؤسس المناخ المناسب لليبرالية.

 

محمد مسعاد
(23 يونيو 2008)