الإعلان

 

مجتمع قسم عام بوتفليقة حاكما للجزائر "مدى الحياة"؟
بوتفليقة حاكما للجزائر "مدى الحياة"؟
ياسين تملالي   
بوتفليقة حاكما للجزائر "مدى الحياة"؟ | بعد خفوت دام أسابيع، تعالت من جديد الدعواتُ الموجهة إلى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لتقديم ترشحه لرئاسة الجمهورية في انتخابات أبريل 2009 وتعديل المادة 74 من الدستور بما يمكنه من ذلك. وتحدد هذه المادة - وهي وليدةُ تعديل دستوري صودق عليه في 1996 - عدد الولايات الرئاسية باثنتين.

ويُتوقع أن يستجيب عبد العزيز بوتفليقة لهذه الدعوات ويعلنَ قريبا عن استفتاء شعبي على دستور جديد، مستغلا إجماعَ أغلب دوائر السلطة، بما فيها المؤسسة العسكرية، على تمديد رئاسته. «ما يؤخر الإعلان عن تاريخ الاستفتاء ليس مرض الرئيس ولا معارضة الجيش لمخططاته. ما يؤخره هو الخلافُ بين أجنحة السلطة على محتوى التعديلات الدستورية»، يقول إحسان القاضي، أحد نشطاء "المبادرة المدنية من أجل احترام الدستور"، وهي منتدى أُنشأ في بداية السنة بهدف مناهضة "مشروع الولاية الثالثة". وعلى رأيه، فإن أحد نقاط الخلاف هو استحداثُ منصب "نائب الرئيس" من عدمه. وقد دفعت صحة عبد العزيز بوتفليقة المتدهورة إلى التفكير في دسترة هذا المنصب بغرض تفادي شغور رئاسة الجمهورية في حال ما لم يكمل ولايته الثالثة لأسباب صحية.

ولم يمنع مدبري الحملة المطالبة بترشح بوتفليقة لرئاسيات 2009 لا مرضُه - الذي يجبره على عدم ممارسة مهامه لمدد طويلة أحيانا - ولا ظهورُ بوادر فشل سياسته في العديد من المجالات : تجدد العنف المسلح وزيادة عدد الاحتجاجات الاجتماعية السلمية منها والعنيفة وتوضحُ عجز الحكومة، بالرغم من الأموال الطائلة التي تحفل بها الخزينة (احتياطي الصرف حوالي 150 مليار) عن تطوير الاقتصاد والقضاء على البطالة.

حملة "لادستورية" من أجل تعديل الدستور

وقد بدأت هذه الحملة في يناير الماضي، فتحول التلفزيون الحكومي إلى منبر لا حديثَ فيه سوى عن "مزايا برنامج الرئيس". ولم يدخر الحزبان الحكوميان (جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي) جهدا في إقناع الرأي العام بأن تطبيقَ هذا البرنامج يتطلب استمرار عبد العزيز بوتفليقة في الحكم. وحذت حذوهما العديد من المنظمات الدائرة في فلكهما، كاتحاد العمال واتحاد الفلاحين واتحاد الشباب، ثم توسعت "دائرة الموالاة" فاجتذبت عشرات الجمعيات التي لا هم لها منذ ولادتها سوى دعم المبادرات الرسمية أياً كانت هذه المبادرات.

وقد قُدمت شتى التبريرات لهذا الاستخفاف بالمادة 74 من الدستور، فبرر عبد العزيز بلخادم، رئيس الحكومة وجبهة التحرير الوطني، تعديلَها "بالنتائج الباهرة التي حققها الرئيس" منذ انتخابه أول مرة في أفريل 1999. وذكر من هذه النتائج "استتبابَ السلم الأهلي" (أي تراجع أعمال العنف المسلح بعد تسليم آلاف الإسلاميين أنفسهم في 2000 و 2004) و"تحسنَ الوضع الاجتماعي" و "ارتفاعَ نسبة النمو الاقتصادي".

وما أثار الاستغراب أن الإشادة بـ "استتباب السلم الأهلي" جاءت في سياق تزايد العمليات الإسلامية المسلحة وبلوغها قلب العاصمة (تفجير قصر الحكومة في 14 أفريل 2007 والمجلس الدستوري قي 11 ديسمبر 2007) بل واستهدافها الرئيسَ شخصيا (محاولة اغتياله في مدينة باتنة في 6 سبتمبر 2007).

وتكفلت الإحصائياتُ الحكومية ذاتُها بتفنيد زعم "تحسن الوضع الاجتماعي"، وتفيد هذه الإحصائيات أن 300 ألف من عمال الشركات العمومية فقدوا مناصب عملهم بصورة نهائية منذ سنة 2000. أما "تحسن نسبة النمو الاقتصادي"، فيجمع المختصون على أن الفضلَ فيه يعود لارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية لا "لسياسة بوتفليقة الرشيدة". يقول إحسان القاضي (وهو صحفي مختص في الاقتصاد) : "نسبةُ النمو تحسنت بفضل زيادة النفقات العمومية في السنوات الأخيرة، وما مكن من زيادة هذه النفقات هو ارتفاع عوائد الصادرات البترولية لا غير."

نحو حكم رئاسي أكثر تسلطية

ومن المرجح أن يشمل تعديلُ الدستور، بالإضافة إلى المادة 74، موادَ أخرى تحدد صلاحيات الرئاسة والحكومة والبرلمان. وليس من المستبعد أن توسع سلطاتُ رئاسة الجمهورية على حساب الهيئتين الأخريين، فحال اعتلائه كرسي الحكم في 1999، أبدى عبد العزيز بوتفليقة تذمره من دستور 1996، وصرح مرارا أنه "من غير المقبول أن يخول البرلمان صلاحية رفض برنامج الحكومة ما دام مستوحى من برنامج رئيس منتخب".

وبما أن الفرصةَ لم تتح لعبد العزيز بوتفليقة لتعديل الدستور مباشرة إثر توليه السلطة، فقد عمل على القفز عليه كلما اضطرته إلى ذلك متطلبات سياسته. ويمكن وصف رئاسته بأنها كانت سلسلة طويلة من المخالفات الدستورية. وقد بدأت هذه المخالفات بضع شهور بعد انتخابه في أفريل 1999، ففي بداية 2000، بذريعة التعجيل "ببسط السلم"، أصدر عفوا عاما عن مسلحي جيش الإنقاذ الإسلامي بالرغم من أن المادة 122 من الدستور لا تعطي هذه الصلاحية لغير البرلمان. وبعدها بشهور، في صيف سنة 2000، أصدر دون استشارة رئيس حكومته آنذاك، أحمد بن بيتور، أمرا رئاسياً يقضي بإعادة تنظيم القطاع الصناعي العمومي، ولم يكترث إلى أن المادّة 124 تنصّ على واجب صياغة الأوامر التشريعية الرئاسية في مجلس الوزراء.

وباسم "الحفاظ على النظام" و"القضاء على الفوضى"، تميزت رئاسة عبد العزيز بوتفليقة بخنق ممنهج للحريات القليلة التي نجت من حريق الحرب الأهلية (1992-1999)، وهي حريات يضمنها الدستور بنصوص صريحة. المادة 41 مثلا تحمي حقّ التعبير والاجتماع والمادة 42 تكرس حق إنشاء الجمعيات المدنية، إلا أن وزير الداخلية ينتهكهما بانتظام منذ سنوات، فالمظاهرات محظورة في العاصمة بقرار من واليها صدر في جوان 2001. أما الجمعيات، فلا يصرَّح بإنشائها لمن تشتم فيهم رائحة المعارضة، بل أن الإدارة ترفض مجرد تسليمهم وصلا يؤكد استلامها لملفاتهم. كذلك الأمر فيما يخص حق الإضراب (المادّة 57)، إذ لا يتردد الكثيرُ من الوزراء في الضغط على العدالة لاستصدار أحكام بلاشرعية الاحتجاجات العمّاليّة في القطاعات التي يشرفون عليها.

توسع معارضة "مشروع الولاية الثالثة"

وإذا كان الحزبان الحكوميان في غاية التحمس "لولاية بوتفليقية ثالثة" فإن شريكيهما الإسلاميين في الحكومة (حركة مجتمع السلم - حمس، وحركة النهضة) مترددان في دعمها. وقد بررا تأخرهما في توضيح موقفهما منها بعدم صدور مشروع الدستور الجديد. وأكثر ما تخشاه هاتان الحركتان تقليصُ سلطات البرلمان لفائدة المؤسسة الرئاسية، مما قد يترتب عنه تحجيم دورهما السياسي في البلاد.

وأبدت الكثير من أحزاب المعارضة رفضها لتعديل دستوري يستهدف إلغاءَ تحديد عدد العهد الرئاسية أو تقليص سلطات الحكومة وغرفتي البرلمان. ومن هذه الأحزاب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (علماني) والحركة الديمقراطية الاجتماعية (إحدى إفرازات الحزب الشيوعي الجزائري) وجبهة القوى الاشتراكية (يسار الوسط)، وهي تطالب بانتخاب جمعية تأسيسية تصوغ للبلاد دستورا توافقيا جديدا.

ويبدو أن مركز الثقل الرئيسي لمعارضة "الولاية الثالثة" هو "المبادرة المدنية من أجل احترام الدستور"، وشعارُها "الأولوية لتطبيق المواد الدستورية لا لتعديلها"، فبعد أن نظمت حملة جمع توقيعات على نصها التأسيسي والتقت بالعديد من قادة الأحزاب والشخصيات السياسية (مولود حمروش، أحمد بن بيتور، إلأخ) شرعت مؤخرا في تنظيم ندوات لشرح وجهة نظرها، داعية الجزائريين إلى "الدفاع عن القانون الأساسي" لأنه بالرغم من نقائصه، يضمن حدا أدنى من الحريات العامة ومن توازن السلطات. ويأمل أعضاء "المبادرة" من خلال هذه الاجتماعات العامة، حسب قول الصحفية باية قاسمي إلى إخراج مناهضة مخططات بوتفليقة من فضاء العاصمة الضيق أولا ومن دائرة المثقفين والصحفيين ثانيا، خصوصا وأن الكثير من الجرائد قاطعت بياناتنا، بسبب الضغوط التي تمارس عليها من قبل أجهزة النظام".

ياسين تملالي
(24 يونيو 2008)