الإعلان

 

مجتمع تونس تباين آراء التونسيين بشأن الاتحاد من أجل المتوسط
تباين آراء التونسيين بشأن الاتحاد من أجل المتوسط
كمال الرياحي   

في استطلاع للرأي قامت به مجلة"باب المتوسط"  مع بعض  المثقفين والسياسيين والبرلمانيين التونسيين حول رأيهم في "الاتحاد من اجل المتوسط"اتضح تباين كبير في الرأي  بشأن هذا الاتحاد فمن المثقفين من هو متفائل جدا بالمشروع ويرى فيه فرصة استثنائية لتفعيل العلاقات الأورومتوسطية والسعي إلى حل مشاكل الضفة الجنوبية من المتوسط  ومنهم من يراه مؤامرة تاريخية للإجهاز على القضية الفلسطينية والانقضاض على حقوق الشعوب وتحويل شمال إفريقيا إلى حارس أمين لمكتسبات الضفة الشمالية.بينما  رأى قسم ثالث أن هذا المشروع كذبة فرنسية أريد لها أن تستمر وقتا لكنها لن تصبح حقيقة أبدا لأنه مجرد أغنية انتخابية ألفها ولحّنها ساركوزي بحرفية عالية .
هنا استطلاع رأي حول هذا الاتحاد :


تباين آراء التونسيين  بشأن الاتحاد من أجل المتوسط | هشام حاجي: "مشروع غامض يدعو إلى التساؤل"

في تصريح خاص بباب المتوسط قال الصحفي والبرلماني هشام حاجي  ممثل حزب الوحدة الشعبية والأمين العام المساعد  للحزب و المكلف بالإعلام انه يتعين علينا النظر إلى مشروع "الاتحاد من اجل المتوسط"بطريقة تأخذ بعين الاعتبار بعض الجوانب الدينامية وكذلك ما يسم العلاقات بين ضفتي المتوسط من عقبات وحواجز هيكلية.
أوجد هذا المشروع ،في المستوى الشكلي، عند إطلاقه جدلا وتباينا في المواقف وساعد بعض الأنظمة كالنظام السوري على تجاوز ما أريد فرضه عليه من عزلة.كذلك أثير نقاش في مستوى دول المغرب العربي وكانت المواقف متباينة.
 وبقدر ما  نعتقد أن الاتحاد المتوسطي سيعود بالفائدة على تونس مثل تشغيل الإطارات في البلدان الأوروبية وتصدير السلع التونسية فإن  هذا المشروع يبقى محفوفا بسوء فهم عميق بين ضفتي المتوسط حول عديد النقاط التي  يمكن اختصارها في النقاط التالية:
إلى أي حد سيكون هذا المشروع مختلفا عن  مسار برشلونة ،يبدو انه ليس هناك من اختلاف.
العلاقات بين ضفتي المتوسط مازالت غير متكافئة و قضية الحد من حرية تحرك الأشخاص قد أوجد ظواهر جديدة كالهجرة السرية ،إلى جانب أن الشريك الأوروبي لا ينظر إلى دول الضفة الجنوبية إلا بوصفها أنظمة مدعوة للتصدي للهجرة و للإرهابيين مهما كانت الوسائل .
أما المسألة الأعمق فتتمثل في كيفية التعامل مع إسرائيل لأن اكتفاء مطلق المشروع بالتأكيد على مكانة و دور إسرائيل كعضو في الاتحاد لا يمكن إلا أن يزيد في الممانعة التي تقبل بها الرأي العام العربي المشروع السركوزي الذي إبان في خطابيه بداكار وأمام الكنيست الإسرائيلي عن نظرته الاستعلائية تجاه الثقافات غير الأوروبية.
كما بينت قمة طرابلس على تباين الآراء عند القادة العرب والمغاربة.لأن الوضعيات مختلفة فتونس مثلا ليس عندها ذلك العائق التاريخي الذي عند الجزائر والتي تطالب فرنسا بالاعتذار عن تاريخها الأسود في الجزائر .
يبقى أن نؤكد بدورنا أن المشروع لم تتبلور هويته الكاملة بعدُ.
وأوضح الحاجي  أن ساركوزي في مسايرته للشروط الألمانية وكأننا به يريد إطلاق المشروع فحسب .
وختم هشام الحاجي رأيه مشككا في استمرارية المشروع طارحا السؤال المحرج : هل في إمكان هذا المشروع أن يصمد ويستمر بعد مرحلة ساركوزي؟

تباين آراء التونسيين  بشأن الاتحاد من أجل المتوسط | د. صلاح الدين بوجاه : "فرصة استثنائية"

أما د صلاح الدين بوجاه رئيس اتحاد الكتاب و البرلماني عن الحزب الحاكم التجمع الدستوري الديمقراطي  فقد قال مصرّحا لـباب المتوسط: يعد الاتحاد من اجل المتوسط نتيجة للمخاض التاريخي الطويل الذي اتخذ شكل تبادل للأديان والحضارات عبر المتوسط فلقد تواظفت الثقافة اليونانية والرومانية والعربية على ضفافه شمالا وجنوبا خلال قرون متتالية مما أكسبه حقا ملامح موحّدة أو قريبة وجعل المحللين ومنهم فرناند بروديل يؤكدون أن المتوسط نتاج حتمي للجهد البشري عبر العصور.
وحول سؤالنا عن مشروعية هذا الاتحاد ورأيه فيه يجيب بوجاه:إننا نقدّر أن التفكير في الاتحاد من اجل المتوسط تفكير واقعي جدا ويتسم بجوانب عملية واضحة شرط أن يفكروا  في انجاز المتوسط .فالنزاعات على ضفافه كثيرة متعددة منها تلك التي تخص المجال التركي ومنها الأخرى الموصولة بالمجال العربي الإسرائيلي وحتى تلك الناشئة بين بلدان شقيقة مثل الجزائر والمغرب وقضية الصحراء الغربية ..
و مع ذلك فإن بوجاه يرى أن الإقبال الواقعي على هذه الفرصة التاريخية في زمن العولمة هو الكفيل لتحقيق هذا الحلم.
وحول مدى استعداد تونس لخوض هذه المغامرة المتوسطية يجيبنا البرلماني التونسي: تونس ثقافيا و سياسيا مهيّئة لهذه المغامرة المحسوبة خاصة أن منطق إنشاء فضاءات الخدمات الذي تراهن عليه تونس يتماشى تماما مع توسيع مجالها الثقافي و السياسي.

تباين آراء التونسيين  بشأن الاتحاد من أجل المتوسط | د. مصطفى بن جعفر: "اتحاد أهمل الجانب السياسي و مهوس بضمان أمن أوروبا"

أما الدكتور مصطفى بن جعفر الأمين العام للتكتّل الديمقراطي من أجل العمل والحرّيات.فالاتحاد بالنسبة اليه  كان مشروعا ذا مرجعية فرنسية انطلق ممّا عرف بـ "تقرير ابن سينا " وحاول عبر تقييم مسار برشلونة وسياسة الجوار أن يكشف عن أسباب التعثر وأن يستنتج الحلول التي عجز الاتحاد الأوروبي وسياسة الشراكة ثمّ الجوار مع بلدان الجنوب عن تحقيقها. صياغة المشروع تسعى إلى خلق توازن أكثر تكافؤا على مستوى الاتحاد الأوروبي نظرا إلى أنّ مسار برشلونة رجّح الكفّة لصالح بلدان أوروبا الشرقية على حساب منطقة المتوسط. هذا التمشّي يفسّر إلى حدّ بعيد ردود الفعل السلبية من الجانب الألماني عند الإعلان عن المشروع وسعي اللجنة الأوروبية إلى تعديل المشروع وتحويله في النهاية إلى " اتحاد من أجل المتوسط " لا يضمّ بلدان المتوسط فحسب بل كذلك كلّ البلدان المنخرطة في الاتحاد الأوروبي. من جهة أخرى رأى د بن جعفر أن الضغوطات من الاتحاد الأوروبي والتنازلات من الجانب الفرنسي أفقدت المشروع إضافته الهامّة، أي مركزيّة المنطقة المتوسطية وقضاياها ومشاكلها، وجعلته " مندمجا " أو " متكاملا " متواصلا مع مسار برشلونة.
و أضاف ابن جعفر أن هناك نقطة على قدر من الأهمية وهي أن مشروع الرئيس ساركوزي أغفل الجانب السياسي جملة وتفصيلا وقد أكدت تصريحاته أنّ ذلك أتى عن قصد حيث اختار تجنّب المسائل التي تثير تحفظا أو قلقا لدى حكومات جنوب المتوسط وبخاصة لدى النظم التي ركزت سياساتها على محاصرة الحريات وتجريم الرأي المخالف.
هذا ما دفع أمين عام التكتل الديمقراطي إلى الإقرار بأنّ مسار برشلونة، على علاّته ورغم نواقصه، أعطى لمسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان مكانة وقيمة لا يمكن التشكيك في مصداقيتها ولو اعتبرنا أن النتائج بقيت ضعيفة بالمقارنة مع ما أعلنت عنه النوايا.
 و صرح لنا د بن جعفر أنه رغم تجربة الشراكة التي تواصلت قرابة 13 سنة، تبقى بلدان جنوب المتوسط مهّمشة، ليست فاقدة للمبادرة فحسب بل غير قادرة على استيعابها واستغلال الفرصة لتقديم مقترحات موحّدة ومتناسقة تخدم مصلحة الشعوب وتعطي للدّول ثقلا يمكنّها من التأثير في نحت مصير هذه المنطقة الإستراتيجية وتحقيق الأهداف المعلنة من أمن وسلام ورفاه متقاسم.
في النهاية يمكن القول أنّ المفيد من المبادرة الفرنسية، رغم ما لحقها من تغييرات، يكمن في تسليط الضوء على المنطقة المتوسطية التي لم تحظ بما تستحق من عناية سياسية وتعبئة في مجال الاستثمارات. غير أن مشاكل المنطقة المزمنة لن تجد حلولا جديّة طالما لم يحدث التغيير الذي نطالب به ونناضل من أجله منذ سنوات والمتلخّص في ضرورة أن تراجع أوروبا وبالخصوص بلدان الضفة الشمالية للمتوسط نظرتها لبلدان الضفة الجنوبية والتي طغى عليها إلى حدّ الآن هاجس الخوف من التطرّف والإرهاب وضرورة التصدّي لما يخرج عن إطار الهجرة المنتقاة. لا بدّ أن تستعيد الكلمات مثل " المستقبل المشترك " و " القيم المشتركة " وحوار الشعوب والحضارات " معانيها حتى لا تبقى مجرّد شعارات تسوّق في المناسبات والخطب الرسمية الموسمية.
و حول دور أوروبا في ايجاد حل عادل للقضية الفلسطينية يقول ابن جعفر" لا بد لأوروبا  أن تضطلع بدورها بجدّ لإيجاد حلّ عادل للصراع العربي الإسرائيلي حسب القرارات الدولية وحسب القيم التي ناضلت وضحّت من أجلها شعوب أوروبا مثل حق الشعوب في الحرية وتقرير المصير، بعيدا عمّا نلمسه لدى بعض الأطراف من انحياز أعمى للمحتل المستبدّ.
كما يجب أن يعير المشروع مكانة خاصة لضرورة انسجام الأنظمة السياسية بين الضفتين ولقضية الديمقراطية وحقوق الإنسان فلا مستقبل مشتركا بين شعوب تنعم بالرفاه والحرّية وشعوب ترزح تحت نير الفاقة والاستبداد. أمّا المسألة الأخرى فتتمثّل في ضرورة تحمّل دول الجنوب لمسؤولياتها وأن تعتبر أنّ واجبها لا يتمثل في انتظار العون من الشمال مقابل القيام بدور الحارس لحدوده والحامي لمصالحه، بل يتمثل في احترام إرادة شعوبها وتكريس قيم المواطنة مع السعي الجادّ والحثيث لبعث وحدة إقليمية متكاملة وبناء المغرب الكبير الذي لن يكون بدونه الحوار مع الشمال حوار النديّة والتكافؤ.

تباين آراء التونسيين  بشأن الاتحاد من أجل المتوسط | هادي دانيال: "مجرد تحايل جديد على الدولة الفلسطينية"

من جهة أخرى كان لنا لقاء مع أحد المثقفين والأدباء العرب المقيمين في تونس منذ أكثر من عشرين سنة وهو الشاعر والإعلامي السوري هادي دانيال العضو الناشط في  منظمة التحرير الفلسطينية:أنا من دعاة جعل المتوسط حوض سلام ولكن السبيل الوحيد إلى ذلك هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي و إقامة دولة فلسطين وعاصمتها القدس وتمكين الفلسطينيين من جميع حقوقهم المشروعة وأولها الحق في عودتهم إلى وطنهم بدون ذلك كل دعوة إلى منظومة متوسطية أو شرق أوسطية هدفها دعم ما يسمى إسرائيل ودمجها في محيطها على حساب الشعب الفلسطيني الذي تستمر معاناته وتكون فكرة الاتحاد المتوسطي التي دعا إليها ساركوزي غير عادلة وبديلا لفكرة فلسطين التي دعا إليها المفكر الراحل ادوارد سعيد .يبدو أن هذا الاتحاد الذي  يأتي على أنقاض الشرق الأوسط الجديد الذي أفشلته المقاومة العربية  مجرد تحايل جديد على شعوب المنطقة والعرب منهم بخاصة .

 

 

 

 

محمد الجابلي: "لا مستقبل لاتحاد يدعم الديكتاتوريات"
تباين آراء التونسيين  بشأن الاتحاد من أجل المتوسط |
أما محمد الجابلي نائب رئيس رابطة الكتاب الأحرار فيرى أن لا مستقبل لتحالفات لاتحترم  إرادة الشعوب فمن حيث المبدأ العام- يقول الجابلي-  نرى أن العالم الحالي قائم على التحالفات والتكتلات، السياسية والاقتصادية، وكل الشعوب التي تريد أن توجد بالفعل عليها أن تتحالف وان تبحث عن امتدادات، لكني أعتقد أن دعوة ساركوزي لحلف متوسطي هي محاولة استعادة الدور الفرنسي الفاتر في مقابل التوسع الاقتصادي والإستراتيجي الأمريكي...
أما فيما يخص الشعوب المتوسطية، فهذه التحالفات لا يمكن أن تكون لصالحها على اعتبار أنها لا تستند إلى أرضية ثابتة ومهيأة، كتفعيل دور الجمعيات المستقلة وخلق ديناميكية حقيقية وحوار حقيقي بين مؤسسات المجتمع المدني، وهذا الحلف سيظل في السطح السياسي دون تفعيل، إضافة لما يمكن أن يداخله من مغالطات وتجاهل لإرادة الشعوب و حقها في تقرير مصيرها، كأن يكون بوابة جديدة يسعى إليها ساركوزي لخدمة مصالح رؤوس الأموال الكبرى إضافة إلى خدمة أهداف صهيونية كالتطبيع مع إسرائيل... وزيادة دعم وإضفاء المشروعية لأنظمة دكتاتورية فقدت كل مبرّرات وجودها ، وهي لا توجد إلا عبر القمع والإمعان في تأخير شعوبها.
نقول في النهاية أن كل التحالفات التي تغيب إرادة الشعوب عمرها قصير ولا مستقبل لها.

الصحفي صحبي صمارة: "شراكة حكومات لا شراكة شعوب"

الصحفي و الباحث الصحبي صمارة من جريدة مواطنون المعارضة رأى أن  هذا المشروع لم يكن نتيجة لتطوّر الظروف الموضوعية لشعوب ضفّتي المتوسّط واندماجها في خيار اقتصادي وسياسي وثقافي مبني على التشارك بل هو نسخة أخرى، مع بعض التغيير، من مسار برشلونة الذي يترسّخ فشله عاما بعد آخر وقد مرّ عليه اليوم 14 سنة فيما لم يتمّ تفعيل أيّ بند من بنوده لصالح شعوب المنطقة الجنوبية.
و حدثنا صمارة قائلا أن الرئيس الفرنسي اختار أقصر الطرق لإعادة فرنسا إلى الواجهة الأمامية للسياسة الدولية ولكنّ الاعتراضات والانتقادات التي لاقاها المقترح من طرف شركاء فرنسا في الاتحاد الأوروبي تؤكّد وجود تنافس وصراع بين بلدان هذا الاتحاد أنفسهم. ومن الواضح أنّ المشروع، رغم الإعلان عن انطلاقه، يسير بخطى متعثّرة ولم ينجح إلاّ من حيث الضجّة الإعلامية التي أثيرت حوله.
على صعيد آخر تمثّل هذه الأنماط من المشاريع مداخلا جديدة لإعادة ترتيب السيطرة التي تمارسها الضفّة الشمالية للمتوسّط على شعوب الضفّة الجنوبية. فالشراكة الحقيقية تتطلّب، من حيث الأصل، تقارب الإمكانيات وتساوي الحظوظ في النجاح أمّا أن تكون جبّة جديدة لتغليف الاستثمارات التي تقدّم الأرباح المهولة والنجاحات لاقتصاديات البلدان المتطوّرة وتقدّم، بالمقابل، المزيد من الشقاء والفقر والتهميش للبلدان الفقيرة فإنّه لا يمكن اعتباره بأيّ وجه من الوجوه نوعا من الشراكة.
وفيما يتعلّق بترحاب بعض حكومات جنوب المتوسّط بالمشروع أرجعها الصحفي صحبي صمارة   إلى انعدام رأي شعوب هذه الحكومات التي لم تستفت في موقفها بل لم يتمّ إطلاعها على ما يتضمّنه المشروع من تحرير مفرط للسوق وواقع منافسة حادّ وغير متكافئ واستغلال لليد العاملة وللأدمغة التي لم تحظ بفرصة المشاركة في بناء مجتمعاتها وتطويرها، وهو علامة على تغييب مستمرّ لإرادة هذه الشعوب. في نفس السياق تمّ اللعب سياسيا من قبل هذه الأنظمة بالبعد الديبلوماسي لورقة المشروع لتعبّر عن انفتاحها التام تجاه الآخر الأوروبي فيما تمارس انغلاقا تاما وإقصاء حادّا تجاه شعوبها.
 و أكد صمارة أن المشروع  تغافل عن نقطة مركزية هي القضية الفلسطينية والموقف من إسرائيل حيث يسعى المشروع إلى إذابة حقيقة الصراع من أجل حرّية الشعب الفلسطيني والمستمرّ منذ أكثر من تسعين عاما. وإذا كان موقف بعض البلدان العربية يعبّر عن تحفّظ فيما يتعلّق بالتطبيع مع إسرائيل فإنّ ذلك من باب الركوب على الحدث للاستفادة منه، فيما تكمن الحقيقة في عدم تصفية الاستعمار القديم لنفسه وعدم جدّية الحكومات الأوروبية في مساندة الشعب الفلسطيني لاستعادة أرضه وبناء دولته هذا فضلا عن بقية الأراضي العربية المحتلّة رغم قرارات الأمم المتّحدة.
و وصف صمارة   الموقف الأوربي بالازدواجية  فيما يتعلّق بحقوق الإنسان والديمقراطية، وبالعودة إلى موقف وزيرة حقوق الإنسان الفرنسية أثناء زيارة ساركوزي لتونس، التي التزمت بالصمت التام إزاء المشهد الحقوقي في تونس تحت عنوان خصوصية المشاكل الداخلية، نستنتج بجلاء أنّ الأنظمة الرأسمالية في أوروبا لا يعنيها سوى الانتشار والتوسّع وحصد الأرباح وضمان مصادر الطاقة وتسويق منتجاتها دون اعتبار لمستحقات هذه الشعوب في الاندماج في المجتمعات المتقدّمة سياسيا وثقافيا والتي تعيش مناخا ديمقراطيا. ولعلّ أبرز الأدلّة على السعي للاستفادة من سوء أوضاع شعوب الجنوب هو الاتفاق الممضى بين فرنسا وتونس في الفترة الأخيرة والمتمثّل في فتح الباب أمام الهجرة التي تستهدف الأدمغة حيث تنصّ شروط تقديم ملفّات الهجرة على تسهيل قبول الحاصلين على شهادة الدكتوراه في تونس أي النخبة المتميّزة التي عجزت البلاد عن إدماجها في سوق الشغل المتهاوي.
و ختم الصحفي التونسي رأيه بقوله: "يبدو مشروع الاتحاد من أجل المتوسّط مجرّد إطار سياسي لتنظيم شراكة عرجاء ستزيد من الهوّة الحضارية القائمة عمقا وستكشف أنّ شعوب جنوب الضفّة لا يزالون مجرّد ضحايا لعقل تآمري تمارسه رأسمالية الدول المتقدّمة وتغلّفه بأغلفة وشعارات حول الانفتاح والديمقراطية والمساواة فيما لا يتعدّى الأمر المزيد من فتح البوابات المشرّعة لتصدير أزمات هذه البلدان فيما يتعلّق باليد العاملة والطاقة والأسواق الاستهلاكية والبحث عن حلول لدى شعوب الهامش. فلا يمكن الحديث سوى عن شراكة حكومات بلدان الضفتين لا عن شراكة واتحاد شعوب الضّفتين للفوارق الواضحة والجوهرية بين شعوب حرّة وشعوب مقيّدة." 

أما على المستوى الشعبي التونسي فإن المواطنين و النخب لا يرون خطرا كبيرا من دخول تونس للاتحاد لأنها تدخل المشروع بإغراءات كبيرة أهمها أنها موعودة لأن تكون العاصمة الجنوبية للاتحاد.و في نفس الوقت هي لن تغامر بنفطها مثل ليبيا و لا بغازها مثل الجزائر و تونس ليس لها أحلام توسعية أو مشاريع اتحادات أخرى مثل ليبيا التي تحلم بتحقيق الاتحاد الإفريقي و لا هي مثل الجزائر المورطة في شرطها للتطبيع مع فرنسا انتزاع اعتذار منها على ما اقترفته من جرائم في حقها أثناء حرب التحرير .و لن تدخل تونس في مساومة على مصالحها الإقليمية مثل المغرب و الجزائر بخصوص الصحراء الغربية .
في هذا الإطار يمكننا أن نفهم الإجابة التونسية بـ"نعم نعم" .لكن يبقى  موضوع حقوق الإنسان الذي تهدد به  بين حين و آخر الجرح الذي سيضغط عليه الطرف الأوروبي كل مرة ،و إن كان الواقع يقول أنه كلما  حضرت المصالح الإستراتيجية و ازدهر اليورو تراجع الحديث عن حقوق الإنسان لصالح "حقوق البنوك" .

كمال رياحي
(12 يوليو 2008)