الإعلان

 

مجتمع قسم عام ساركو وحصان نابليون
ساركو وحصان نابليون
محمد مسعاد   
شخصيا، لا مانع لدي في توشيح صدر الرئيس نيكولا ساركوزي بوسام الرئيس الأكثر إثارة في العشر سنوات الأخيرة. فالرجل ومنذ أن ولج ركح السياسة وصوره لا تكاد تفارق عناوين وسائل الإعلام بكل أشكالها، الورقية والسمعية والبصرية والرقمية. فمنذ خرجاته الأولى ضد الأجانب المقيمين على أرض فرنسا ودعواته المتكررة إلى تشديد القوانين ضدهم ثم تصريحاته العنيفة ضد أبناء الضواحي الذين حولوا المدن الكبرى إلى صفيح ساخن احتجاجا على سياسة الغيتوهات التي تنهجها حكومة باريس تجاههم، بل أن حتى مأساة الممرضين البلغاريين وسر تحريرهم ارتبطت باسمه، ولم يتوقف هذا اللغز عند هذا الحد بل انضافت إليه أيضا قصة تحرير مرشحة الرئاسة الكولومبية، دون أن ننسى جولاته التي يرمي من ورائها تصدير الخبرة الفرنسية في مجال الطاقة النووية في الوقت الذي يسير الاتحاد الأوروبي في اتجاه تقليصها على أراضيه. بالإضافة إلى حكاياته مع سيسيليا وكارلا التي ألهبت شعور الملايين من المتتبعين لقصة طلاقه وغرامياته التي احتلت صفحات الإعلام.

وها هو اليوم يركب حصان نابليون ويروج لمشروع جديد اسمه "الاتحاد من أجل المتوسط". ضفة البحر الأبيض المتوسط،، هذه الرقعة الجغرافية التي حلم ساسة كبار عبر العصور بالسيطرة عليها. لقد تمكن من أن يخلق لفترة رئاسة بلاده للاتحاد الأوروبي حدثا سيكون الأبرز في أجندة حكومات أعضاء الاتحاد الأوروبي، بل حتى دول الجوار الجنوبي ستكون هي الأخرى محكومة بهذه الأجندة التي ستنال الحيز الأكبر من اهتمامات 43 دولة تضم حوالي 765 مليون نسمة تمتد من سواحل غرينلاند الدانمركية إلى صحراء الأردن وضفاف المغرب الساحلية على المحيط الأطلسي. لم يكن من السهل على الرئيس الفرنسي الترويج لمشروعه الجديد أمام تخوف العديد من الدول الأوروبية التي رأت في أفكاره تهميشا لها، وتحفظ العديد من الدول الجنوبية التي رأت في المشروع مخططا جديدا للأفكار القديمة بالتحكم في حوض البحر الأبيض المتوسط.

وإن يبدو ظاهريا أن عددا من العقبات دللت أمام هذا المشروع بتبني دول الاتحاد الأوروبي بالإجماع لهذا المشروع بعد تعديله من الاتحاد المتوسطي إلى الاتحاد من أجل المتوسط. وتقليص جبهة الرفض، فإن العديد من الأسئلة لا تزال مفتوحة و وتنتظر أجوبة مقنعة، وهي أسئلة مرتبطة أساسا بعدد من القضايا التي تشكل تفاوتا في وجهات النظر بين دول الاتحاد الأوروبي و الدول الجنوبية خصوصا العربية منها، وأجملها في ثلاثة قضايا: الديمقراطية وحقوق الإنسان، الهجرة والإرهاب، النزاعات الجهوية والإقليمية. لكن قبل توضيح هذه النقط لابد من طرح سؤالين شرعيين هما: هل يشكل هذا الاتحاد بديلا عما سمي بمسار برشلونة الذي سار في الاتجاه نفسه أي تقوية العلاقات بين الاتحاد الأوروبي و دول الجوار الجنوبي؟ و هل فشل هذا المسار في تحقيق أهدافه؟ كما أن إشكالية انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي تطرح سؤالا آخر لا يقل أهمية عن التساؤل الأول، وهو هل يشكل هذا الاتحاد بديلا لرغبة تركيا في انضمامها للاتحاد الأوروبي؟ و ما يعطي شرعية أكبر لهذا السؤال هو تصريحات ساركوزي نفسه الذي يعارض انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي في المقابل يدافع على أن المحيط الحضاري والثقافي لتركيا هو الاتحاد المتوسطي وليس الاتحاد الأوروبي بحكم الإسلام الذي يدين به أغلبية الشعب التركي، وهو ما يتعارض مع البعد المسيحي و اليهودي لدول الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي فجر صراعا حضاريا و ثقافيا كاد يهدد بموت هذا المشروع قبل انطلاقته. ويبقى فشل مسار برشلونة خصوصا في تقليص الفروقات التنموية بين الضفة الشمالية و الجنوبية، أحد العوامل التي تهدد المشروع الجديد على اعتبار أن التفاوتات كبيرة في مجال الحرية والمعرفة و دور المرأة و الجانب الاقتصادي و الاستثمار. فعلى الرغم من الأهداف السياسية التي قطعها المستثمر الأوربي على نفسه في إطار مسار برشلونة، فأن المؤشرات الاقتصادية تؤكد ضعف هذا العامل فمقابل كل تسعة يورو كاستثمار في دول المعسكر الشرقي سابقا، لم يتعدى اليورو الواحد في الضفة الجنوبية. كما أن نسبة الاستثمارات الأوروبية في الضفة الجنوبية لا تتعدى اثنين في المائة بالمقارنة مع الاستثمارات الأمريكية التي تتجاوز 17 في المائة من حجم استثمارات واشنطن في محيطها الجغرافي في أمريكا الوسطى و اللاتينية و 20 في المائة التي تستثمرها اليابان في محيطها الآسيوي.

من دون شك هي كلها قضايا سترخي بظلالها على تعامل هذه الدول فيما بينها دون أن ننسى أهم القضايا التي تطرح تحديا كبيرا في التعامل داخل هذا الاتحاد:  

1 ـ الديمقراطية و حقوق الإنسان

كيف سيتعامل هذا المشروع مع هاتين النقطتين لما لهما من تأثير مباشر على التنمية المستدامة؟ فكيف سيكون تعامل هذه الدول و قطار السياسة والحكم يسير على سكتين مختلفتين، واحد للدول الشمالية حيث صناديق الاقتراع و البرلمان هما الأساس في الحكم، فحين أن الضفة الجنوبية إما أنها ترزح تحت ملكيات شمولية أو أنظمة رئاسات ملكية أو أنظمة قبلية/عشائرية؟ وهو ما تكون له نتائج مباشرة على حقوق الإنسان التي تبدو أنها آخر نقطة في أجندة الدول الجنوبية ولنا في عدد من الحالات أمثلة حية على تدهور حقوق الإنسان في الضفة الجنوبية بالإضافة إلى غياب الحكامة الجيدة.  

2 ـ المهاجرون والارهاب

لا غرو في أن المهاجرين والإرهاب هما صلب الإشكال الذي يحكم علاقة دول الشمال الأوروبي بدول الجنوب، فلا يعقل أن نتصور اتحادا من هذا الحجم يسمح فيه بتنقل السلع و الرساميل دون حواجز أو عراقيل. أما فيما يخص تنقل البشر فالأمر يخضع لمقاييس أخرى يحكمها الهاجس الاقتصادي و الأمني. فالهجرة والتي اعتبرت عامل بناء اقتصادي التجأت إليه أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية لبناء اقتصادياتها التي دمرتها الحرب، نرى اليوم أن الغرب الأوروبي وضع شروطا جديدة تحد من تحركاتهم، بل أن أوروبا الآن لم تعد في حاجة إلى السواعد المفتولة قدر حاجتها إلى العقول، وهو ما يهدد باستنزاف دول الجنوب لطاقاتها و إمكانياتها في مجال الأدمغة. أضف إلى ذلك أن الغرب ينحو الآن إلى وضع حواجز تقي الاتحاد الأوروبي من تدفق الهجرات الجنوبية، بل أن هناك مشاريع ترمي إلى تحويل بعض الدول جنوب حوض البحر الأبيض المتوسط إلى شرطي لحماية الشمال من كل تدفق غير مرغوب فيه، ولنا في مخيمات السنغال خير مثال على ذلك. الأمر لا يتوقف عند هذا الحد بل هناك من يرى أن المشروع ما هو إلا بنك معلومات كبير لتتبع ومراقبة الخلايا النائمة للحركات الإرهابية التي أصبحت خطرا يهدد مصلحة الشمال و الجنوب.

3 ـ النزاعات الإقليمية و الجهوية

إن أخطر ما يتهدد هذا المشروع بالفشل هو الصراعات و النزاعات التي تعيشها الضفة المتوسطية الجنوبية ويبقى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أكبر عائق في استتباب الأمن و السلم في المنطقة. فلا أكاد أتخيل سلم اجتماعي أو سياسي دون أن تكون لفلسطين دولتها المستقلة، و يبدو أن أوروبا عاجزة على إقناع إسرائيل بخطوة جريئة في هذا المجال. دون أن نغفل ما يعيشه لبنان من مشاكل تبدو في أغلبها مرتبطة بأجندة دول الجوار أكثر من اتفاق داخلي يهم الأطراف اللبنانية، أضف إلى ذلك ما تعيشه العلاقات المغربية الجزائرية من فتور بسبب مشكل الصحراء. و التي تجعل مثلا نسبة التبادل التجاري بين دول المغرب الكبير لا يتجاوز 3 في المائة في الوقت الذي تتجاوز 60 في المائة مع البلدان الأوروبية. إنه غيض من فيض يفرض نفسه على هذا الاتحاد و مبادرات أخرى. فالأمر لا يتعلق بخطوات تسويقية لمشروع متفاوت الأهداف بين دول الشمال التي تعيش في ظل الرفاهية الاقتصادية و دول الجنوب التي تعيش وضعا اقتصاديا و سياسيا و ثقافيا أقل استقرارا من نظيرتها لدى دول الشمال.  

لا يبدو في نظري، أن الشروط  السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة حاليا تشكل عاملا مشجعا لنجاح هذا المشروع، فالأمر لا يتعلق بالاستهلاك الإعلامي لطموحات استعمارية أو تبادل التحايا بين هذا الرئيس و آخر، بقدر ما تفرض التحديات الحقيقية نهج سياسة متوازنة وواقعية ترمي إلى تحقيق الإقلاع الاقتصادي لدول الجنوب وسن حكامة جيدة قوامها الاختيار الحر والقضاء العادل. وأخيرا إن الديمقراطية وحرية التدين و حرية تنقل الإنسان هي جزء أساسي من هذه المعادلة بما تقر به التشريعات الدولية وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة.   

محمد مسعاد
(13 يوليو 2008)