الإعلان

 

مجتمع قسم عام فن "الربيع العربي" يزهر خجولا في لبنان
فن "الربيع العربي" يزهر خجولا في لبنان
نضال أيوب - بيروت   

في حين بدأت الدول العربية تنتفض لترسم ملامحها الجديدة، خلع لبنان قناعا كان يختبئ خلفه طوال عقود مضت. لبنان الذي كان قبلة للفنانين العرب، بات اليوم مجرد مشاهد مكتوف الأيدي يراقب بأسى، يعارض حينا، ويصفق حينا آخر لإنجازات غيره

وبينما بدأت الدول العربية تؤسس لتربة خصبة ومشهد فني يواكب انتفاضات شعوبها، تغيرت ملامح لبنان السياسية والأمنية نحو الأسوأ، واختار أن يبقى على هامش الثورات مكتفيا بدور محدود الثورات في البلدان العربية لم تنحصر في التظاهر في الشارع للمطالبة بالحرية. تعدّت ذلك لتشمل جميع أنواع الفنون، من المسرح والسينما مرورا بالأغاني ووصولا إلى الرسم. بداية، حاول لبنان مرافقة الأحداث والوقوف إلى جانب الشعوب العربية في مطالبها، حتى أن العدوى انتقلت إليه فأنتج انتفاضته الخاصة، تحت عنوان "إسقاط النظام الطائفي". إلا أن هذه المحاولة ما لبثت أن أجهضت أمام عجز اللبنانيين عن الوقوف بوجه النظام الطائفي الذي يرى البعض أنه أكثر ديكتاتورية من أي نظام عربي آخر. بعدها، بدأ عدد الشعوب الثائرة يزداد، وبدأ لبنان ينقسم في تأييد بعضها ومهاجمة بعضها الآخر.

الانجازات التي حققها لبنان في فترات تاريخية مختلفة، لم تؤثر على دوره في الربيع العربي. هكذا عجز الفن في لبنان عن مواكبة الأحداث، وأثبت الفنانون أنهم ليسوا على قدر مسؤولية الطرح الثوري الذي تقدّمه الشعوب العربية راهنا، إلاّ في بعض المبادرات الفردية.

فن "الربيع العربي" يزهر خجولا في لبنان |

جنيد سري الدين، مسرحيّ لبناني، يرجّح أن السبب في الفقر الفني على صعيد المسرح، هو أن هذا الأخير بعكس باقي الفنون ولا يستطيع أن يتماشى مع اللحظة. هو يحتاج إلى كثير من الوقت ليفهم ويستوعب ويحلل ما يحصل، وبعدها يكون الصدى.

برأي جنيد أن المسافة والوقت ضروريان للمسرح. على الفنان مسؤولية اتخاذ موقف من الأحداث وتجسيدها بطريقة جمالية، توّلد إشكاليات وتساؤلات جديدة لدى المتفرج. لذلك على العمل الفني أن يكون مدروسا ويتناول السياقين الاجتماعي والسياسي للحدث.

الثورات في العالم العربي كسرت النمط الفني السائد. وبالرغم من أن "الانفجار" الفني لم يحدث بعد في لبنان، إلا أن ذلك سينعكس عاجلا أم آجلا على نوعية الفنون. هذا ما يؤكده جنيد الذي يرى نفسه معنيا ومؤيدا لجميع الثورات في البلدان العربية. ففي المرحلة التي لم يكن أحد يأمل فيها بأي تغيير في العالم العربي قدّم مع فرقته "زقاق" عرضا مسرحيا يحمل عنوان "هاملت ماشين"، يتناول انهيار الايدولوجيا وانهيار السلطات الديكتاتورية. العرض كان سبّاقا، وحكى عن الأحداث قبل بلوغها، متنبئاً بالثورة قبل اندلاعها. كأن العمل وليد اللحظة الراهنة، وليس سابقا لها. اليوم، وبعد مضي زمن على عرض المسرحية، ونظرا لما تجسده من أحداث الواقع، أتاهم الطلب لعرضها في تونس.

فن "الربيع العربي" يزهر خجولا في لبنان | بعكس المسرح، لا تحتاج الأغاني إلى وقت طويل لتؤلف كلماتها وتلحّن وتغنى. المغني يقطف اللحظة لإصدار أغنية تتفق مع موقفه. هذا ما تهافت إلى فعله فنانون لبنانيون فيما يخص سوريا مثلا. ففي حين أن معظمهم لم يطلق أي أغنية تحكي عمّا يعانيه مجتمعهم من فساد، كان هؤلاء سباقين في تقديم الأغاني التي تعبر عن تأييدهم للرئيس السوري بشار الأسد. انحازوا إلى القاتل وبرروا قتل الضحية. مي الحريري إحدى المغنيات اللبنانيات، وجدت ذلك واجبا عليها، فغنت "جنوبيّة وجاية رد جميل"، في إشارة إلى دعم النظام السوري للمقاومة في الجنوب اللبناني. في حين رأى معين شريف أن ما يحدث في سوريا هو مؤامرة خارجية، كان ردّه أغنية "سوريا الله حاميها". وبأغنية "من القلب"، وكذلك "بتزعل الدني" عبّر أيمن زبيب عن حبّه لسوريا وبشار الأسد، قبل أن ينضم إليهم لاحقا كل من ربيع الأسمر وعلاء زلزلي وأمير يزبك ووديع مراد وملحم بركات ورضا ومحمد اسكندر وغيرهم.

في المقابل كان لبعض الفنانين الملتزمين موقفا واضحا في الوقوف إلى جانب الشعوب العربية. مارسيل خليفة أعلن في حفل له دعمه التام للشعب السوري، مؤكدا عدم وقوفه مع أي نظام عربي. فالفنان الذي يقف بوجه الحريّة لا يكون فنانا على الإطلاق، كما أعلن. "أنا مع أي حراك شعبي يبحث عن معنى جديد للحياة، وفي أي مكان من الوطن العربي، من المغرب إلى تونس.. إلى اليمن إلى سوريا".

ولأحمد قعبور أيضا موقف سجّله بأغنية "سوريا عم تنبض"، فيما يشارك ثلاثة من الفنانين في تقديم أغنية تحت عنوان "يا مال الشام"، إلا أنهم لم يفصحوا عن أسمائهم بسبب "المضايقات" التي يتعرض لها اللبنانيون الداعمين للثورة.

رغم "ضجيج" اختلاف الفنانين فيما يخص سوريا، داخليا كان الصمت يخيّم على ما يجري في لبنان. أصوات "نادرة" واكبت حملة إسقاط النظام الطائفي، من بينها "ريّس بيك" الذي اعتاد بأغانيه نقد الفساد الموجود في لبنان. انطلق ريّس بيك من ثورات العالم العربي لينزل إلى الشارع اللبناني ويشارك مع شبابه في حراك إسقاط النظام الطائفي، فكان له من نبض الشارع والهتافات التي رددت فيه أغنية: "ثورة".

المسرحيون الذين شاركوا في الحراك أيضا كانت لهم لمسة فنية خاصة أضافوها إلى الحملة. جمال كريّم الذي يعرف أيضاً بشخصيّة "جنكوز"، لبس ثياب المهرّج وحمل ألوانه وبالوناته وشارك في التظاهر. أراد الدفاع عن الألوان بعد أن سرقها السياسيون من الأطفال، ليحتكر كل حزب لونا منها. جاءت صرخته من الشارع: "أخدوا هوية الألوان، بدنا نرجعها. الألوان النا مش للسياسيّة"، يقول. ليس وحده جمال من كان يطالب بالألوان. رفاقه في "المهنة" حملوا قوس قزح يعمّد رمزيا كل من يمرّ من تحته، فينقله من الطائفية إلى العلمانية.

هذه اللمسات الفنية وغيرها من النشاطات لم تستطع وحدها دفع الحراك جماهيريا. فأمام التحديات والصعوبات التي كانت تعيق الجملة، بدأ اهتمام المشاركين فيها يتناقص، مع العجز عن استقطاب فئات اجتماعية ترى في النظام القائم درعا يحميها من الآخر. وخوفا على هذا "المشروع" ارتأت مجموعة من المنظمين البدء من الشارع للوصول إلى كل الناس، كما يشرح علي شقير، أحد الناشطين في الحملة. ولأن الغرافيتي هو أساس الشارع، باعتباره الطريقة الأسهل للفت نظر الشعب وإيصال أهداف الحراك، اختار الناشطون الطرقات الرئيسية والشوارع التي يعبر  فيها الناس بكثافة، وبدؤوا بالكتابة على جدرانها. الجمل التي "طبعها" هؤلاء تناولت وجع الناس ومعاناتهم اليوميّة. "ليش الكهربا مقطوعة؟ بسبب النظام الطائفي"، نموذج استعان بمشكلة يعاني منها جميع اللبنانيين بمختلف انتماءاتهم الطائفية والسياسية منذ عقود طويلة، يضيف علي. شعارات أخرى لعبت على الوتر نفسه من خلال تذكير اللبنانيين بالمسؤولين عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعانون منه، فشملت مواضيع الغرافيتي، كتابة ورسما، مشاكل المياه، المواصلات، الغلاء، الرواتب... وغيرها. هذه الكتابات لقيت قبولا عند الناس، إلا أنها لم تلق الزخم المطلوب.. فالوقت كان قد مضى والحراك انتهى!

الجمل ما زالت على جدران الشوارع. ذكرى وحسرة لحلم ما زال يراود كثيرا من اللبنانيين. معها، انتشرت رسومات أخرى لا تقتصر على الوضع اللبناني فقط. فأمام القمع الذي تمارسه بعض الجهات تجاه وقوف اللبنانيين مع الثورات، لم يكن أمام هؤلاء إلا الغرافيتي وسيلة للتعبير عن دعمهم للسوريين وباقي الشعوب العربيّة. من رسم "أسد الغابة راكب دبابة"، إلى رسم تجده في عدة أحياء بيروتية لوجه لاعب كرة القدم السوري عبد الباسط الساروط مع عبارة "الله يحميك"، بسبب تعرضه مؤخرا لإطلاق النيران من قبل "عصابات النظام"، إلى رسومات تخص مصر وغيرها، تصبّ كلها في إطار انتشار "فن الشارع".

الرسم لم يقتصر فقط على جدران الشوارع. للصحف والمواقع الإلكترونيّة أيضا رساموها، والفنانة أمل كعوش إحداهن. لم تنتظر أمل مسيرات إسقاط النظام الطائفي لتنتقد الطائفية. فأرشيفها يضمّ الكثير من الرسومات التي تعالج هذه المسألة. حتى أن إحدى رسوماتها حملت كيافطة في إحدى مسيرات حملة إسقاط النظام اللبناني.

تجد أمل أن الفن هو رسالة محقّة وليست مرهونة بوقت محدد، فالفن يعيش من خلال الناس. لا تقتصر رسومات أمل على ما يحدث في لبنان، بل واكبت بعملها أحداث العالم العربي. برأيها، أن ما يحصل هناك هو حدث جديد زمنيا، ومن الطبيعي أن تتناوله في رسومها. وتؤكد أمل أن الفن ينطلق من الذات قبل أن يكون مرتبطا بحدث، فإن لم يمس الحدث الإنسان لن يعبّر عنه بتلقائية وبغنى أكثر.

فن "الربيع العربي" يزهر خجولا في لبنان |

هذا الاهتمام هو ما بدا مفقودا عند الكثير من المعنيين بالشأن الثقافي والفني في لبنان. تقاعس يقول البعض أنه صار من سمات الوسط الفني، فيما يرى آخرون أنه نتيجة طبيعية للانقسام الذي يطغى على المجتمع اللبناني، ومن ضمنه فنانوه ومثقفوه الذين باتوا ينظرون إلى قضايا الناس من منظار انتمائهم السياسي والطائفي. في المقابل، شباب لم يفقدوا الأمل بانتقال العدوى إلى شوارع لبنان ومسارحه ودوره، فالـ"ربيع" آت لا محالة، ولا بد أن نشهد "قريبا اتحاد الشعوب العربية"، كما تتنبأ غرافيتي للفنان المصري "جنزير" وقد جدت سبيلها إلى شارع في العاصمة اللبنانية بيروت.