الإعلان

 

مجتمع قسم عام دكتاتوريات لبنان.. ودكتاتوريات العرب: الطائفية هي الحكم!
دكتاتوريات لبنان.. ودكتاتوريات العرب: الطائفية هي الحكم!
نضال أيوب - بيروت   

زالت الغشاوة عن الأعين، ومضت الشعوب العربية تهتف بالحرية: من تونس ومصر مرورا بليبيا والبحرين واليمن، وصولا إلى سوريا.. ثم لبنان.

 

دكتاتوريات لبنان.. ودكتاتوريات العرب: الطائفية هي الحكم! |

مع بداية الأحداث، واندلاع الثورات، كان لا بدّ للبنانيين أن يتفاعلوا مع محيطهم. في البدء، أبدوا تأييدهم وتشجيعهم لثورة مصر، بعدما باغتت ثورة تونس العرب. هكذا، بادر بعض اللبنانيين في الأيام الأولى لثورة مصر إلى تنظيم التظاهرات والاعتصامات المفتوحة لتوجيه التحية والتأييد إلى المعتصمين في ميادين المحروسة. لكن التأييد وحده لم يعد يكفي. أراد ناشطون لبنانيون أن يكون لهذا البلد العربي الصغير ثورته الخاصّة.. وهنا بدأت القصة.

دكتاتوريات لبنان.. ودكتاتوريات العرب: الطائفية هي الحكم! |

استلهم اللبنانيون من تجربة الثورتين التونسية والمصريّة شعار "الشعب يريد.."، وبدؤوا حملتهم لإسقاط النظام الطائفي. حملة لقيت ردود فعل مختلفة، بين مؤيد وجد فيها فرصة للانقضاض على "حكم الطوائف" واستبداله بمفهوم المواطنة، وبين رافض رأى أن الحملة مقدمة لنزع الشرعية عن زعيم يحتضنه ويحميه من.. "الآخرين". وبين المؤيد والمعارض فئة صامتة لم يسمح عمر الحملة القصير بالكشف عن توجهها الحقيقي.

احتمالات فشل الحراك كانت مطروحة منذ بداياته: مد ثوري وجد صدى له في سواعد ناشطين شباب، ظنوا أن الفرصة ملائمة للتحرك، فأغفلوا العمل الفعلي لصالح التمسك بالشعار "الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي". هكذا عجز هؤلاء عن تقديم اقتراحات حقيقية، تشمل قضايا سياسية واجتماعية واقتصاديّة، تستقطب كافة الفئات وتجمع من حولها "أبناء" الطوائف. ليس ذلك فحسب، بل أن الشعار الرئيسي لم يستطع توضيح الهدف المباشر للحملة، فالنظام الطائفي في لبنان، لا يختصر بشخص رئيس دولة أو حكومة مثلا، بل يشكل بنية اجتماعية ثقافية شاملة، تمتد من القاعدة (الجمهور) وصولا إلى القيادة (السلطات بكافة أشكالها).  ولهذا، حمل الشعار نفسه بذرة فشله، باعتباره سبق العمل على عناصر هذه البنية وأربك اللبنانيين، الداعمين للنظام كما الرافضين له، وكذلك المحايدين الذين لم يحسموا أمرهم بعد.

دكتاتوريات لبنان.. ودكتاتوريات العرب: الطائفية هي الحكم! |

العودة السريعة إلى مجريات الحملة تكشف عن عيوب طبعت أداء بعض المنظمين، لكنها تكشف أيضا عن حملة مضادة قادتها أحزاب طائفية وأخرى تستفيد من النظام القائم بأشكال مختلفة. الأسابيع الأولى للحملة شهدت نجاحا لافتا تمثل في ارتفاع أعداد المشاركين المؤمنين بالتغيير، وإن لم تتمكن من استقطاب فئات جديدة إلى التحرك. ثم بدأت تبرز ملامح حملة مضادة كشف عنها تبنّي بعض السياسيين المشاركين في النظام لمطلب إسقاط النظام!

"استغلال" الحراك من قبل السياسيين أدى إلى انقسام بدأ يتعمّق يوما بعد يوم بين صفوف الناشطين: منهم من رأى في تصريحات السياسيين إيجابية يمكن البناء عليها في استقطاب جماهيري أكبر، فيما عارض البعض الآخر المساومة كليا، لأن النظام الطائفي يتجسد بهذه الشخصيات. الطرف الأخير تمسك برفض التحالف مع هذه الأحزاب السياسية لأي سبب كان، طالما أن إسقاط النظام الطائفي يهدف إلى إسقاط كل الطبقة الحاكمة التي تحميه. لكن هذا الموقف المبدئي اصطدم بالواقع، حيث أن غالبية اللبنانيين تؤيد أحزابا طائفية يتحالف بعضها في مواجهة بعضها الآخر، ولا يمكن بالتالي إسقاط النظام الطائفي من دون استقطاب الغالبية لتنقلب على زعاماتها.

دكتاتوريات لبنان.. ودكتاتوريات العرب: الطائفية هي الحكم! |

إذن، على الرغم من الحماس الذي أنشأته الحملة عند فئة شبابية كبيرة، فإن هذا الحماس لم يستطع مواجهة الصعوبات ونقاط الضعف الكثيرة التي برزت في هذا الحراك العفوي. ولعل أبرز سبب لفشل الحملة هو أن المتظاهرين لم يستخدموا أي آلية لإقناع الأكثرية الطائفية بأهدافهم بل قرروا أن يكونوا خصما لها، في بلد "يمتاز" بكثرة المستبدين فيه، كما عبّر عدد من المثقفين اللبنانيين في مقالات وتحليلات عدّة، ومن بينهم الكاتب والروائي الياس خوري، الذي وجد أن لبنان هو أكثر بلد استبدادي، لأنه خاضع لاستبداد الطوائف، شارحا أن "في لبنان يجب إسقاط عدة ديكتاتوريات دفعة واحدة. في لبنان، مجموعة من المستبدين، كل طائفة لها مستبدّ، وبعض الطوائف عندها أكثر من مستبد واحد".

بعد فشل حملة إسقاط النظام الطائفي، كان لا بدّ للبنانيين من العودة إلى الساحات تضامنا مع ثورات الدول العربية الأخرى التي مضت شعوبها في طريق الحرية، مصرّة على نيل أهدافها. ولعل الطائفية المتأصلّة في نفوس اللبنانيين، كما في نظامهم، قد انعكست على مواقفهم تجاه الثورات وفرزتهم كل بحسب طائفته.

فبعد أن كانت الثورات العربية في تونس ومصر، قد شجّعت اللبنانيين وجمعتهم، بدأت معالم الانقسام تبرز مع توسع الثورة في سوريا وليبيا والبحرين. وكان لثورة الشعب السوري الأثر الأوضح في تكريس هذا الانقسام، بين مؤيد لها وداعم للنظام. وإن كان من السهل فهم دوافع المؤيدين للثورة السورية، لا سيما عند ملاحظة الانسجام بين موقفهم هذا وتأييدهم لمختلف الثورات العربية، فإن تحليل موقف الداعمين للنظام السوري يقود إلى جانبين أساسيين، يرتبطان ببنية المجتمع اللبناني: الطائفية و"الممانعة".

ولتوضيح هذا الموقف لا بد من التذكير بتأييد جماهير واسعة في لبنان لثورة مصر، وامتناعها عن تأييد الثورة السورية، انطلاقا من ذريعة "المقاومة والممانعة" الذي برع النظام السوري في استخدامها طيلة سنوات حكمه. هذه الجماهير بدت منسجمة مع مواقف قياداتها (الطائفية دائما)، كما كان الأمر مثلا بالنسبة للطرفين الحليفين، "حركة أمل" و"حزب الله". فمنذ انطلاقة الثورات، بادرت حركة أمل إلى تبني ثورة الشعب الليبي ضد حكم معمر القذافي، رغم ما شهدته من تدخل خارجي عسكري للناتو، في مقابل صمتها عما يرتكبه النظام السوري على حدود لبنان الشرقية، متذرعة بـ"مؤامرة خارجية" تستهدف سوريا. وكذلك الأمر بالنسبة لحزب الله، المتحالف مع إيران، الذي رفع الصوت عاليا في دعمه لثورة الشعب البحريني، في مقابل تأييده الواضح لنظام بشار الأسد "المقاوم".

دكتاتوريات لبنان.. ودكتاتوريات العرب: الطائفية هي الحكم! |

هذا الموقف تحديدا يقود إلى فهم أعمق للجانب الآخر من أسباب الانقسام، وهو الجانب الطائفي. فمع وصول رياح الثورة إلى سوريا، اتخذ الحديث عن "خوف الأقليات" شكلا علنيا فاضحا، برّرت من خلاله قيادات سياسية (طائفية دائما) ودينية في لبنان موقفها الداعم للنظام السوري. هذا الموقف انعكس على الشريحة الشعبية التابعة لهذه القيادات، والتي وجدت في احتمال وصول إسلاميين إلى سدّة الحكم سببا يكفي لقبول القتل الذي يمارسه النظام السوري بحق شعبه. والنموذج الأشد وضوحا في هذا السياق، كان موقف البطريرك الماروني في لبنان، الذي حذّر من خطر سقوط النظام السوري على ما أسماه "الأقلية المسيحية" (بدل الحديث عن المواطنة)، وكذلك موقف "التيار الوطني الحر" (المتحالف مع حزب الله في مواجهة تيار المستقبل وحلفائه في 14 آذار) الذي اختار الوقوف إلى جانب النظام السوري.

في المقابل، يمكن القول أن وقوف بعض اللبنانيين ضد النظام السوري، انسجاما مع موقف قياداتهم أيضا، جاء في سياق الصراع الداخلي بالدرجة الأولى (وهو صراع طائفي بامتياز)، لا سيما عند التدقيق في مواقف هؤلاء (الصامتة غالبا) فيما يتعلق بالبلدان العربية الأخرى، بالخصوص في مصر التي جمعت بينهم وبين رئيسها المخلوع حسني مبارك علاقات صداقة ومصالح مشتركة.

هذا الانقسام بين اللبنانيين عكس مزيدا من الخلافات، انتقل بعضها إلى الشارع الذي شهد اشتباكات محدودة بين المؤيدين للثورة السورية والداعمين للنظام. هذه الخلافات تعززت أيضا من خلال موقف الحكومة (المؤلفة بشكل رئيسي من قوى طائفية مؤيدة للنظام السوري، من بينها حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني، في مواجهة قوى طائفية تقف في المعارضة) والذي تمثّل بالتجاهل الرسمي التام لما يجري عند حدوده الدولية، لا سيما فيما يتعلق بمسألتي اختراق القوات السورية الحدود لملاحقة ناشطي الثورة وكذلك مسألة اللاجئين الهاربين من قمع النظام إلى القرى القريبة من الحدود.

 

دكتاتوريات لبنان.. ودكتاتوريات العرب: الطائفية هي الحكم! |

هكذا فشل اللبنانيون في الاستفادة من المناخ الثوري العربي، فلم يتمكنوا من إعادة النظر في المفاهيم التي أعادت طرحها الثورات، خاصة مفهوم المواطنة الذي يرتبط بشكل وثيق بمفاهيم الحرية والعدالة والديمقراطية، وهي مفاهيم تغيب تماما عن المجتمع اللبناني الذي "ينعم" بحريّة مقنّعة هي في واقع الأمر مجرد فوضى تحكمها وتديرها طوائف "خارجة" عن الدولة بمفهومها الحديث.

 

دكتاتوريات لبنان.. ودكتاتوريات العرب: الطائفية هي الحكم! |

 


نضال أيوب - بيروت