الإعلان

 

مجتمع تونس المؤتمر 22 للاتحاد العام التونسي للشغل:إذا لم تذهب إلى السياسة أتتك هي
المؤتمر 22 للاتحاد العام التونسي للشغل:إذا لم تذهب إلى السياسة أتتك هي
ناجي الخشناوي   

الذي انعقد بمدينة طبرقة من ولاية جندوبة بالشمال الغربي على امتداد أيام 25 إلى 28 ديسمبر 2011 تحت شعار "أحبك يا شعب".
والمتتبع للشأن النقابي بشكل خاص، والشأن الوطني الحقوقي والسياسي بشكل عام بعد ثورة الحرية والكرامة التي أسقطت رمز الدكتاتورية في تونس يوم 14 جانفي، سوف يلاحظ دون كبير عناء تقاطع السياسي بالنقابي من خلال أشغال هذا المؤتمر انطلاقا من لوائحه ومرورا بتفاصيل التجاذبات بين النواب والمترشحين، إن نقاشا أو تصويتا، وصولا إلى التركيبة النهائية للمكتب التنفيذي الوطني التي افرزها صندوق الاقتراع، إلى جانب لجنتي النظام الداخلي والمراقبة المالية.
ويتجلى البعد السياسي لمؤتمر المنظمة الشغيلة بكل وضوح من خلال جملة من الإشارات لعل أبرزها الفصل العاشر من القانون الأساسي للاتحاد العام التونسي للشغل الذي نادى به النقابيون منذ مؤتمر جربة وصادقوا عليه في مؤتمر المنستير سنة 2006 والقاضي بعدم قبول ترشح من قضى فترتين نيابيتين متتاليتين، وهو ما ساهم أيضا في إعطاء نموذج انتخابي في الانتقال الديمقراطي السلس والسلمي وتسليم "السلطة" دون ضغوطات أو اكراهات.
كما يبرز البعد السياسي من خلال عدم دعوة ممثلي الأحزاب السياسية أو أعضاء من الحكومة المؤقتة، ويتجلى أيضا، وإن بشكل سلبي، في عدم صعود المرأة النقابية في المكتب التنفيذي الوطني، وأيضا من خلال الشعارات التي رفعها النقابيات والنقابيون اثر انتخاب المكتب التنفيذي والتي نددت بكل أشكال التدخل الأجنبي في السياسة الوطنية، وتحديدا التدخل القطري والسعودي والأمريكي.
وبالعودة إلى فعاليات المؤتمر، الذي سبقه تحضير لوجستي ومادي مكثف لتأمين سير أعماله في أفضل الظروف، وقبل سرد التفاصيل، تجدر الإشارة إلى أن المسلمة التي قدم بها ممثلو القطاعات والجهات هي انسحاب 9 أعضاء من المكتب المتخلي وهم على التوالي (عبد السلام جراد/عبيد البريكي/منصف اليعقوبي/رضا بوزريبة/محمد السحيمي/محمد سعد/علي رمضان/محمد شندول ومحمد الطرابلسي الذي التحق بمنظمة العمل الدولية) وهذه المسلمة ساهمت بشكل كبير في تكثيف عدد المترشحين للمكتب التنفيذي، إذ بلغ عددهم النهائي الخمسين، منهم خمسة نساء قدمن ترشحهن هن (وسيلة العياشي ونعيمة الهمامي وفضيلة المليتي وحبيبة السليني ومنجية الزبيدي)، كما تقدم لعضوية اللجنة الوطنية للنظام الداخلي 22 مترشحا منهم امرأة واحدة هي السيدة سامية لطيف بوسلامة، وترشح لعضوية اللجنة الوطنية للمراقبة المالية 16 مترشحا، مع العلم أن عدد نائبات ونواب المؤتمر 22 قد بلغ 515 نائبة ونائب، ويذكر أن عدد المنخرطين بالاتحاد العام التونسي للشغل قد بلغ سنة 2009/2010 قرابة 454 ألف منخرطة ومنخرط وقد شهدت سنة 2011 إقبالا كبيرا على الانتساب صلب المنظمة.
مؤتمر الاتحاد لم يكن بعيدا عن أعين قصر قرطاج والقصبة، حيث ابرق رئيس الجمهورية المؤقت السيد المنصف المرزوقي برسالة إلى المؤتمرين يعرب فيها عن تمنياته بنجاح المؤتمر مذكرا بدور الاتحاد في استقلال البلاد وخدمة التنمية الاجتماعية والاقتصادية وإنجاح الثورة التونسية، داعيا إلى المساهمة في تهدئة الأوضاع. كما ابرق السيد حمادي الجبالي رئيس الحكومة المؤقتة برسالة ضمنها تهانيها للمؤتمرين داعيا  بدوره المنظمة الشغيلة إلى الإسهام في "رفع التحديات المطروحة وفي تهيئة الأرضية الملائمة لتجسيم تطلعات المجموعة الوطنية...". وقد قوبلت الرسالتين عند تلاوتهما من قبل رئيس المؤتمر بالرفض المطلق لمحتواهما من قبل النقابيين واصفين الحكومة المؤقتة بمواصلة إتباع الخيارات الليبرالية السابقة التي ضربت الحق النقابي وساهمت في تهرئة المقدرة الشرائية للعمال وعمقت التفاوت الطبقي والجهوي وكرست المديونية المجحفة والتبعية الاقتصادية خاصة للاتحاد الأوروبي.
وعلى عكس الموقف الرافض لرئيس الدولة المؤقت ورئيس الحكومة المؤقت استقبل نواب المؤتمر عددا من الشخصيات الوطنية وفسحوا لهم المجال لإلقاء كلمات أمامهم نذكر منهم السيد عياض بن عاشور رئيس اللجنة العليا للإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي وتحقيق أهداف الثورة والسيدة كلثوم كنو عن جمعية القضاة التونسيين والسيد عبد الستار بن موسى رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والسيد الناجي البغوري عن الهيئة العليا لإصلاح الإعلام والسيد رضا التليلي مدير مؤسسة احمد التليلي من أجل الثقافة الديمقراطية والسيد كمال الجندوبي رئيس اللجنة العليا للانتخابات والسيدة أحلام بالحاج رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات والسيدة نجيبة الحمروني رئيسة النقابة الوطنية للصحفيين.
مداخلات النائبات والنواب التي أخذت الحيز الزماني الأكبر من أشغال المؤتمر تنوعت واختلفت إلا أنها اجتمعت تقريبا حول ضرورة تعزيز استقلالية الاتحاد ووحدته النقابية خصوصا أمام ظهور أكثر من هيكل نقابي مستقل، وقد طالت المداخلات جل القطاعات خاصة منها الوظيفة العمومية والقطاع الخاص وقطاع المناجم والسياحة والصحة والتغطية الاجتماعية والتعليم والإعلام، مجمعين على الدور الريادي الذي لعبته دُورُ الاتحاد في كامل البلاد إبان اندلاع المظاهرات والمسيرات التي أججت ثورة 14 جانفي وخاصة في التنسيق المحكم بين النقابيين لتأطير ودعم التحركات الاحتجاجية وتتويج ذلك بتنظيم الإضرابات العامة الجهوية وخاصة منها إضرابا صفاقس وتونس العاصمة تنفيذا لقرار الهيئة الإدارية الاستثنائية المنعقدة يوم 5 و11 جانفي 2011.

ولم يفوت المتدخلون في كلماتهم التذكير بما لعبه الاتحاد من دور في المطالبة بسنّ العفو التشريعي العام وحلّ التجمع الدستوري الديمقراطي وحلّ البوليس السياسي ومراجعة القانون الانتخابي وقانون الصحافة وقانون الجمعيات وإحداث لجان الإصلاح السياسي ولجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد، ولجنة تقصي الحقائق حول الاغتيالات، ثم تكوين مجلس لحماية الثورة بمبادرة من الاتحاد بمعيّة عمادة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وكانت ثمرته لاحقا هيئة تحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، فكانت بداية المسار للتأسيس لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي.

المؤتمر 22 للاتحاد العام التونسي للشغل:إذا لم تذهب إلى السياسة أتتك هي |
إن قراءة عابرة لتدخلات النقابيات والنقابيين في هذا المؤتمر المفصلي تؤكد أن العمل النقابي في تونس هو في أحد وجوهه الأشد نصاعة فعل سياسي بامتياز، ولعل قول مؤسسه فرحات حشاد خير دليل على التباس النقابي بالسياسي منذ أن تأسست أول منظمة شغيلة في تونس، حيث يقول حشاد "إن الاتحاد لا يناضل من أجل بنطلون أو رسيون خبز بل من أجل القضاء على الهيمنة والتسلط والاستعمار" وهو الخيار الذي جعل الاتحاد العام التونسي للشغل طيلة مسيرته النضالية مؤثّرا في المشهدين السياسي والاقتصادي فضلا عن دوره الاجتماعي، ويظهر دور الاتحاد من خلال قدرة مناضليه على تحديد الواجهة الرئيسية للنضال حيث كانت مرحلة التأسيس مع محمد علي الحامي تحت شعار التأسيس المستقل، وتميّزت مرحلة حشاد بالنضال الوطني والاجتماعي، وكانت مرحلة ما بعد الاستعمار المباشر بلورة برنامج اقتصادي واجتماعي كان محددا في بناء الدولة الحديثة، وطبعت الستينات بقيادة أحمد التليلي بإنشاء مؤسسات اقتصادية للمنظمة وبمعركة الديمقراطية السياسية، وشهدت السبعينات والنصف الأول من الثمانينات مع الحبيب عاشور معارك الاستقلالية، وشكلت التسعينات عودة العمل النقابي وغلب على هذه المرحلة من تاريخ المنظمة منطق المساهمة ومقولة إعادة التأسيس التي كانت الغاية منها التفرّد بالرأي وجرّ المنظمة إلى ركاب السلطة وضرب كل نفس معارض يروم الحفاظ على الدور النضالي للاتحاد العام التونسي للشغل، أما بداية الألفية فقد كانت تحت شعار " التصحيح " ضمن تمشّ حاول إدخال مقترحات جوهرية على النظام الداخلي بما مكّن من تقليص دور الأمين العام ومهامه ومن تقنين التداول على المسؤولية والقطع نهائيا مع ارتهان مؤتمرات الاتحاد العام التونسي للشغل للرئيس المخلوع فأصبحت تُعقدُ دون إشرافه أو حضور من يمثله وعاد الاعتبار لصندوق الاقتراع من أجل انتخابات حرة نزيهة وشفافة تعكس إرادة العمال وخياراتهم.
وهاهو المؤتمر 22 للاتحاد يقف على عتبة مرحلة جديدة تكتسي أهمية كبرى في تاريخ البلاد ويتحدد في ضوئها الدور الجديد للمنظمة النقابية، هذا الدور الذي حدده النقابيون بالنضال من أجل بناء ديمقراطية حقيقية جوهرها حرية الشعب في تحديد مصيره والقطع مع المنظومة الدكتاتورية بأشكالها، إنها مرحلة التأسيس الديمقراطي والبناء الاجتماعي.
فهذه المرحلة التي تمر بها البلاد والتي ارتفعت فيها نسب البطالة لتدرك أرقاما مفزعة حيث بلغ عدد المعطلين عن العمل ما يقارب 840,000 أي بنسبة 18% منهم ما يزيد عن 240.000 من خريجي الجامعة إضافة إلى ما شهدته أسعار كافة المواد وخاصة الأساسية منها ارتفاعا مشطا وتراجع نسق الاستثمار لانتفاء الأمن... ذاك هو الواقع الذي سيتحرّك فيه الاتحاد العام التونسي للشغل مثلما اجمع على ذلك كل نواب المؤتمر ونائباته خاصة أن منظمتهم، وعلى المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، "سلحتهم" بمشروع دستور جديد أعدته هياكل المنظمة بمعية عدد من الخبراء والمختصين، وبأرضية عمل اقتصادية واجتماعية، هذا فضلا عن تمسك الاتحاد بمقوّمات وقيم النظام الجمهوري الذي ساهم النقابيون في وضعه صلب المجلس التأسيسي الأول سنة 1956.
مثلما لم يتأخر الاتحاد اليوم وبعد الثورة في كتابة دستور يؤسّس لنظام ديمقراطي يقوم على معادلة المساواة والعدالة الاجتماعية والحرية والتعددية السياسية ويبني جمهورية ديمقراطية اجتماعية. كما تضمن هذا الدستور مقوّمات الدولة من حيث الهوية والتنظيم اللاّمركزي والجوانب التشريعية المتعلقة بالجنسية والحالة الشخصية والالتزامات، والتنظيم الإداري للدولة وخاصة ما تعلق منه بالعلاقة بين السلطات الثلاثة ووظائف كل منها وخصّص بابا للامركزية والديمقراطية المحلية وآخر للدستور حتى لا تمس مشاريع تنقيحه بالنظام الجمهوري للدولة أو بالحقوق والحريات الأساسية المضمّنة فيه.

المؤتمر 22 للاتحاد العام التونسي للشغل:إذا لم تذهب إلى السياسة أتتك هي |
المؤتمر الثاني والعشرون، وكعادة مؤتمرات الاتحاد، شهد تجاذبات سياسية بين أهم الأطراف السياسية المتواجدة صلب المنظمة، وجلها أطراف يسارية تقدمية، إلا أن ما طبع هذا المؤتمر هو بروز الطرف الإسلامي بشكل علني على الأقل ضمن كواليس المؤتمر رغم "اقتناع" النقابيين بأن فاعلية الإسلاميين لن تكون كبيرة باعتبار أن عدد المحسوبين على هذا التيار من المؤتمرين لا يتجاوز الـ60 علاوة على أن الإسلاميين ولضيق الحيز الزمني وانشغالهم بأولوية الفوز في انتخابات التأسيسي لم يتمكنوا من إعداد العدة للمؤتمر واقتحام قواعد الاتحاد بالقدر الكافي.
أما بالنسبة إلى أبرز الأسماء التي سجلت ترشحها نذكر منها بالخصوص بلقاسم العياري والمولدي الجندوبي والمنصف الزاهي وحسين العباسي وهم الوحيدين من أعضاء المكتب التنفيذي السابق الذين يخول لهم القانون الأساسي للمنظمة الترشح لدورة أخرى وقد شكلوا في ما بينهم وفاقا (باستثناء المنصف الزاهي) على أن تؤول الأمانة العامة إلى حسين العباسي، هذا إلى جانب أنهم يمثلون الاستمرارية للقيادة الحالية والحفاظ على نفس المنحى القديم في التعامل مع الملفات الاجتماعية والنقابية.
ومن الأسماء الأخرى نجد كل من عبد المجيد الصحراوي وكمال سعد وعبد النور المدّاحي وسامي الطاهري وحفيظ حفيظ وجيلاني الهمامي وأنور بن قدور ومحمد المسلمي ونور الدين الطبوبي وسمير الشفي.
وبعد العملية الانتخابية التي تمت تحت أعين الصحافيين والمراقبين تم انتخاب القائمة الوفاقية  بمعدل 13 /13 وفي مرحلة لاحقة تم توزيع المسؤوليات داخل المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل التي كانت على النحو التالي:
حسين العباسي الأمين العام (332 صوتا)/نور الدين الطبوبي مسؤول عن النظام الداخلي(224 صوتا)/بوعلي المباركي مسؤول عن قسم المالية والإدارة(287 صوتا)/حفيظ حفيظ مسؤول عن قسم الوظيفة العمومية(255 صوتا)/قاسم عيفية مسؤول عن قسم العلاقات العربية والدولية والهجرة(224 صوتا)/سامي الطاهري مسؤول عن قسم الإعلام والنشر والاتصال(263 صوتا)/سمير الشفي مسؤول عن قسم المرأة والشباب العامل والجمعيات(245 صوتا)/محمد المسلمي مسؤول عن قسم التكوين النقابي والتثقيف العمالي(265 صوتا)/عبد الكريم جراد مسؤول عن التغطية الاجتماعية والصحة والسلامة المهنية(264 صوتا)/بلقاسم العياري مسؤول عن قسم القطاع الخاص(266 صوتا)/أنور بن قدور مسؤول عن قسم الدراسات والتوثيق (307 صوتا)/كمال سعد مسؤول عن الدواوين والمنشآت العمومية ومؤسسات الاتحاد (296 صوتا)/المولدي الجندوبي مسؤول عن قسم التشريع(263 صوتا).
المؤتمر الثاني والعشرين للاتحاد العام التونسي للشغل، وإن كان عاديا في صيغته من حيث حرص النقابيين على انعقاده في نفس الموعد الذي يقتضيه النظام الداخلي للمنظمة، فإنه استثنائي من حيث الخصوصيات الظرفية التي تصاحب انعقاده وما تمليه من واقع جديد يتعين على النقابيين تحديد آفاق التعامل معه، أما من حيث الإجراءات فإنه أول مؤتمر في تاريخ المنظمة يكرّس خيار التداول على المسؤولية، ولئن خيبت نتائجه آمال العديد من المتتبعين لعدم صعود المرأة إلى مكتبه التنفيذي الوطني الجديد، فان أغلبية المراقبين والمتابعين أكدوا على ايجابية القائمة الفائزة لما تضمنته من وجوه تقدمية عُرفت بنضاليتها ودفاعها عن حقوق الطبقة الشغيلة وعن مدنية الدولة.