الإعلان

 

مجتمع تونس الثورة التونسية وتصالح الأجيال
الثورة التونسية وتصالح الأجيال
ناجي الخشناوي   

عندما تخبو حرارة الشباب ويصير باردا يفقد العالم أسنانه، ولأن شباب تونس لم يفقد حرارته فقد تمكن من طرد رمز الاستبداد والديكتاتورية من بلده، ولكن ألم يكن هذا الشباب منذ القرن الماضي محور النضال السياسي والثقافي والاجتماعي؟ وهل قام هذا الشباب بثورته للإطاحة بنظام مستبد أم رفضا لجيل سابق؟

 

تكييف وسائل التواصل

يقول احد علماء الانثروبولوجيا أنه بفضل وسائل التواصل والاتصال الحديثة، توحدت ثقافات العالم التي تجسد مفهوم المواطنة العالمية أو الكونية، وهذا المفهوم ألقى بظلاله على المجتمعات التي عاشت طويلا في منظومة استبداد محكمة السيطرة، حيث تمكنت فئات واسعة من الشعوب المضطهدة بعد أن أتقنت استعمال وسائل الاتصال والتواصل بشكل برغماتي، تمكنت من إسقاط أنظمة قمعية لعل أهمها، تلك التي حصلت في تونس مع بداية سنة 2011، عبر رصد وفضح كل أشكال الاعتداء على حرية التفكير والتعبير ومختلف مظاهر العنف وانتهاك حقوق الإنسان حيث كان لفئة الشباب، وهي الفئة العمرية الأهم من حيث التركيبة السكانية للبلاد التونسية، كان لها دور محوري في إسقاط نظام بن علي وتغيير المشهد السياسي في تونس ومنه تتالت التحركات الاحتجاجية في المنطقة العربية فطالت النظام المصري وبعده النظام الليبي فالنظام اليمني والآن مازال الشعب السوري يواصل مسيرته نحو إسقاط نظام بشار الأسد في سوريا.

الثورة التونسية وتصالح الأجيال |

هل الثورة من حصاد الشباب وحده؟

غير أن السؤال الذي يطرح هو هل فعلا الشباب وحده من اسقط هذه الأنظمة؟ ألا يعني التسليم بهذه البديهة أن نغمط تاريخا نضاليا سابقا لأجيال كاملة قاومت وناضلت من اجل انعتاق شعوبها من الاستبداد؟ أليست هذه الثورات التي تعيشها المنطقة العربية الآن هي إفراز لتراكم نضالات مختلف الأجيال؟ أليس من المثير واللافت للنظر أن بعض فئات الشباب تتصور أنها وحدها القادرة على التغيير؟ وأن الثورة هي حصاد خاص بهم وحدهم وينكرون دور حركة الاحتجاجات الفئوية طوال الأعوام السابقة؟ أليس من العسف أن تعتقد فئة الشباب أن على الأجيال الأكبر إما الصمت أو الرحيل عن المشهد برمته؟

من هو الشباب؟

علميا نعرف فئة الشباب بالمعطى العمري أي السن المتراوحة بين الطفولة والكهولة فالشاب أو الشابة هو من يتراوح عمره وعمرها بين 15 و24 سنة في البلدان المتقدمة على اعتبار أنها سن تغير المعطيات الجسمانية أي سن النمو البدني للفتاة كما للفتى. وبين 18 و35 سنة في البلدان النامية والأقل نموا على اعتبار تأخر سن الاندماج في الحياة الاقتصادية والمجتمعية.غير أن الشباب لا يتحدد بناء على المعطى الطبيعي والفيزيولوجي فقط، وإنما تنضاف إليهما العوامل الثقافية والاجتماعية والنفسية. فالشباب يمثل فترة اكتساب الفرد لنوع من النضج ينزع خلالها إلى تأسيس مشاريع حياته ويبني تصورات عن مستقبله، هي فترة البحث عن الذات ومحاولة بنائها وتحديد الاختيارات الشخصية نحو الاستقلالية دون خوف كبير من العراقيل. إنها فترة التحديات الكبرى وخاصة فترة إثبات الذات بحرية كبرى وإقدام على المخاطر وشيء من المثالية وتوق لتغيير العالم على طريقته مثلما يعرفه بذلك معجم "لا روس".

من أوراق الشباب التونسي

يقول جورج بارنانوس:"عندما تخبو حرارة الشباب ويصير باردا يفقد العالم أسنانه" ولأن شباب تونس لم يفقد حرارته فقد تمكن من طرد رمز الاستبداد والديكتاتورية من بلده، ولكن ألم يكن الشباب التونسي منذ القرن الماضي محور النضال السياسي والثقافي والاجتماعي؟ أليست حركة الشباب التونسي هي حركة وطنية تونسية تلك التي كانت تريد أن تكون صوت " سكان تونس الأصليين " في وجه المستعمر والتي جاءت في سياق حركة الإصلاح التي نشأت مع خير الدين باشا وأحمد بن أبي الضياف ومحمد بيرم. وقد تكونت الحركة من خريجي المدرسة الصادقية الذين واصلوا تعليمهم بالخارج وفي مقدمتهم علي باش حامبة وبشير صفر وعبد الجليل الزاوش وخير الله بن مصطفي إلى جانب زيتونيين مثل الشيخ عبد العزيز الثعالبي.

ألم يتولّى النّقابي والمناضل محمّد علي الحامّي في عز شبابه تنظيم العمّال وترسيخ الفكر النّقابي في صفوفهم، ممّا أفضى إلى تأسيس جامعة عموم العملة التّونسيّين سنة 1924 وكان هو كاتبها العام؟

كما أن فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي سلك الشباب سبيل النضال على الجبهة العمالية والطلابية، وقد اتسمت الفترة بظهور ما يسمى بالحركات الماوية والتروتسكية والتي تعتبر تجديدية في الفكر الشيوعي، وهذا طبعا يعتبر عاملا اساسيا في ظهور الافكار المادية والتروتسكية في صفوف الشباب التونسي الممثل في فئة الطلبة أساسا. وتمخض عن ذلك ميلاد منظمات يسارية مثل "آفاق" و"منظمة العامل التونسي" و"تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي في تونس" والتي ضمت في غالبها كوادر تونسية من المقيمين في فرنسا ومنظمات مختلفة الاتجاهات من بعثيين وتروتسكيين وشيوعيين وماويين، كما أنه في هذه الفترة خرج من رحم الوسط العمالي والمهاجرين التونسيين عدة تنظيمات شبابية يسارية ذات التوجه الماركسي اللينيني، أمثال "التجمع الماركسي اللينيني"،و"المنظمة الماركسية اللينينية الشعلة"،و"الحركة الديمقراطية الجماهيرية"، و"حزب الشعب الثوري التونسي" و"منظمة الحقيقة". لكن عين النظام البورقيبي لم تكن نائمة بل كانت متابعة لكل هذا الحراك، مما جعل ضربته قاسية جدا على شباب هذه المنظمات اليسارية فزج بهم في محاكمات جائرة ومضخمة مما أدى إلى اندثار بعضها وخفوت نار البعض الآخر منها، ولكن جذوتها لم تخبو وظلت تتنامى في العشريتين الأخيرتين، وقد لا نكون من المغالين إن اعتبرنا أن هذه الحركات هي التي أججت فورة شباب 14 جانفي 2011 الذين ترجموا أفكار الجيل السابق في الإطاحة بالدكتاتورية سواء في نسختها البورقيبية أو في نسختها النوفمبرية.

لا أحد وصي على الثورة

الثابت أن هناك أكثر من طرف يتحدث باسم الثورة، فهناك الأمناء على الثورة وهناك أحزاب بازغة استفادت من المناخ الايجابي الجديد. وهو تنوع حميد يجسد التنوع الموجود في المجتمع، ولذا فإن إدعاء أي طرف أنه يتحدث حصرا باسم الثورة وانه الوحيد المؤهل بمتابعة أهدافها وتحديد جدول أعمالها، وأنه يجسد طموحات الأمة بأسرها، هو أمر ضد الثورة نفسها، وضد مبادئها السامية، لاسيما وأننا لم نشهد بعد انتخابات نزيهة لنعرف من خلالها الأوزان النسبية لكل طرف، ومن هو ذا الذي ينوب عن الأغلبية التي لم تعد صامتة بأي حال. وبالتالي فإن قيام جماعات بعينها بالدعوة إلي المظاهرات من أجل إسقاط حكومة أو تطبيق فوري لمطالب محددة هو أمر يخص هذه الجماعة وحدها، ولا يخص بالضرورة كل فئات الشعب التي قد يكون لها موقف آخر يدعو إلى التريث في الحكم على أداء الحكومة القائمة وإعطائها فرصة للعمل.

مصالحة الأجيال

في هذه الفترة يمكن التأكيد أنه حصلت المصالحة بين جيلين ظلا للعديد من السنوات يحملان ضدّ بعضهما إحترازات حول التواصل والتعامل بين جيل التغيير والجيل الذي سبقه، إذ أن هذا الأخير يرى أن الشباب قد حاد عن الطريق السوي والصحيح ودخل منعرج الميوعة واللامبالاة والفراغ الأخلاقي والروحي غير أن ثورة الكرامة أثبتت عكس ذلك بأن الشباب التونسي كان في صدارة القوى الحية في البلاد التي تصدت لحركات القمع ونزلت بثقلها في الشارع لإرغام المخلوع على الفرار والذود ببسالة عن الأحياء في فترة الانفلات الأمني الذي ساد في تلك الفترة.

أما اليوم وبعد انقضاء حوالي سنة و3 أشهر عن الثورة ومجيء ثلاثة حكومات (فرضها تصالح الجيل السابق مع الشباب) الأسئلة التي تفرض نفسها بإلحاحهي، أين برامج الشباب في الحكومات الثلاث المتعاقبة؟ وماذا قدمت فعليا هذه الحكومات وخاصة الحكومة الأخيرة (باعتبارها الأكثر استقرارا) ؟ وما هي المقاربة الجديدة بعد الثورة للشباب التونسي؟ وأي دور للشباب في بناء تونس الجديدة؟

إن ما نلاحظه اليوم الضبابية الحاصلة عند الشباب في التعاطي مع بعض المفاهيم والمبادئ الجديدة واندفاعهم في تبني هذه المفاهيم من دون استساغها جيّدا في ظلّ غياب شبه كلي لبرامج تثقيفية توضح هذه المفاهيم بشكل علمي.

العديد من الأطراف والأحزاب السياسية تسعى اليوم إلى استقطاب الشباب ليكون لاحقا قوّة ضغط في الانتخابات لكنّهم لا يعلمون أن هذه القوّة قد تنقلب ضدّهم إذا لم يقع تأطيرهم.