الإعلان

 

مجتمع قسم عام المشروع الإسلامي يعود إلى الجزائر من بوابة الربيع العربي
المشروع الإسلامي يعود إلى الجزائر من بوابة الربيع العربي
نسيم براهيمي   

 

من العشرية السوداء إلى الربيع العربي، يحاول المشروع الإسلامي أن يجد معالمه في الساحة السياسية الجزائرية. هذه المرة بالتحالفات وتقمص دور المعارضة...

الجزائر،11 جانفي 1992: تاريخ لن ينساه الجزائريون أبدا. يوم سيبقى إلى الأبد محل نقاش وجدل وتساؤل بين أطراف الجزائريين : ماذا حدث يومها وماذا كان يجب أن يحدث أو لا يحدث يومها.

في هذا التاريخ، أقدمت مجموعة من جنرالات الجيش الجزائري، يتقدمها الجنرال خالد نزار، وبتزكية من بعض التشكيلات السياسية الليبرالية على وقف العملية الانتخابية التي أسفرت في دورها الأول على فوز حزب لم يحسب له أي حساب آنذاك، حزب يعتبر وليد أحداث 05 أكتوبر 1988، حزب إسلامي بمشروع إسلامي وبخطاب إسلامي أخذ في بعض الأحيان النبرة المتطرفة.

المشروع الإسلامي يعود إلى الجزائر من بوابة الربيع العربي  |

لقد شكل اكتساح الجبهة الإسلامية للإنفاذ للساحة السياسية في الجزائر وحصدها لنتائج مذهلة خلال تشريعيات ديسمبر 1991، التي يفتخر كل الجزائريين بكونها أول موعد ديمقراطي حر يحظون به بعد الاستقلال مفاجأة كبيرة وصدمة قوية ليس فقط للتيار الوطني الديمقراطي الجزائري بل حتى لدول الجوار وحلفاء الجزائر الغربيين الذين في الحقيقة، لم يعبروا الأمر أهميته كون مفهوم الإرهاب والتطرف الديني والإسلام السياسي كان مجهولا آنذاك حتى أن بعض الدول، كفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، كعادتها، قد فضلت التعامل مع الإسلاميين ومحاولة إيجاد نقاط تواصل معهم ما لم تشكل تهديدا على مصالحها، إذ وصل هذا الطرح في التعامل بباريس وواشنطن إلى حد الضغط على الحكومة الجزائرية آنذاك لإجبارها على تقاسم السلطة مع الإسلاميين وهو الأمر الذي رفضه النظام الجزائري قطعا واعتبره غير قابل للنقاش وتدخلا في شؤونه الداخلية.

 

20 سنة مرت على تلك المرحلة التي خلفت وراءها دمارا وعنفا وضحايا بعشرات الآلاف فيما اصطلح على تسميته «بالعشرية السوداء»، خسرت خلالها الجزائر خيرة أبنائها من مفكرين ومثقفين وسياسيين ونشطاء حقوقيين ورجال شرطة وجنود، لكن إيقاف المسار

الديمقراطي في الجزائر لا يزال إلى يومنا هذا محل جدل بين مؤيد لقرار العسكر التدخل و"إنقاذ الجمهورية" ولو كانت "فاسدة" ومعارض معتبر ما حدث "انقلابا على إرادة الشعب".

 

20 سنة مرت والجزائريون يعيشون هذه الأيام على وقع عودة الإسلام السياسي من بوابة "الربيع العربي" الذي يفرض حيثما يمر منطق اكتساح الإسلاميين للساحة السياسية بعد

المشروع الإسلامي يعود إلى الجزائر من بوابة الربيع العربي  |

عشريات الانغلاق الأعمى والديكتاتوريات الصماء.

بعيدا عن صالونات السياسة وتحليلات الصحافة، لا يكاد يعير الجزائريون أي اهتمام للشأن والنقاش السياسي الدائر حاليا، ليس فقط ذلك المتعلق بالتيار الإسلامي الجديد الذي يحاول ركوب موجة «الربيع العربي» بمنطقة شمال إفريقيا، بل العملية الانتخابية ككل لا تلهم الجزائريين إلى درجة أن أحد استطلاعات الرأي الحديثة أظهرت أن 44 بالمائة من الجزائريين يجهلون موعد التشريعيات المقبلة رغم أن الرئيس بوتفليقة سبق وأن شبه هذا الموعد «بثورة تحريرية ثانية» و«باستقلال ثان».

 

الرئيس الجزائري شبه أيضا البرلمان القادم الذي ستفرزه الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها يوم 10 ماي المقبل «بالمجلس التأسيسي» الذي سيتعين عليه إعادة صياغة الدستور ليتجلى من ذلك بوضوح إلى أي مدى تعول السلطة على حشد وتعبئة الجزائريين لقطع الطريق أمام دعاة المقاطعة.

 

في ظل هذه الظروف، يعوّل التيار الإسلامي في الجزائر على انضباط مناصريه في المواعيد الانتخابية حيث ستشكل مقاطعة الشباب الجزائري غير المتحزب أهم عامل سيحاول الإسلاميون استغلاله لفرض تواجدهم بالبرلمان القادم إذ أن الشعب الجزائري، ومن الجانب السياسي، لم يعد يؤمن بمفهوم «الدولة الإسلامية» التي عاشوا أقبح ما يمكن أن تفرزه خلال العشرية السوداء.

 

إسلاميو الجزائر والموجة الخضراء

 

أبت الأحزاب الإسلامية في الجزائر إلا أن تركب الموجة الخضراء التي حملها الربيع العربي في طياته رغم حساسية الموقف في الجزائر وخصوصيته بالنظر إلى تجارب الماضي. لكن الأحزاب الإسلامية الجزائرية ليست كباقي فاعلي التيار الديني في العالم العربي فبعد تجربة الجبهة الإسلامية للإنفاذ رضخ كل قياديي الأحزاب الإسلامية في الجزائر إلى السلطة وشاركوا في حكوماتها وساندوا برامجها وأطروحاتها إلى درجة أنه أصبح من غير الممكن لأي حزب إسلامي أن يخرج اليوم وينتقد السلطة دون أن توجه له أصابع الاتهام على أنه «حرباء متقلب» أو «انتهازي يستغل الدين».

حقيقة يدركها ممثلو التيار الإسلامي أنفسهم وهو ما دفع ببعضهم  تبني إستراتيجية أخرى

طمعا في الخروج بنتيجة إيجابية خلال الاستحقاقات المقبلة.

 

في هذا السياق، أعلنت ثلاثة أحزاب إسلامية جزائرية مطلع شهر مارس الفارط إنشاء تحالف سياسي أطلقت عليه اسم «تكتل الجزائر الخضراء» كان الهدف منه المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة بقوائم موحدة. وحسب مؤسسي التحالف، فإن هذه المبادرة السياسية جاءت «تلبية لمطالب الشعب الجزائري التي يعجز عن تلبيتها حزب واحد»، مشيرا

المشروع الإسلامي يعود إلى الجزائر من بوابة الربيع العربي  |

 

إلى أن الأحزاب الثلاثة للتكتل تبنت ميثاقا وبرنامجا واحدا وقائمة واحدة لخوض الانتخابات

المقبلة مع إمكانية تشكيل تكتل سياسي واحد في قالب حزب مباشرة بعد التشريعيات.

ويتشكل التكتل الإسلامي من أكبر ثلاثة أحزاب إسلامية جزائرية هي حركة مجتمع السلم (الإخوان المسلمون) برئاسة أبو جرة سلطاني المشاركة في الائتلاف الحكومي بأربعة وزراء، وحركة النهضة برئاسة فاتح ربيعي وحركة الإصلاح الوطني برئاسة حملاوي عكوشي. ومباشرة بعد إعلانه، تبنى التكتل الإسلامي خطابا معارضا وحاد النبرة تجاه السلطة في مناورة منه لإقناع الشعب بأن الإسلاميين الجدد هم المعارضين المستقبليين للسلطة رغم أن السير الذاتية لقياديي التحالف، خاصة رئيس حركة مجتمع السلم، لا تزال تلاحقهم وهو من ساند السلطة لأكثر من عشرية كاملة.

 

لكن تحالف الإسلاميين في الجزائر بقي ضعيفا في وجهة نظر الرأي العام الجزائري بفعل تقلب مواقف قيادييه وعزوف عدة وجوه إسلامية بارزة عن المشاركة فيه كمثال رئيس جبهة العدالة والتنمية «عبد الله جاب الله» الذي رفض الانضمام إلى التكتل، متهما الأحزاب التي تشكله بأنها «انبطاحية» للسلطة و«جبهة التغيير» بقيادة وزير الصناعة الأسبق «عبد المجيد مناصرة» المنشق عن حركة مجتمع السلم وهو ما لم يسمح بلم شمل الإسلاميين تحسبا لمواجهة التيار الوطني الذي وعد بالتصدي «للمشروع الأخضر».

 

من جهة أخرى، شكلت السفريات المشبوهة لرئيس حركة مجتمع السلم، «أبوجرة سلطاني»، عشية إعلان ميلاد تكتل الجزائر الخضراء، إلى كل من قطر وتركيا، عامل شك آخر في قلوب الجزائريين المتسمين أصلا بتفسير تآمري لما يحدث حاليا في المنطقة العربية إذ شنت عدة وسائل إعلام جزائرية هجوما عنيفا على قائد التيار الإسلامي متهمة إياه «بالتآمر ضد الجزائر» ومحاولة استيراد الربيع العربي إلى البلاد.

وفي كل الأحوال، فقليلون من هم اليوم في الجزائر يؤمنون بفوز الإسلاميين خلال الانتخابات التشريعية المقبلة حتى من جانب السلطة التي قللت من شأن التيار الإسلامي متحججة بنبذ الجزائريين لمثل هذه المشاريع السياسية التي تم تجريبها من قبل.

 

لكن السلطة الجزائرية قد سبق لها وأن قللت من شأن التيار الإسلامي سابقا ودفعت الثمن غاليا فهل ستشكل الجزائر استثناء سياسيا في المنطقة من حيث فشل التيار الإسلامي من الوصول إلى السلطة بعد أن كانت الاستثناء فيما يعرف بالربيع العربي؟