الإعلان

 

مجتمع قسم عام انتصار مدنيّة الدولة
انتصار مدنيّة الدولة
دكتور محمد الحدّاد   

 

انتصار مدنيّة الدولة |

المطّلعون بدقّة وعمق على تواريخ الديمقراطيات الحديثة يعرفون حقّ المعرفة أنه لا يوجد مجتمع أصبح ديمقراطيا بين عشيّة وضحاها، بمقتضى قرار سياسي أو مرسوم إداري.لقد مرّت كل التجارب الناجحة بمسالك معقّدة قبل أن تبلغ حدودا قصوى أو دنيا من الديمقراطية وترتضي لها النظام السياسي الأقلّ سوءا فيما عرفته البشرية إلى الآن. وعندما نقول إنه الأقلّ سوءا، فنحن نسلّم بأنه ليس نظاما كاملا، ومن الممكن أن نتصوّر ذهنيا أنظمة أخرى أكثر كمالا، لكنها ستكون على الأرجح تجريدات ذهنيّة وإيتوبيات غير قابلة للتطبيق.

وفي محاضرة ألقيتها مؤخرا بإحدى العواصم العربية، قرأت مقطعا من مقال كانت نشرته صحيفة الأهرام المصرية سنة 1877، وهذا نصّه: "أحسن الطرق وأولاها بالسلوك هو الطريق الذي قد امتحنته أيدي التجربة وترتّبت عليه النتائج في عالم الأعيان، وها نحن لا نشكّ في أنه قد حصل لأهل أوروبا تقدّم ووصول إلى الغاية المطلوبة في هذا العالم، وكان ذلك نتائج مقدمات أوصلتهم إلى هذا المطلوب. فلا بدّ لكلّ إنسان أن يبحث عن تلك المقدّمات التي أنتجت سعادة أولئك الأمم حتى يستعملها في إيصال أهالي ملّته ووطنه إلى مثل ما ناله غيرهم".

انتصار مدنيّة الدولة | هذا الكلام لم يقله علماني أو مستشرق، بل نشرته الصحيفة على لسان الشيخين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وهو يعبّر عن أريحية في التعامل مع الموضوع السياسي يصعب أن نجد مثلها اليوم، فذلك جيل لم يكن يحتاج إلى المزايدة في الورع والتقوى، وكان الأدرى بما خلّفه التراث الأصيل من استبداد أصيل أيضا، مدركا تمام الإدراك بأن القيم الكونية للحرية والكرامة التي اتفقت حولها الشرائع الدينية والوضعية لم تكن متجسدة في التاريخ الفعلي للمسلمين منذ قرون طويلة.

وعندما قرأت هذا المقطع، علّق عليه مثقّف محترم بأنه لا يعدو أن يكون شاهدا على انبهار الجيل النهضوي الأول بالغرب، وقد فكرت مليّا بعد المحاضرة في مضمون هذا الاعتراض، فهو من الناحية التاريخية اعتراض سليم، فلم يكن ذلك الجيل يدرك إدراكا واقعيا ما كانت الديمقراطية الغربية تتسم به آنذاك من مساوئ، قبل أن يصطدم بتلك المساوئ في فترة الاستعمار المباشر. لكن، ماذا لو أن المجتمعات العربية قد اقتبست الديمقراطية الغربية بمساوئها في ذلك العصر، هل سيكون وضعها أفضل مما هي عليه اليوم أم العكس؟ ألم تكن قادرة على تبيئتها وتطويرها على مرّ العقود، فتتطوّر الممارسة الديمقراطية محليّا تطوّرها في مجتمعات المنشأ، مثلما أن الديمقراطية الانجليزية اليوم هي غير ما كانت عليه فيالفترة التي "انبهر" بها الشيخان؟

 

لكنّ الرغبة في أن نبلغ في مرّة واحدة نظام الكمال، في السياسة وفي غير السياسة، هو أحد عوائق تطوير مجتمعاتنا في الماضي كما في الحاضر، والحال أن السياسة هي مجال الممكن، تبدأ بالمتاح وتتطور به نحو الأفضل.

على هذا الأساس، ينبغي أن نكون اليوم واقعيين وأن ننزّل الثورات العربية في الأفق المتاح عالميا وهو الأفق الديمقراطي، بدل المزايدة التي ستنتج شعارات برّاقة نكتشف زيفها بعد حين. لا سيما أن الديمقراطية لم تعد اليوم نظام "الأمم الأوروبية" وحدها، بل أصبحت نظام اليابان والهند والعديد من المجتمعات التي كانت تعدّ سابقا، مثل العرب، أمما شرقية. وفي تقديري، لقد حققت الفكرة الديمقراطية انتصارا تاريخيا منذ بداية الربيع العربي، وذلك عندما قبلت حركتان إخوانيتان مهمتان، في تونس وفي سوريا، مبدأ مدنية الدولة، قاطعتين مع الجماعة الأمّ في مصر التي مازالت ترفض بعناد هذا المبدأ، ومتراجعتين عن لحظة الميلاد الأولى المرتبطة بتلك الجماعة. وليس مهمّا أن يكون الدافع إلى ذلك قناعة فكرية أم دهاء سياسي، وهو على الأرجح مزيج بين هذا وذاك، لكن أليس اليسار قد تراجع أيضا عن الماركسية اللينينية ليقحم مقولة الديمقراطية في خطابه؟ المهمّ أن التاريخ سيسجّل هذا الانتصار لمبدأ مدنية الدولة على من كانوا يحاربونه في الأمس القريب، وستترتّب على ذلك تنازلات أخرى تفتح نوافذ جديدة لدمقرطة المجتمعات العربية، لأنّ ممارسة السياسة بالمعنى الحقيقي، سواء في الحكم أم في المقاومة، يحوّل الفكر من التجريد والمثالية إلى الواقعية، ويجعله يصطدم بتعقّد الأوضاع وتشابك المصالح.

انتصار مدنيّة الدولة |

ستجد الحركات الإخوانية طريقها إلى "التعلمن"، بمعنى أن تنخرط في الحراك الحقيقي للعالم، فالإقرار بمدنية الدولة هو إقرار بالطابع المدني لإدارة شؤون هذا العالم. وستدرك بالممارسة أنه لا يوجد شيء جاهز يمكن أن يطبّق على المجتمع، وإنما توجد مبادئ وقيم تتفاعل مع الوقائع والسياقات المختلفة. هكذا ستبتعد هذه الحركات شيئا فشيئا عن أساطيرها المؤسسة بقدر ما ستتقدّم في الممارسة السياسية المدنية، وتتخلّص من المطلقات عندما تخرج من التفكير المجرّد إلى التفكير العملي. ولهذه الأسباب أشعر بتفاؤل نسبي بمستقبل العالم العربي وأقدّر أن دعوات التنوير السابقة قد بدأت تؤتي أكلها، وقد تجني المجتمعات ثمارها ولكن بعد حين.

انتصار مدنيّة الدولة |


دكتور محمد الحدّاد