الإعلان

 

مجتمع قسم عام الحركة النسوية تولد من جديد
الحركة النسوية تولد من جديد
دينا قابيل   

انخرطت السيدتان في ثورة 25 يناير المصرية واصطفا في الحركة النسوية المصرية، تدركان أن التحديات اليوم كبيرة لكنهما يصران على استكمال الطريق والتكتل في مسار واحد مهما اختلفت الاتجاهات. عرفا أن الحل لمجابهة التيارات السلفية التي تشد الحركة للوراء هو في التكتل والحشد وفي تحويل ردود الأفعال إلى أفعال ومبادرات.

 

في 8 مارس 2011 في ميدان التحرير، بعد 24 يوما من تنحي رأس النظام المصري، خرجت جموع النساء من أمام نقابة الصحفيين رافعة، في يوم المرأة العالمي، مطالب الثورة في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وتم إفشال المسيرة ووأدها فوريا عن طريق العنف والتحرش عبر تحالف التيار السلفي مع سيطرة البلطجية وبمباركة السلطة العسكرية الحاكمة. كانت هذه الأحداث كفيلة بإخماد الحركة النسائية مع تعالي دعوات توحيد المطالب وعدم فصل قضايا المرأة عن المطالب السياسية العامة، لكنها على العكس زادت الناشطات النسويات اصرارا وعنادا إيمانا منهن بأن التكتل وتنظيم الحركة هو الطريق الأوحد للخلاص.

كانتا هناك دائما .. نموذجان من النشاطات المصريات، "منى عزت" و"فاطمة خفاجي"، الأولى صحفية شابة تنخرط في حزمة من الأنشطة والأدوار كما لو كانت تريد أن تستثمر النبض الثوري في كل مناحي الحياة، وبخاصة في إحدى المنظمات النسوية التي تأسست منذ 1986 على يد مجموعة من يساريات جيل السبعينات، وهي "مؤسسة المرأة الجديدة"، والثانية هي استاذة علم التخطيط التي تمرست على مدى 20 عاما في لجان المرأة في اليونيسيف كبرى المنظمات الدولية، وأسست خفاجي مع مجموعة من الناشطات رابطة المرأة العربية[1] في نفس عام 1986.

كانت كلاهما مرابطة في ميدان التحرير أثناء اعتصام الثمانية عشر يوما للثورة المصرية، ثم في مظاهرات "الحرائر" التي تعدى فيها الأمن على النساء وتم تعريتهن وسحلهن وضربهن في أحداث مجلس الوزراء المعروفة، وفي 8 مارس 2012 حين نجحت الحركة في حشد الجموع من أجل رفع مطالب المرأة والتنديد بكشوف العذرية التي فضحتها سميرة إبراهيم: ثم في 16 مارس يوم المرأة المصرية، كما لو كانت الأحداث المتلاحقة التي استهدفت المرأة وسعت لتشويه صورتها وكسر عزيمة النساء الثوار قد جعلت الطاقة تدبّ من جديد في صفوف الحركة النسوية، أو كما لو كانت محاولات التيارات الإسلامية المتطرفة الساعية لتهميشها وإلغائها، قد شدت عودها من جديد لتصبح أكثر صلابة.

المرأة الآن واليوم وليس غدا

تعتبر منى عزت أن أحد أكبر التحديات التي تواجه الحركة النسوية في مصر هي صعود التيارات الدينية و بخاصة وصولها لمناطق صنع القرار في البرلمان وترشيحات انتخابات الرئاسة، وهي تيارات معروفة بأنها صاحبة خطاب معادي للنساء يتم توظيفه  في الهجوم على القوى الليبرالية الأخرى. ولا تستبعد منى عزت في ظل هذه الأجواء الهجوم على مسيرة النساء من قبل وجوه مثقفة لا تتوان عن وصف مطالب المرأة بالمظاهرات "الفئوية".
"وهذا أمر طبيعي وهذا تحديدا ما نريد أن نغيره، كما تؤكد منى بحماس، لأن هناك ثقافة أدت إلى وجود تمييز وعنف تاريخي تجاه النساء، فتخرج علينا أصواتا تدعي الحكمة تقول أن قضايا النساء ليس وقتها الآن، وأن الحل الديمقراطي حين يتحقق، ستتحقق بالتبعية كل مشكلات النساء وستحل من تلقاء نفسها. ننادي اليوم وبعد ثورة 25 يناير العظيمة بتغيير الواقع الثقافي السائد، لأن إذا لم يحدث تغيير وتكافوء فرص ستظل النظرة الدونية تجاه المرأة، وسيظل التحرش الجنسي والتواطوء المجتمعي لما تتعرض له النساء من عنف، وسنقبل التمييز تجاه النساء في المشاركة السياسية متذرعين بأنها لا تصلح، ولا تستطيع شغل المناصب القيادية. كيف نقول أن قضية المرأة قضية مؤجلة بعد ثورة رفعت شعار الحرية والكرامة، وأي كرامة نتحدث عنها وأي عدالة اجتماعية يمكن أن تتحقق في الوقت الذي نعتبر فيه نصف المجتمع أو 49% منه قضاياه مؤجلة؟ ".
أما الدكتورة فاطمة خفاجي فتدرك إلحاح قضية المرأة اليوم من واقع حركة التاريخ نفسها، حيث تذكر كيف كانت منذ اندلاع الثورة تسير محذرة بين صفوف النساء الثوار قائلة : "معظم البلدان التي شهدت ثورات على مر التاريخ، كانت المرأة تشارك كمواطنة مثل الرجل، ودائما كانت توجه لها دعوة مفادها لقد قمتن بالثورة وانتهى الأمر عودوا الآن إلى بيوتكن". كانت خفاجي مع بنات جيلها تعلم أن الثورة لن تعمم الديمقراطية والمساواة من تلقاء نفسها، بل يتعين انتزاعها انتزاعا، وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بمواجهة قوى رجعية هي السلطة العسكرية والسطوة الدينية المتطرفة المتمثلة في الاخوان والسلفيين. وتوجز خفاجي فكرتها قائلة : "الفكر العسكري وتيار الاخوان المسلمين كانوا متوافقين منذ البداية في نظرتهم للمرأة، أو لنقل أن الفكر العسكري والنسوية هما عنصران على طرفي نقيض، لأن الفرد العسكري لم يتعامل مع نساء في حياته المهنية، وصورة المرأة بالنسبة إليه هي تلك التي تركها تطبخ بالمنزل ولا دور آخر لها، أما الاخوان، فيعتبرونها مجرد مصدرا للشهوة الجنسية بصفتها كائنات يجب عزلها حتى لا تثرن غرائزهم".
وتشير خفاجي إلى أن هناك مبادرات عديدة على أرض الواقع تؤكد هذا التراجع السافر في دور المرأة مثل الحديث عن مراجعة قوانين الأسرة، واستبعاد المرأة من أول وزارة بعد الثورة، وإلغاء نسبة الكوتة في مجلس الشعب، بل و تصعيب وصول المرأة للبرلمان. وبمجرد استحواذ الاخوان على البرلمان أصبح النواب يقدمون بشكل يومي –طبقا لخفاجي- مشاريع قوانين هلامية تعتبر ردة حقيقية في نظام القوانين التي حصلنا عليها تاريخيا، مثل إلغاء قانون الخلع  ومثل تعديل سن الزواج بدلا من الـ18 عام المعمول به حاليا، وبأن يكون زواج الفتيات مع بلوغهن أي أنه قد يكون في سن 11 أو 12 وإلغاء الكشف الصحي للرجل والمرأة قبل عقد الزواج وغيرها.

"مجتمع مدني بدون حركة نسوية"

الحركة النسوية تولد من جديد |

يفرض سؤال تونس نفسه على الواقع المصري، أو كيف انتفضت الحركات التونسية يدا واحدة في وجه حزب النهضة الإسلامي درءا لأي تعدي على مكتسبات المرأة التي حصلت عليها، في حين لم تشهد أرض مصر صاحبة حركات تحرر المرأة منذ القرن التاسع عشر زخما نسويا مماثلا ؟
بعيدا عن الاجابات الجاهزة، وعن الإقرار بتوغل التيار الديني في مصر بالمقارنة مع ما هو في تونس، وارتفاع نسبة التعليم بين التونسيات وغيره، تجيب منى عزت ببساطة شديدة : "المرأة المصرية شاركت في الثورة وكان لها دور فاعل مثل الرجل، بل ومن قبل الثورة كانت تنتظم في الحركات الاحتجاجية منذ 2005 لكن بشكل فردي". وتضيف قائلة : "لا يوجد في مصر حركة نسائية، لكن هناك مبادرات، هناك عدد من الناشطات وعدد من المنظمات البعض منها فاعل والبعض غير فاعل، لكن لا نستطيع أن نقول أن هناك حركة نسائية منظمة لها برنامج واضح ولها ممثلين في الأحزاب، لا يوجد حركة بهذا المعنى ولها القدرة على الحشد.
أما فاطمة خفاجي، فترجع أسباب تدهور الحركة النسائية بالمقارنة بمثيلتها التونسية إلى غياب القوانين الملزمة في ظل الفساد القائم رغم وجود مجتمع مدني متأصل في مصر، وعلى العكس من ذلك، تتمتع تونس بوجود مجموعة من القوانين التي تعكس الدولة المعاصرة رغم عدم وجود مجتمع مدني.  
"هناك فارق في مسار الحركة النسوية، بين البلدين، كما تؤكد خفاجي أنّ في تونس كانت الحركة النسائية منتعشة ومتحققة منذ عهد الحبيب بورقيبة، رغم أنّه كان حاكما مستبدّا، إلا أنه حرص على ربط انجازاته بصورته في الغرب وتصدير صورة الحاكم المتحضر، فأعطى للمرأة قوانين تعد الأكثر تقدما في المنطقة العربية كلها، مثل منع تعدد الزوجات، وعدم الاكتفاء بالمأذون في حالة الطلاق بل وجوب اللجوء إلى القاضي، كما لم يظهر في عهده الجواز العرفي،  فضلا عن السماح بالتبني بشكل كامل وليس مجرد كفالة اليتيم كما يحدث لدينا، وحافظ الرئيس بن علي من بعده على نفس هذه الأسس".
أما في مصر، فرغم وجود حركة متطورة منذ العشرينات، في زمن هدى شعراوي وسيزا نبراوي، حركة ربطت المنجز السياسي بحقوق المرأة، إلا أنه مع قدوم ثورة 1952 –كما ترى خفاجي- أصبح هناك فكرة أن الحكومة هي من يوفر كل شيء، فتم إلغاء الأحزاب، والجمعيات الأهلية القوية، والحركة النسائية بشكل عام تجلت في محاربة القيادة النسائية القوية درية شفيق، بفكرة أن الدولة هي من يوفر كل شيء. " وبالفعل كان هناك حق الترشح والتصويت للمرأة لأول مرة، وسبقنا في ذلك بلدان كثيرة منها أوروربية في هذا المجال، ولكن بمجرد أن يتطرق الحديث عن الأحوال الشخصية كانت هناك اعتراضات عديدة داخل البرلمان (لا يريدون منع التعدد ولا يريدون الخلع)".

التحول من نموذج النسوية الذي تتيحه الدولة إلى تكتلات ما بعد الثورة

تروي خفاجي العضوة الناشطة أيضا بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي أنه بعد مرحلة عبد الناصر، كان هناك تطوير في قانون الأحوال الشخصية في السبعينيات من خلال تعديلين مهمين مثل ضرورة إخطار الزوجة وموافقتها على الزيجة الثانية، وثانيا حقها في مسكن الزوجية بعد الطلاق بعد أن كانت مهددة بترك مسكن الزوجية. ومع مرحلة سوزان مبارك، حدث تراجع في منجزات عديدة مثل قانون الخلع، واصبح هناك ما يسمى في عهدها ال state feminism، بمعنى أن الدولة هي من يعطي ويمنح، لكن الجانب الايجابي هو ظهور جمعيات تنادي بتغيير قانون الجنسية، وقانون الخلع، وحق المرأة في أن تكون قاضية، وعلى مدار الـ30 سنة الأخيرة كانت الجمعيات تعمل بدأب على هذه الموضوعات.
أما اليوم وبعد الثورة، أو بالأحرى بعد العديد من الانتهاكات التي تعرضت لها المرأة، تدرك الناشطات والحقوقيات أن التنظيم والمبادرة والتسلح بالمعلومات خير وسيلة لتطوير الحركة النسوية، حيث تشكل تحالف المنظمات النسوية من مجموعة تزيد عن الستة عشر جمعية، ومثلما نجحوا في التكتل والتنظيم في يوم المرأة المصرية، فقد شاركوا مع جمعيات أخرى في إصدار بيان يدين الحكم بالبراءة للضابط الطبيب المتهم بفضيحة كشوف العذرية التي كشفت عنها بجسارة سميرة إبراهيم.
صار اليوم رهان الحركة النسوية في توسيع شعبيتها في المحافظات و في تداخلها مع القضايا العامة المطروحة على الساحة. حيث تعدد فاطمة خفاجي –بكثير من الفخر- المجموعات التي تعمل على المرأة اليوم فتذكر 60 حركة وائتلاف وجمعية ولجان مرأة لم تكن بهذا الزخم في 8 مارس من العام الماضي، ويضاف إليها 25 لجنة شعبية وحركة 6 ابريل و نساء من أجل التغيير واتحاد المحاميات أو اتحاد النساء العالمي وغيرها.
رهان اليوم من خلال مجموعات الضغط المكونة من مختصين في قضايا مثل التوافق حول كتابة الدستور بما يضمن حصول المرأة على حقوقها أو مثل مشاركة القانونيات في الطعن على دستورية الجمعية التأسيسية للدستور. لا سبيل اليوم -في نظر هؤلاء الناشطات- إلا فرض المشاركة المجتمعية فرضا، لا سبيل سوى التحالف –رغم التنوع الشديد- في مواجهة الهجمة الأصولية القادمة.


 

دينا قابيل