الإعلان

 

مجتمع قسم عام تحجيـــــب مـصــــــــر؟
تحجيـــــب مـصــــــــر؟
فـادي تـوفـيـق   

تحجيـــــب مـصــــــــر؟ | لا نعرف متى على وجه التحديد دخل الفن التمثيلي مصر، في صورته الحديثة. لكن ما نعرفه جيداً، ان مثل هذا الفن لم يكن قد عُرف في مصر حتى منتصف القرن التاسع عشر.
هذا أقله ما تشي به حيرة رفاعة الطهطاوي ازاء مشاهدته الاولى احدى المسرحيات في باريس ابان وجوده فيها على رأس بعثة علمية مصرية، وارتباكه في تحديد وصف وتعريف واضحين لهذا الذي رآه مما اضطره الى إبقاء اللفظ الفرنسي للأسم، "تياتر"، والاكتفاء بتعريبه دون ترجمته لافتقاره الى معادل له في اللغة العربية.
التمثيل، مثله مثل المدرسة والقضاء المدني والطبابة الحديثة والدعوات الى السفور، كان مظهراً من مظاهر العلاقة المستجدة بالغرب، تأثراً به وتململاً منه في آن واحد. فلم يكن ما قوبل به الفن من ممانعة اجتماعية ودينية استثناءً بالنظر الى ما قوبلت به شارات الحداثة الاخرى من تعليم وقضاء وطبابة وغير ذلك. ولعل في الاطلاع على سِيَر رواد الحركة التمثيلية والغنائية المصرية ما يفيد بهذه الممانعة الاهلية. فأم كلثوم ظلت على مدى اعوام في بداياتها تغني متنكرة في زي صبي بدوي، في حين يندر في سِيَر الممثلات المصريات ان لا يتلازم قرارهن امتهان التمثيل والشقاق مع الاهل الذي قد يفضي الى الانفصال التام عنهم والنبذ، وخصوصاً في اوساط الفنانات اللواتي امتهنّ التمثيل في الفترة الممتدة بين الثلاثينات ومطالع الستينات من القرن المنصرم.
خلال الستينات وبعدها، طُمرت العلامات والمؤشرات الحقيقية الدالة على المعاني التي يعتمل بها الاجتماع المصري، تحت ركام هائل من الشعارات الوطنية والتحررية التي اشاعتها الناصرية. فلم يدر المصريون ولا العرب معهم ما الذي حدث وقتذاك، واذ عرفوا ببعض ما حدث فإنهم لم يعرفوا كيف حدث. مثل هذه الغفلة عن كيفية حدوث ما حدث في اثناء الناصرية، يجد تعبيره الاوضح في الاستغراب والاستهوال اللذين تقابل بهما الكثرة الغالبة من مثقفي مصر، دعوات تحريم الفن واقدام بعض الفنانات على اعتزال الفن والتحجب. ذلك ان ما يسوّغ الاستهوال والاستغراب ليس سوى الافتراض ان مصر الستينات كانت تذخر بشواهد للتحرر والانفلات من ربقة الاجتهاد الديني المتزمت، في حين ان ما جرى في تلك الفترة، اي فترة الناصرية، قد تم في شطر كبير منه على نحو فوقي لا يمكن رده في اي حال الى تبدل في مواقف المجتمع المصري ونظراته الى بعض الامور. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لم يتعدَّ خروج المرأة الى المدرسة والجامعة والعمل في تلك الاثناء، الخروج الجزئي والشكلي. فبحسب ما نقل محمد ابي سمرا عن الروائي المصري عبده جبير، فإن المرأة المصرية كانت حين تخرج الى العمل من دون حجاب التزاماً منها القانون الذي يفرض عليها السفور، كانت حين تعود الى البيت، تأوي الى حجابها وتبقيه حين تخرج من البيت الى السوق او في زيارات.
فمصر، حين عمّتها الناصرية، لم تكن قد دخلت في اطوار حداثتها "الناجزة"، في معنى ازاحة سلك رجال الدين عن مواقع الصدارة من الحياة الاهلية وما يعنيه ذلك من تقويض لسلطة المؤسسات الدينية في ميادين التربية والفكر والقضاء. وباستثناء انحسار رجال الدين عن المشهد العام والظاهر الذي تم في مجرى صراع السلطة الناصرية مع "الاخوان المسلمين"، فإن ما خسره الاسلاميون من مواقع نتيجة ذلك، عادوا وربحوه مضاعفاً من طريق الحظر الذي فرضته السلطة نفسها على التنظيمات والاحزاب. هكذا، فحين فقد المصريون قنوات التعبير السياسية كافة لم يجدوا امامهم سوى الاطر الاسلامية المتشددة التي يكفيها في غياب الاحزاب بقاء المساجد اطراً وحيدة للقاء حتى تنتعش وتسود. وبقي رجال الدين - رغماً عن الناصرية وربما بسببها - عنصرا فاعلا في تشكيل ثقافة الناس والتأثير في ارائهم وقولبتها.

ما الذي تغيّر؟
لا يعني هذا ان المجتمع المصري قد تجمد وتوقف عن الحراك خلال الحقبة الناصرية. ففي معزل عن معنى القول بإن ظاهرة الاسلمة حديثة العهد في المجتمع المصري، فإن ما يجمع عليه الباحثون هو ان المصريين غدوا اكثر تشدداً مع صعود التيارات الاسلامية في منتصف سبعينات القرن الفائت. وهذا ما تؤكده ايضا الباحثة الاسوجية ماريتا ستاج في كتابها "حدود حرية التعبير في مصر"، وكذلك عبر الكلام الذي نقلته عن توفيق الحكيم: "في الماضي عندما كنا نرى اعلان مسرحية سيد درويش، "شهوة زاد"، لم يكن يصدمنا العنوان كمجتمع ولم نعترض عليه. ما الذي غيّره (العنوان) بعد عشرين عاما الى "شهرزاد" مع ان الاسم الجديد لا معنى له. فالمسرحية لا علاقة لها بالف ليلة وليلة". ويضيف متسائلا: "ما الذي تغيّر في المجتمع حتى يرفض الان ما كان يقبل به قبل عشرين عاما؟!".
مضى على وفاة توفيق الحكيم ما يقرب من العقدين، والمؤكد ان المجتمع المصري ازداد في غضون ذلك تأسلماً وتزمتاً وما زال المثقفون المصريون يرددون صدى سؤال الحكيم نفسه: "ما الذي تبدل حتى يرفض المجتمع المصري اليوم ما كان يقبله قبل ذلك؟".
يسأل المثقفون المصريون جميعهم السؤال نفسه، ويقدم البعض القليل منهم اجابات اقل ما يقال فيها انها متسرعة وترجىء الاجابة وتؤجلها اكثر مما تتصدى لها. خير مثال على هذا النحو من التصدي، تعاطي مثقفي مصر العلمانيين مع ظاهرة تحجب الفنانات واعتزالهن الفن على انها جزء من مؤامرة يقف وراءها ممولون عرب، تهدف الى تدمير الفن المصري وازاحة مصر عن مكانتها الرائدة في عالم الفن لصالح دول عربية اخرى. والحق، فإن كان يصح القول بالمال سبباً مباشراً لاقدام بعض الفنانات على الاعتزال، فإن المال وحده يبقى مقصّراً عن تفسير الانجذاب الواضح نحو التيارات الاسلامية في صفوف طالبات الجامعة الاميركية وخريجاتها في القاهرة، فكيف بتفسير لجوء النساء من ابناء الطبقات الراقية والحائزات قدراً جيداً من التعليم، الى التيارات الاسلامية المتشددة واستخدام معظم تلك السيدات لثرواتهن وممتلكاتهن الخاصة لجذب اكبر عدد من السيدات الى هذا التيار الديني؟! هذا فضلا عن ان ظاهرة تحجب الفنانات تفاقمت بعدما عمّ التحجب قطاعات واسعة من المجتمع المصري ولم يكن تحجب الفنانات تالياً سوى كناية عن تحجب مصر "التام".

تحجيـــــب مـصــــــــر؟ | بين نوم وضحاه
على نحو ما تسكت السيرة "العلمانية لـ"تحجب مصر" عن الاشارة الى العوامل والمسببات التي مهدت لهذه "الانعطافة" في المجتمع المصري، بحيث يبدو الامر كما لو ان مصر غفت ذات ليلة متحررة وافاقت متزمتة، على هذا النحو لا تشير سير الفنانات المعتزلات الى اسباب ومحفزات يُعتدّ بها، سبقت قرارهن الاعتزال. فالواحدة منهن تحلّ عليها الهداية من حيث لا تدري. فها هي الراقصة هالة الصافي، يدهمها بعد عقدين ونيف لامتهانها الرقص، شعور ثقيل بالخجل لمجرد تخيّل نفسها وهي ترقص امام الناس شبه عارية فيغمى عليها جراء ذلك لتفيق بعد وقت على صوت المؤذن، مرددةً وراءه كلمات الاذان فتقوم لتتوضأ للصلاة ولتخرج من الكباريه الى غير رجعة، ثم تتحجب في صبيحة اليوم التالي.
اما شمس البارودي، الممثلة التي ارتبط اسمها في السينما المصرية بأدوار الاغراء، فهدايتها تمت على نحو ايسر من سابقتها. فهي لم تحتج سوى الى قراءة قصيدة مطلعها "فليقولوا عن حجابي.. لا وربي لن ابالي"، كي تنصرف الى الصلاة التي لا تنهيها سوى بقرار التحجب واعتزال الفن.
ما حدث مع كاميليا العربي، المذيعة التلفزيونية، لم يكن اقل دهماً منه مع شمس البارودي. فالمرأة كانت لتوها عائدة من عند "الكوافير"، كعادتها كل سنة في آخر ليلة من ليالي شهر شعبان، وبينما هي تفكر كيف تقضي ليلتها، تجد نفسها منقادة لا اراديا الى المصحف الذي تفتحه وتبدأ بقراءة لا يقطعها سوى ابتدائها الصلاة التي ستدوم لساعات لن تخرج منها ألا متحجبة. على النحو نفسه، تروي الممثلة نسرين ان امها اتصلت بها لتخبرها عن منام ألمّ بها مراراً، ترى فيه الزوجة زوجها الذي يخبرها بأنه غاضب على ابنته الفنانة. إن هي الا ساعات حتى تتصل "الاخت" هناء ثروت (ممثلة معتزلة) بصديقتها نسرين لتحكي لها مناماً حلمت به، مشابهاً لمنام أمها. بعد هذه المكالمة ينتاب الفنانة نسرين خوف شديد يدفعها الى التوضؤ، تهيؤاً لصلاة لن تنهيها هي ايضاً الا متحجبة. اما الفنانة الشابة ميرنا المهندس، المعتزلة والمتحجبة قبل ايام، فقد استيقظت على حلم جميل انشرح له قلبها فأحست برغبة في التحجب فتحجبت.
هكذا، فما نالته مصر وهي صاحية، يسترده منها الاصوليون اثناء النوم.
من بين كثرة التيمات التي تحفل بها سير الفنانات المعتزلات، ثمة البكاء وهو الاكثر تكرارا على الاطلاق. فحيث تتنوع وسائط الهداية، بدءا بصوت الاذان مرورا بقصيدة مؤثرة، وانتهاء بالمنام، يبقى البكاء الاناء الذي ينقل الفنانات من حال الى اخرى، بل من حياة الى اخرى. كأن الدموع هي هنا كناية عن المطهر الذي يعبره هؤلاء خلال رحلتهن الخاطفة والملتبسة الى الاعتزال.
فها هي المذيعة كاميليا العربي لا تتذكر شيئاً من تلك الليلة سوى انها استغرقت في الصلاة وعندما افاقت، "وجدت بحراً من الدموع يبلل سجادتها". اما الممثلة نسرين فقد "ظلت تبكي بشدة لاكثر من ساعة"، في حين تقول المطربة شادية انها بكت في تلك الليلة كما لم تبك طوال حياتها. وكذا الحال مع الراقصة هالة الصافي التي بكت لساعات، ومثلها فعلت شمس البارودي عند قبر الرسول.
الفنانات المعتزلات يبكين بكاء شديداً فتولد من طريق بكائهن انفسهن الجديدة ثم يواصلن حياة اخرى مقطوعة الصلة بسابقتها تماماً. هكذا، فحين سأل احد الصحافيين الراقصة هالة الصافي بعدما رآها ترتدي جلباباً ابيض وطرحة بيضاء، هل انت هالة الصافي حقا، ما كان منها الا ان بادرته بقولها: هالة الصافي ماتت منذ اعتزلت الرقص. انا الان اسمي سهير حسن عابدين، ام كريم، ربة بيت. اما شادية فلئن لم تشهر اسماً بديلا من اسمها الذي اشتهرت به، فإنها، على ما ينقل كاتب سيرتها المقتضبة، بعدما تبرأت من 55 عاماً من حياتها امام قبر الرسول، عادت مخلوقة جديدة بقلب جديد. فهي اعتزلت الفن وكذلك الاصدقاء القدامى والفنانين والاقارب، وغيّرت رقم تلفونها وانتقلت الى شقة اخرى.
والحال، فما يبدو واضحاً وتفصيلياً في سيرة شادية وولادتها الجديدة، تجمله الفنانة سهير رمزي بقولها ان ليلة "هدايتها" هي ليلة ميلادها الحقيقية. وحين لا تستطيع منى عبد الغني الاقلاع عما اعتادت عليه سابقاً، اي السهر حتى طلوع الفجر، تسارع الى التمييز بين سهر وسهر. ذلك ان سهرتها هذه الايام تـمـضـيـهـا فـي الـصلاة والادعية وقراءة القرآن.
الناظر في سير الفنانات المعتزلات لا بد ان يلحظ انهن حين يصفن حياتهن الفنية السابقة، لا يملكن سوى ان يكثرن من لغة الذم. واذ يتبادر الى ذهن القارىء ان مثل هذه النظرة وليدة ما استجد على حياة الفنانة غداة اعتزالها وتحجبها، فإن واقع الحال يعاكس ذلك تماماً. هذا على الاقل ما يؤكده اقرار الكثرة الغالبة من الفنانين المصريين، نساء ورجالاً، بالدين حكماً ومرجعاً في الفن، حلالا وحراماً.
والحال، فلئن كان التمثيل واستتبابه مهنة في مصر من مظاهر الحداثة العديدة فيها، فإن امتهان الفن بالنسبة الى صاحبه لم يرتبط في الضرورة بنظرة حداثوية للحياة، متخففة من الارث الماضوي. فالذي جرى فعليا ان قسماً كبيراً من الفنانات وخصوصا الممثلات اتخذن التمثيل مهنة من غير ان يحسمن موقفهن من مشروعية هذه المهنة ومصادر مشروعيتها، فظللن ينظرن الى مهنهن وعملهن بعين مجتمعهن التقليدي مما ولّد لديهن عقدة ذنب رافقت مسيرتهن الفنية. فالقلق الذي يكثر ذكره في ايرادهن لحياتهن الفنية السابقة ليس سوى مرآة لعقدة الذنب تلك وصراع النفس وشقاقها وهي ترى الى نفسها الاخرى مذنبة.
والحق، فإن مثل هذا الضرب من النظر الى النفس "الحديثة" بعيون الجماعة التقليدية، لا ينفصل عن التحرر الفوقي الذي عاشته مصر والذي يمكن اجماله تحت مسمّى التحرر في معزل عن نصوصه ومرجعياته. على هذا، تبدو الممثلات المعتزلات، اذ يحتكمن في مواقفهن الى الشرع الاسلامي، عاصيات في عين انفسهن وفي عين المجتمع، تتملكهن فكرة كونهن مذنبات دائمات.

الشيطان و... إسرائيل
رغم هذا كله، لا يمكن القول ان شيئا لم يكن ولم يتم النكوص عنه، فالواقع ان النكوص لا يحتاج الى دلائل كثيرة، وبين الامس واليوم ثمة شواهد كثيرة على هذا التراجع ليس اعتزال الفنانات سوى احدها. هكذا، ففي حين كان في امكان شخص كعادل ادهم ان يجاهر بإلحاده في ثلاثينات القرن المنصرم ويصدر كتابا في الموضوع نفسه، عنوانه "لماذا انا ملحد"، من دون ان يكفَّر او يتعرض للاغتيال، غدا كافياً الآن ان يُرمى احد بالإلحاد، حتى يصبح عرضة للاغتيال الذي يجد من يقوم به غيرةً على الدين. واذ كان صحيحا ان ليس كل فتيات العرب في عقد الستينات كن ليقبلن ان يظهرن عاريات في افلام سينمائية كما هي حال ناهد شريف وطروب في بعض افلامهن، فإن الصحيح ايضاً ان احداً لم يكفر هاتين الفنانتين في ذاك الزمن او يهدر دمهما، ولم يدعُ احد الى مصادرة الافلام واقفال صالات العرض التي تعرضها. واذا لم يخلُ الامر من بعض الامتعاض، فإنه لم يتعدّ دائرة الامتناع الممتعض عن المشاهدة، لا اكثر.
حين وُضع عزت العلايلي وجهاً لوجه امام مشاهد الجنس التي مثّلها الى جانب ناهد شريف في فيلم "ذئاب لا تأكل اللحم"، لم يتورع عن رد هذه المشاهد الحقيقية الى تلاعب لا يستبعد ان تكون اسرائيل وراءه بغية تشويه الفن المصري.
اسرائيل العلايلي هي شيطان الفنانات المعتزلات الذي جرفهن في تيار الفن. وفي الحالين لا تُسأل النفس عما فعلت ما دام الشيطان واسرائيل يتناوبان على تسييرها الى ان يقضي الله امراً كان مفعولاً، فتعود النفس الى مرضاة باريها.

فـادي تـوفـيـق