الإعلان

 

مجتمع قسم عام ألوان أزعجت حراس الجدران
ألوان أزعجت حراس الجدران
نضال أيوب   

ألوان أزعجت حراس الجدران |

في حين يشهد العالم العربي انتشارا وابداعا في الفنون، ارتأى المسؤولون في لبنان ألاّ يسهروا إلاّ على جدران الشوارع. يحاكمون الرسامين بجرم استعمال آخر فضاءات الحريّة الباقية لديهم ليرسموا عليها. كان الأجدى بالدولة اللبنانيّة محاكمة العملاء، وبائعي اللحوم الفاسدة. لكنهم فضلوا ترك هؤلاء ليستقووا فقط على الناشطين والرسامين الذين لا سند لهم.

الغرافيتي ليس تهمة. لا قانون واضح في لبنان يمنع الرسم على الجدران. السلطات اللبنانيّة لا تمسّ أحدا ممن يرسمون رسوم سطحيّة على الجدران. إلاّ أنها تبتدع للرسامين الذين يعبرون عن مواقفهم بالرسم، تهما "كزعزعة الأمن والتحريض على النظام".

ألوان أزعجت حراس الجدران |

للّبنانيين واحات من الحريّة. تتغنى بها الدولة اللبنانيّة في المادة الثالثة عشر من الدستور اللبناني الذي ينص على حريّة إبداء الرأي قولا وكتابة. إضافة إلى حريّة الطباعة وحريّة الإجتماع بحسب ما ذكر بأكثر من مادّة. وللّبنانيين الحق بالنزول إلى الشارع للإعتصام تضامنا مع الشعوب العربيّة متى شاؤوا. باستثناء الشعب السوري. لذا لم يبق أمام الناشطين اللبنانين، الداعمين للشعوب العربيّة كافة، من خيار إلاّ جدران المدينة للتعبير عن تضامنهم. ورغم أن أكثريّة الرسومات والعبارت المتعلّقة بسوريا تشطب وتحرّف من قبل الموالين للنظام، إلاّ أن هذا لا يمنع الناشطين من الإستمرار باعتبارها طريقة حضاريّة للحوار بينهم وبين الرأي الآخر.

علي فخري وخضر سلامة، من أبرز الناشطين اللبنانيين، أرادوا من الجدران أن تشهد موقفا سيسجلونه. خرجوا في منتصف ليل 20 أبريل من الشهر الجاري، وانتقوا منطقة بشارة الخوري ليرسموا علم استقلال الثورة السوريّة مع عبارة الثورة مستمرة. هي ليست إلاّ قضية محقّة حملها الشابّان معهما في رحلتهما للتعبير عن سخط الشارع اللبناني من احكام العمالة المسيّسة و من احتكار السوليدير لوسط البلد الذي كان ملاذا للطبقات الشعبية قبل الحرب الأهلية.
هو تعبير عن موقفهم في ظل بلد منقسم سياسيا.  بلد لا يهتم برأي عامّة الشعب. إلاّ أن عيون السلطات غافلتهم هذه المرّة وجرى الإعتقال.

ألوان أزعجت حراس الجدران |

من مخفر إلى آخر انتقل الشابان. بدءا من مخفر الكرنتينا، وبعدها الى الشرطة العسكرية. من ثمّ إلى مخفر طريق الشام. في الصباح انتشر الخبر الكترونيا فتداعى ناشطون إلى إطلاق حملة على الفايسبوك. هبّ أصدقاء وأفراد من عائلة الشابين مع نشطاء لاطلاق حملة بدأت باعتصام أمام المخفر للمطالبة بالإفراج الفوري عن الموقوفين تحت شعار "الغرافيتي ليس جريمة". خاصة وأنه أصبح لهذا الفن يوم عالمي في البلدان المتحضّرة.

الناشطون اجتمعوا بالعشرات أمام المخفر. افترشوا الأرض ورسموا الغرافيتي في كل مكان دون أن يجرأ أحد على منعهم. هناك كانت أصوات ما يناهز المائة وخمسون شابّا وشابة تخترق قضبان " النظارة" لتصل إلى آذان علي وخضر وتقوّي عزمهما. أخيرا تقُرر نقلهما إلى سيار الدرك، وهو مقر تحرّي، بمنطقة فردان في بيروت. وأثناء النقل اقترب صحافيان ليلتقطا صورا للشابّين بسيارة النقل. إلاّ أن قوات الأمن قامت بالاعتداء عليهما وضربهما. استكمالا لسياستها القمعيّة التي بدأتها وأصرّت على متابعتها على أكمل وجه عبر التعرّض للصحافة بالضرب وكسر كاميرا أحدهما.

الإعتصام الذي بدأ منذ الصباح لم ينته إلاّ بإطلاق سراح علي وخضر ليلا. ولعلّ السلطات كانت تريد إبقاءهما وراء القبضان، إلاّ أنّها نتيجة الضغط و وإصرار الناشطين على البقاء حتى إطلاق سراحهما دفعها إلى الرضوخ.

ألوان أزعجت حراس الجدران |

هذه ليست الحكاية الأولى التي يكون بطلها القمع الذي تمارسه السلطات اللبنانيّة. لها أيضا قصّة أخرى مع سمعان خوام. لم يكن سمعان يرسم عن الثورة السوريّة ولم يتم توقيفه بحجّه "زعزعة العلاقات مع دولة شقيقة" كما علي وخضر. لوحته الجداريّة كانت محاكاة لذاكرة للشعب اللبناني توثيقا للحرب الأهليّة، كي لا ننسى. لم يسء إلى أي جهة سياسيّة محددة. كل ما قام برسمه هو جندي مجهول مع تواريخ من الحرب.

الدعوة القضائيّة ضد سمعان لم تكن بحجة الرسم بل كانت بتهمة مخالفة الأنظمة. المحقق قال لسمعان إن بإمكانه الرسم عمّا يريد باستثناء الجيش والسلاح. ورغم استغراب سمعان كيف يحظّر رسم السلاح في حين تواجده فعليا مع العديد من الميلشيات الحزبيّة. لكنّه أمضى على المحضر وخرج.

الاعتقال لم يرهب سمعان. فالدعاوى التي انهالت عليه والتحقيقات والمحاكمات التي ما زالت جاريّة في شأنه حتى يومنا هذا جعلته يرسم لوحة جديدة تجسّد القمع. تحوّل رسمه من جندي كامل ليصبح عبارة عن خوذة، كلاشن، وجزمة. ألوان أزعجت حراس الجدران | الخوذة دلالة على الجندي ورأسه الذي عليه تنفيذ الأوامر دون أي اعتراض. الكلاشن هو السلاح الذي نهدّد فيه يوميا إن كان بشكل فعلي أو معنوي. أمّا الجزمة العسكريّة فهي التي تدعس على أعناقنا طوال اليوم.

القضيّة لم تعد مسألة خضر وعلي وسمعان. القضيّة هي تصرفات الدولة اللبنانيّة التي تنتهك الحريات العامّة والفرديّة في التعبير السلمي. السلطات اللبنانيّة وأجهزتها الأمنيّة لا تلقي بالا للذين يجدر بها ملاحقتهم ومعاقبتهم، بل كل همّها ينصب على ملاحقة المواطنين الذين ضاقوا ذرعا بالمساحات الضيّقة للتعبير وبدؤوا بالبحث عن آفاق جماليّة جديدة لإيصال صوتهم.  تتبعهم محاولة بجدّ تضييق الفسحات عليهم وسلبهم حتى الحق في أن يكون لهم صوت مغاير لنغمتها.

معالم الحريّة بدأت تختفي تدريجبا من لبنان. لبنان لم يعد عاصفة الثقافة ولا ملجأ المثقفين الهاربين من بطش أنظمتهم. لبنان الآن مجرد قناع يقول عكس ما يضمر، ويضمر عكس ما يقول. ولبنان الجديد لم يعد مقاسه يناسب المواطنين التواقين للحرية والإرتقاء.

ألوان أزعجت حراس الجدران |

البارحة سمعان، اليوم خضر وعلي، وغدا الكل مستهدف. المعركة الآن باتت مفتوحة. إمّا حريّة التعبير للجميع بغض النظر عن الإختلاف وإما الإعتقال للجميع. هذا ما قرره الناشطون في اجتماع لهم بعد الإفراج عن زميليهما. ولأن جدران المدينة وشوارعها هي ملك للناس، اتفقوا على ان يكون 1 أيار يوما لهم تحت عنوان " يوم حرية التعبير في لبنان وخاصة الغرافيتي". أنشئت للحث صفحة خاصّة على موقع التواصل الاجتماعي :

ألوان أزعجت حراس الجدران |

نهار الثلاثاء، الساعة الحاديّة عشر مساءا، ستشهد بيروت صرخة قد تزعج بأصدائها حرس الجدران. وسيكون أمام السلطات خياران، إمّا الخضوع لرغبة المواطنين، أو إيجاد زنازين تسعهم، ومبررات تشفع لها وتبرر فعلتها أمام الرأي العام.

ألوان أزعجت حراس الجدران |

 


 

بقلم :نضال أيوب

قام بإلتقاط الصور المصوّرحسين بيضون